أميركا: طرف لا غنى عنه، لكنه غير مرئي في الأزمة السورية

تم نشره في السبت 5 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً
  • مبنى السفارة الأميركية في دمشق - (أرشيفية)

جاكسون دييهل — (الواشنطن بوست) 30/4/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
طوال عام، دأبت جوقة من المفكرين العرب على الادعاء بأن الربيع العربي قد أدخل الشرق الأوسط في حقبة جديدة، والتي لم تعد معها الولايات المتحدة "الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها،" كما وصفها ذات مرة بيل كلينتون. لكن سورية أثبتت لهؤلاء أنهم كانوا على خطأ.
بكل تأكيد، ما يزال الدليل حتى الوقت الراهن سلبياً: فهناك فشل الأمم المتحدة أو جيران سورية في وقف انزلاق البلد إلى أتون حرب أهلية في ظل غياب القيادة الأميركية. لكن الحالة تظل على الرغم من ذلك استنباطية -لأن أي قوة أو منظمة آخرى تاقت للتدخل وتعبئة الفراغ الذي تركته واشنطن، حاولت وفشلت في الوصول إلى دمشق.
ولنبدأ مع تركيا، جارة سورية وحليفتها السابقة، والتي كانت، وفق البعض، الكاسب الأكبر من الثورتين في تونس ومصر والاضطرابات القائمة في الأماكن الأخرى. وفي العام الماضي، أرسل رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان من موقف الواثق وزير خارجيته برسالة إلى (الرئيس السوري) بشار الأسد، كانت فحواها: أوقف قتل المدنيين، واجتمع مع المعارضة لديك وقم بتبني إصلاحات ديمقراطية. وقال الأسد أنه سيفعل ذلك، لكنه كذب وأمعن في القتل. ومنذئذٍ، كرر المناورة نفسها مع الجامعة العربية وروسيا ومبعوث الأمم المتحدة كوفي أنان.
ونتيجة لذلك، استشاط اردوغان، الرجل المتقلب، غضباً. فسمح لقادة المعارضة، بمن فيهم قادة الجيش السوري الحر، باللجوء إلى تركيا وتنظيم أنفسهم فيها. وقال بشكل متكرر إنه يدعم فكرة إقامة ممر إنساني أو ملاذ في سورية -وبكلمات أخرى، شريط أراضٍ تقوم بالسيطرة عليه قوى خارجية إن اقتضت الضرورة، ويتم الدفاع عنه بواسطة القوة العسكرية.
لكنه ليس ثمة ممر إنساني حتى الآن. والسبب بسيط تماماً: إن القوات العسكرية التركية لا تقوى على إطلاق مبادرة جريئة من دون الدعم الفعال والنشط للولايات المتحدة، إن لم يكن من جانب حلف الناتو ككل. ولا يعني ذلك أن تركيا لا تستطيع فعل ذلك؛ ففي العام 1998، أرهبت النظام السوري ببساطة من خلال حشد جيشها الضخم على الحدود.
لكن هذه الأزمة عرّت حالات الضعف التي تخالط الطموحات الإقليمية لدى إردوغان. وكقوة امبريالية سابقة في ظل العثمانيين، لا تستطيع تركيا التدخل في دولة عربية من دون التعرض لردة فعل انتقامية واسعة. سيما وأن حكومتها الاسلامية السنية باعتدال تثير الشكوك في صفوف الأقليتين المسيحية والكردية الضخمتين في سورية، ناهيك عن علويي الأسد.
وبدورها، قوضت التوترات الطائفية جهد الجامعة العربية لمحاولة فرض نفسها على المشهد السوري. فقد ألجمت الدول السنية، مثل المملكة العربية السعودية وقطر، اللتين تبديان شغفاً في التدخل من جانب الحكومتين الشيعيتين في العراق ولبنان. وفي الأثناء، تتعثر الجهود المستقلة التي تبذلها دول الخليج لتقديم أسلحة للمعارضة.
وبالنسبة لروسيا، فإن جهودها التي تبذلها لإعادة تأكيد دورها كلاعب في الشرق الأوسط من خلال التوسط لتسوية سورية، تمنى بالفشل أيضاً. ويريد الكرملين إنقاذ الأسد، لكنه يرفض في الأثناء حتى اتخاذ أكثر الخطوات تواضعاً واللازمة لفتح الطريق أمام التوصل إلى صفقة لحفظ ماء وجه النظام. وتستطيع موسكو أن تمنع مجلس الأمن الدولي من السماح بفرض عقوبات أشد وأكثر صرامة أو من التدخل عسكرياً، فضلاً عن أنها تستطيع تزويد الجيش السوري بالأسلحة وبالوقود. لكن الأسابيع الأخيرة تظهر أنها لا تستطيع وقف انزلاق سورية باتجاه الحرب الأهلية.
وذلك يترك المهمة الأممية لكوفي أنان، الذي يبدو مصمماً على تكرار كل خطأ كانت الأمم المتحدة قد ارتكبته في البلقان عندما كان أمينا عاماً للمنظمة الدولية خلال التسعينيات من القرن الماضي. فقد أقنع مجلس الأمن بإرسال مراقبين غير مسلحين لمراقبة وقف إطلاق النار عندما لم يكن هناك وقف لإطلاق النار؛ وقد استجاب للأكاذيب والعهود المنكوثة من الأسد عبر تجديد وساطته بدلاً من التخلي عنها.
إلى ذلك، حلّت عدوى روح انهزامية رديئة بالدبلوماسيين الأوروبيين والعرب الذين يعملون حول سورية. فتراهم يهزون أكتافهم ويقولون أنها لا توجد أي حلول، وأنه لا يمكن فعل الكثير لوقف القتال، وأنه ما من طريقة لبناء إجماع دولي من أجل فرض إجراءات أشد.
وتسمعهم يقولون ذلك —وتراهم يتنبأون بالموعد، وما إذا كانت إدارة أوباما قد تقرر التخلي عن سلبيتها. فالولايات المتحدة بعد كل شيء هي أكثر من قادرة على إقامة منطقة إنسانية في سورية والدفاع عنها، بمساعدة من تركيا والناتو. ولو أرادت مساعدة الجيش السوري الحر، فسيكون ثمة القليل من الشك إزاء الموعد القريب لحصوله على المزيد من هذه الأسلحة. إلى ذلك، يعتقد العديدون في المعارضة السورية بأن مجرد الإعلان عن هذه المبادرات الأميركية سيفضي إلى جعل نظام الأسد يتغضن وينهار من الداخل.
إن ما تمس الحاجة إليه، بالطبع، هو قرار من الرئيس أوباما بالالتزام. ولفعل ذلك، عليه أن ينحي جانباً الفكرة القائلة بأن القيام بأي عمل يجب أن يحظى بتأييد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وعليه أيضاً أن يشكل ائتلافاً خاصاً مع تركيا وغيرها من أعضاء الناتو بقيادة الولايات المتحدة. كما أن عليه أن يأمر الدبلوماسيين الأميركيين بالعمل على نحو مركز مع حركات المعارضة السورية والمجموعات الإثنية لبناء اتفاق حول النظام في مرحلة ما بعد الأسد.
وبعبارات أخرى، على أوباما أن يتصرف وكأن الولايات المتحدة ما تزال كما فهمها بيل كلينتون: الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Indispensable but invisible in the Syrian crisis

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق