متلازمة خضر عدنان

تم نشره في الجمعة 20 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً
  • ملصق تضامني مع خضر عدنان وهناء شلبي والمعتقلين الإداريين الآخرين - (أرشيفية)

بنيامين بارت – (لوموند) 2012/4/11
 ترجمة: مدني قصري
دخلت قصة الفلسطيني خضر عدنان السجل الذهبي للمقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي. ففي شهر شباط (فبراير)، استطاع خبّازٌ متواضع في مدينة جنين خضرعدنان، المسجون في إسرائيل، إخضاع سجانيه لإرادته بإضرابه عن الطعام لمدة 66 يوما، فحصل على حريته في نهاية أربعة أشهر قضاها في الاعتقال الإداري، فيما المعروف عن هذا الإجراء الاستثنائي الذي يسمح للسلطات الإسرائيلية باعتقال أي شخص تشتبه في أنه يشكل خطراً، من دون توجيه أي اتهام صريح له، أنه إجراء قابل للتجديد إلى ما لا نهاية.
في خضم هذا الانتصار، توقف اثنا عشر معتقلا إداريا آخرون، من بين 300 شخص أحصتهم منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان الإسرائيلية، عن تناول الطعام. ومن بين هؤلاء هناء شلبي (30 عاما) وهي عضو، مثل خضر عدنان، في الجهاد الإسلامي، وهي مجموعة إسلامية صغيرة كانت مسؤولة في السابق عن تفجيرات "انتحارية" في إسرائيل. وفي أوائل نيسان (أبريل)، وافقت الشابة التي أنهكها الاضراب عن الطعام، بعد 43 يوما من دون طعام، على إنهاء إضرابها، وقبلت بترحيلها لمدة ثلاث سنوات إلى قطاع غزة.
الكفاح الذي خاضه هذان الوجهان، اللذان رفعتهما الشبكات الاجتماعية إلى مستوى إيقونات للمقاومة الفلسطينية، ما لبث أن أطلق ثانية تكهنات كثيرة حول اندلاع انتفاضة ثالثة. فعناد الشاب، المستعد لأن يموت مكبل اليدين على سريره في المستشفى، في لفتة فدائية ليس فيها عنف – على عكس العمليات الانتحارية التي عوّد الجهادُ الإسلامي إسرائيل عليها- ما لبث أن أثار الرعب في حكومة بنيامين نتنياهو. ناهيك عن أن اقتراب جلسة المحكمة العليا الإسرائيلية للنظر في قضية عدنان، والتي يمكن أن تدين الدولة العبرية لاستخدامها المفرط للاعتقال الإداري، والذي أدى في نهاية المطاف إلى رضوخها للأمر الواقع.
فهل سيلهم هذا الانتصار النموذجي على سلطة الاحتلال الفلسطينيين؟ وهل كان سكان مدن الضفة الغربية سيقلدون أبناء عمومتهم في القرى، والذين تبنوا منذ عدة سنوات فضائل النضال الشعبي السلمي، كما تشهد على ذلك المظاهرات التي تنظم كل أسبوع في بلعين ونعلين، والنبي صالح، وفي بعضٍ القرى الأخرى؟ الجواب هو: لا.
لقد كان الحضور في يوم 30 أذار (مارس) في يوم الأرض، التاريخ الرمز في التقويم السياسي الفلسطيني، ضعيفا. فبسبب غياب القوات والنقص في التأطير، تحولت المسيرة السلمية المقرر وصولها إلى حاجز قلنديا على مشارف القدس، إلى اشتباك تقليدي بالحجارة والقنابل المسيلة للدموع مع الجنود الاسرائيليين، أعقبته اشتباكات ما بين المحتجين أنفسهم بسبب اختلافهم حول التكتيك المطلوب اتباعه.
وبدلا من أن يكون بشيراً بإعادة التعبئة الشعبية، كان الإضراب عن الطعام من عدنان خضر، وهو عمل تمردي فردي بالمطلق، علامة على وجود أزمة جماعية. وهذا دليل على عدم قدرة الجسم الفلسطيني السياسي والاجتماعي على إيجاد بديل للفشل المزدوج في الكفاح المسلح -الذي تخلت عنه كافة الأحزاب تقريبا- ولعملية السلام التي لم يعودوا يؤمنون بها.
ولا شك أن آلة المراقبة الإسرائيلية تحافظ باستمرار على حالة العجز هذه. ولم يعد تفتيت الأراضي المحتلة بواسطة نقاط التفتيش والمستوطنات والجدار الفاصل يعيق حركة الناس وحسب، ولكنه أصبح يكبل الأفكار والطاقات أيضاً. ففي العام 1967، وبعد حرب الأيام الستة، أتاح احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة التي كانت حتى ذلك الحين تحت الوصاية الأردنية والمصرية، لسكان هذه المناطق، التواصل والتبادل فيما بينهم، وهو ما خلق ديناميكية وإبداعا ما فتئت الانتفاضة الأولى تتغذى منهما. لكن في المقابل، ساهمت سياسة عزل غزة التي رسمتها إسرائيل في العام 1991، والتي دعّمتها موجة التفجيرات في العام 1990 والتي تكرست خلال الانتفاضة الثانية، وتُوجت بالانقسام بين حماس وفتح الذي ما يزال قائما حتى يومنا هذا، في تعميق الإحباط العام في المنطقة.
لكن القادة الفلسطينيين يغذون أيضا هذا النوع من الإحباط واللامبالاة. ففي الضفة الغربية، المنتفعة الأولى بالملايين من الدولارات التي تدفعها الدول المانحة، صار اهتمام فتح التي يرأسها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بالحفاظ على هذه العطايا والهبات، أكثر من اهتمامها بالنضال الوطني والتضحيات التي يتطلبها هذا النضال. وقد خلقت "صناعة المساعدات" هذه نخبة في المناطق الحضرية، مرتبطة مباشرة بفكرة الحفاظ على الوضع الراهن. فهي تتنقل في السيارات الرباعية اللامعة، وتخرج إلى حانات رام الله العصرية، وتسكن في بيوت فاخرة يحميها حُراس عند مداخلها. وهكذا تصبح المفارقة في منطقة مشبعة بالحواجز، صارخة!
في قطاع غزة الذي لا يزال تحت الحصار، يظل إغراء نزعة الاستهلاك أضعف بشكل واضح. لكن حماس، الغيورة على إقطاعيتها، والعاشقة للوقت الذي لا ينتهي، لا تبدو حريصة على إحياء القومية الفلسطينية. فهي تستند إلى الانتصارات، السارية منها أو المعلن عنها، التي يحققها إخوانها الإسلاميون.
ومن مفارقات الزمن أن شرطة حركة فتح وشرطة حركة حماس منعت في يوم 30 أذار (مارس)، في ذكرى يوم الأرض، متظاهرين كانوا يقومون بمسيرة باتجاه مواقع إسرائيلية. وقبل ذلك بثلاثة أيام كان مروان البرغوثي، بطل الانتفاضة الثانية، قد دعا إلى انتفاضة جديدة. لكنّ نداءه بالكاد ذهب أبعد من الجدران الأربعة للزنزانة الإسرائيلية التي يقضي فيها حكما بالسجن مدى الحياة.


*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Le syndrome Khader Adnan

التعليق