تقلُّب نتنياهو الانتخابي: هل هو تحذير لإيران؟

تم نشره في الاثنين 14 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماع حكومي - (أرشيفية)

توني كارون - (مجلة تايم)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يتمتع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسيطرة راسخة الجذور إلى حد بعيد في السياسة الإسرائيلية، بحيث يتمكن من استخدام العملية البرلمانية كمسرح سياسي-وذلك هو الدرس الذي تقدمه انتخابات إسرائيل المرة تلو الأخرى. ويوم الأحد الماضي، دعا نتنياهو، بشكل مفاجئ، إلى إجراء انتخابات يوم 4 أيلول (سبتمبر) المقبل. لكنه وبنفس السرعة، ألغى ليلة الاثنين الانتخابات بعد اجتماع "درامي" عقد في وقت متأخر من نفس الليلة مع زعيم حزب "كاديما" المعارض، شاؤول موفاز. وبدلاً من الاحتكام للناخبين، وافق الجانبان على تشكيل "حكومة وحدة" لما تبقى من ولاية نتنياهو التي تنتهي في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2013. وتبدو المسرحية وأنها قد أديت كلية: فبدا كاديما وأنه قوة نافذة شيئاً ما في السياسات الإسرائيلية بعد أن أبعد مؤخراً زعيمته، وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، تسيبي لفني، وهو لا يتوافر على برنامج واضح، بينما أظهرت استطلاعات الرأي العام أن من المرجح أن يخسر ثلثي تكتل مقاعده الراهن في الكنيست. وبكلمات أخرى، لم يمثل هذا الحزب أي تحد كبير لنتنياهو. لكنه في حال كان رئيس الوزراء يتطلع إلى خلق الانطباع بأن إسرائيل تعد العدة وتغذ الخطى نحو مهاجمة إيران، فإن إقامة "حكومة وحدة"، كما سبق لإسرائيل وأن فعلت غالباً في وقت الأزمات الأمنية القومية، يمكن أن يكون مُنبئاً بمغزى رسالته.
وقد حظي نتنياهو بالأفضلية لكسب انتخابات 4 أيلول (سبتمبر) -لدرجة أن العديد من المفكرين سعوا للاهتداء إلى تفسيرات جيوسياسية غير محلية لسبر غور قراره الذي رأوا فيه محاولة لتفريغ أي ضغط على إسرائيل من الرئيس باراك أوباما الذي يُحتمل أن يفوز بدورة رئاسية ثانية، أو حتى لتعزيز جبهة الوطن الداخلية، توطئة لأي قرار مصيري يتخذ بقصف إيران. ومن الطبيعي أن يعمد موفاز، وهو رئيس سابق لأركان الجيش الإسرائيلي، إلى تحدي خطاب نتنياهو علناً حول إيران، محذراً من أن أي هجوم مبكر على المنشآت النووية الإيرانية سيكون "كارثياً". ولذلك، فإنه ربما يمكن القول بأن وجوده سيقوي الأصوات داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي، التي تحث على ممارسة ضبط النفس فيما يخص إيران. كما أن تواجده في ائتلافه بكاديما، الذي يبقى أكبر حزب في الكنيست الحالي، يقوي يد نتنياهو في مواجهة الفصائل الأصغر، مثل حزب وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، "إسرائيل بيتنا"، باعتبار أنها قادرة على فرض أجنداتها الخاصة.
ومع ذلك، ومهما كان منطق نتنياهو، فإن هياجه السياسي يقف تذكرة بحريته في المناورة، على ضوء هيمنته الراهنة على الطيف السياسي الإسرائيلي. وكانت استطلاعات الرأي العام التي أجريت في الأسبوع الماضي قد أظهرت أن من المرجح أن يعزز نتنياهو من سيطرته السياسية في أي انتخابات جديدة، كما ومن زيادة تخندق الاستقرار السياسي الصقري الذي ضرب جذوراً في إسرائيل طيلة العقد الماضي. ومن شأن ضمان إعادة انتخابه أن يجعل منه وحسب ثاني رئيس وزراء إسرائيلي يفوز في غضون عقدين في انتخابات متتالية. (كان الأول هو آرئيل شارون).
وبالإضافة إلى ذلك، فإن متحديه الرئيسيين، الذين يعرجون بعيداً خلفه في الاستطلاعات، لم يكونوا يخططون للقيام بحملة حول إيران والفلسطينيين -وهما الموضوعان اللذان كان نتنياهو قد تصادم مع إدارة أوباما بشأنهما. وكان الساسة الإسرائيليون قد خاطروا مرة بالتصويت على إخراجهم من الحكومة (كما فعل إسحق شامير في العام 1992، ونتنياهو نفسه في العام 1999) لو نُظِر إليهم على أنهم يخرّبون علاقة إسرائيل بالبيت الأبيض. وفي رئاسته الثانية للوزراء، غير نتنياهو هذا المثال. ويقول دانييل ديفي، مفاوض السلام الإسرائيلي السابق والذي يعمل حالياً مع مؤسسة نيو أميركا فاونديشن في واشنطن: "يرغب بيبي نتنياهو، بل هو قادر على لعب السياسة في حديقة أوباما الخلفية والتحدث مباشرة إلى الطبقة السياسية الأميركية، بطريقة ضغطت على الإدارة لتغيير موقفها". ويضيف: "وعلى الرغم من أن أوباما هو زعيم أهم دولة حليفة لإسرائيل، فإنه ليس في موضع يتيح له عمل الشيء نفسه من خلال قبول الجمهور الإسرائيلي له على حساب نتنياهو. وذلك انعكاس للكيفية التي تغيرت من خلالها الأمور في إسرائيل -وفي واشنطن أيضاً".
وراء في العام 1999، تركت إدارة كلينتون القليل من الشك حول تفضيلها رؤية الإسرائيليين وقد صوتوا لزعيم أكثر ميلاً من نتنياهو لإكمال عملية السلام المنبثقة عن أوسلو. وكان زعيم الليكود قد خاض الانتخابات على خلفية بطاقة المعارضة الشرسة لفكرة الأرض في مقابل السلام. وكان أن اشتكى حلفاء نتنياهو، في عقب هزيمته من جانب زعيم حزب العمل في حينه (وزير الدفاع الحالي) أيهود باراك، من أن إدارة كلينتون قد تدخلت بفعالية للمساعدة في إبعاد رئيس الوزراء عن منصبه، من خلال إبداء اللامبالاة المتعمدة لرئيس الوزراء، ولانخراط استراتيجيين رئيسيين في إدارة كلينتون مثل جيمس كارفيل وبوب شروم وستانلي غرينبيرغ في التخطيط لحملة باراك. والحقيقة أن بعض مانحي كلينتون قد دعموا أيضاً زعيم حزب العمل. وواجه مناصرو كلينتون ذلك بالقول إن الاستراتيجيين والمانحين انخرطوا في خدمة مصالحهم الشخصية والتجارية، ما عكس الأمركة المتزايدة في السياسات الإسرائيلية. (كان ثمة استراتيجيون جمهوريون يعملون لصالح نتنياهو في نفس الحملة).
وإذا كان قد حدث شيء، فهو أن الصلات تعمقت بين السياسات الإسرائيلية وتلك الأميركية، وهو ما تمثل أحدث ما يكون في الدور الذي لعبه المؤيد الرئيس لنتنياهو، قطب الكازينوهات شيلدون أديلسون، في تمويل دعم "باك" للمحاولة الرئاسية لنيوت غينغريتش. ومع ذلك، تعرف إدارة أوباما اليوم أفضل مما تتوقع بأن عليها أن تسعى على نحو أقل بكثير وبنشاط من أجل إحداث بحر تغيير في السياسات الإسرائيلية. وعلى العكس من بيل كلينتون لا يعد باراك أوباما محبوباً على نطاق عريض من جانب الجمهور الإسرائيلي. وتؤكد حقيقة أن نتنياهو لا يواجه أي متحدين لمنصب رئيس الوزراء حقيقة أنه يجسد الإجماع الجديد.
كما يبدو نتنياهو وأنه تنكر إلى الحد الأقصى لحقيقة أن الاصطدام مع الرئيس الأميركي ينطوي على خطأ قاتل بالنسبة لزعيم إسرائيلي. بل على العكس من ذلك، تراه تكراراً وقد تحامل على إدارة أوباما مستخدماً رسائله العامة حول قضايا مثل عملية السلام وإيران لحشد المعارضة في الكابيتول هيل (الكونغرس)، وبين ظهراني الناخبين والمؤيدين لإسرائيل حتى ينجح في ثني الإدارة عن مطالبها بتحقيق السلام. وكانت الخلافات بين نتنياهو وأوباما واضحة للعيان من اللحظة التي تولى فيها المسؤولية: فقد أمل أوباما في دفع عملية السلام مع الفلسطينيين والمجمدة منذ أمد طويل، وطالب بأن يظهر الإسرائيليون حسن نية من خلال وقف كل الإنشاءات الاستيطانية في الأراضي المحتلة. لكن نتنياهو رد بقوة في ذلك الموضوع حاشداً دعماً من كلا الحزبين في واشنطن ضد دعوة الرئيس أوباما لمفاوضات سلام تستند إلى حدود العام 1967، وهو ما أجبر أوباما في نهاية المطاف على الإقرار بهزيمته ووضع عملية السلام في "ليمبو" غامض ومشوش.
وكان نتنياهو قد أصر منذ البداية على أنه يجب إعطاء إيران، وليس الفلسطينيين، الأولوية في المباحثات الأميركية الإسرائيلية، فضلاً عن أنه صنع ضغطاً لغاية تصعيد غربي في العقوبات من خلال تهديداته الدائمة بشن عمل عسكري أحادي الجانب (ضد المنشآت النووية الإيرانية). وكان لاستخدامه المتكرر لمجاز الهولوكوست في تأطير موضوع إيران تأثيره، المقصود أو غير ذلك، في تصوير الرئيس أوباما على أنه مراوغ ضعيف في وجه تهديد حدوث يوم القيامة. لكن هذه المبالغات في خطابه السياسي قد تعكس أيضاً أنه يسعى ببساطة للمحافظة على قوة الضغط على القوى الغربية. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل، وعلى نحو نمطي، لا تستهلك في العادة أعواماً من قرع طبول الحرب قبل شن عمل عسكري.
وفي ضوء خلافاتهما الواضحة ولقاءاتهما المتوترة، لا يحتاج واقع الحال إلى كثير استبصار لاستنباط أن كلاً من نتنياهو وأوباما ينطوي على تفضيل رؤية الآخر وقد أبعده الناخبون عن منصبه، لكن كلا الرجلين عرفا على الأرجح كيفية مواءمة نفسيهما وفقا لقدرتهما في التأثير على المحصلة. وفي الأثناء، تبدو احتمالات اختتام عملية السلام التي اعتمدت دائماً على رغبة القادة الإسرائيليين والفلسطينيين في القبول طوعاً بإجماع دولي على بنود وشروط حل الدولتين اليوم أبعد مما كانت عليه في أي نقطة في العقدين الماضيين. وتماماً مثلما ستغير نهاية حقبة أوسلو في الشهور والأعوام قواعد اللعبة السياسية الفلسطينية، فإنه من المتوقع لها أيضاً أن تغير على نحو معمق قواعد السياسات الإسرائيلية.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 ?Netanyahu’s Election Flip-Flop: Is He Sounding a Warning to Iran

التعليق