انعدام الثقة يولد الكراهية بين أفراد المجتمع

تم نشره في الجمعة 20 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً
  • انعدام الثقة بين الناس يؤدي إلى حدوث الكثير من المشاكل بينهم -(أرشيفية)

منى أبو صبح

عمان- نسمع كثيرا عن الثقة، وكيف أنها صفة محمودة يطمئن لها الأفراد والمجتمع، وهي تدخل في حيز الأمانة، التي تترسخ في كل القيم والأعراف، بعد أن تباعدت في زمن الاستهلاك، وأصبحت عملة نادرة.
كان هاني الرشدان (40 عاما)، استأمن صديقه في متابعة تأجير شقق العمارة التي يملكها، فهو لظرف ما قرر الإقامة في أحد البلدان العربية، حيث أوكل صديقه بمهام العمارة من تأجير واهتمام مقابل نسبة يتقاضاها، واتفقا على التواصل في الأمور المهمة.
كان هذا القرار الذي اتخذه الرشدان، بناء على ثقته المطلقة بصديقه، حيث استمر اتصالهما ببعضهما خمس سنوات يطمئن فيها عن حال صديقه وأحوال البناء الذي يملكه.
وبعد مرور سنوات عاد الرشدان للوطن لتفقد ملكه، وكانت صدمته كبيرة عندما علم بأن جميع الشقق مؤجرة منذ الشهر الأول من سفره، وجميع الإيجارات مرتفعة وسنوية.
ويقول الرشدان "أؤمن بأن هناك أزمات مالية واقتصادية، ولكن أزمة الثقة من أشد هذه الأزمات، بل أنها تتسبب إلى حد كبير في خلق المشكلات، وطبيعي أن تشتد الأزمة الاقتصادية عندما تفقد الثقة بين التجار وبين الناس وبين الممول والمستدين".
كانت وفاء فضلي (42 عاما)، وضعت ثقتها بصديقة لها لإدارة صالون التجميل الذي تملكه لعدم تفرغها لذلك، بعد أن أسسته وحققت له شهرة كبيرة، ولكن هذه الثقة لم تكن في محلها الصحيح.
وتبين فضلي قائلة "اشتعلت في نفس الصديقة الغيرة وحب المال، ما دفعها إلى فض الشراكة، واستغلال شهرة الصالون، وتحويل جميع الزبائن لصالح صالون التجميل الذي أقامته الصديقة فيما بعد".
وتؤكد أنها تعلمت درسا قاسيا من صديقتها التي جعلتها تعيد حساباتها بالناس، موضحة "فنحن لم نكن صديقتين بل أختين، فقد خسرت صالون التجميل، وقمت ببيعه، في وقت ما يزال التفكير يشغلني إن كان ضمير صديقتي مرتاحا، وهي فعلا حققت النجاح".
الاختصاصي النفسي الدكتور محمد الحباشنة، يرجع غياب الثقة بين الناس، إلى طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه، وهو مجتمع انتقالي تغيب فيه المعايير الأخلاقية، بعكس ما كان سابقا عندما كانت الأمور أسهل بين الناس والثقة متبادلة بين مختلف الأطراف.
ويفسر أن المجتمع أصبح كبيرا وفيه حركة تداخل، حيث كثرت الثقافات واتسعت الهجرات، مضيفا "فالمقاييس ليست واحدة لدى الجميع، فنحن نعيش في مجتمع استهلاكي ورأسمالي يبحث عن المنفعة الشخصية، بعيدا عن الأخلاق، حتى أصبح موضوع الثقة هامشيا وليس من المبادئ والأساسيات".
وترى هبة حمودة (40 عاما) أن الثقة تبلغ ذروة البشاعة، عندما تكون معدومة بين أفراد العائلة الواحدة، حيث لا يثق الزوج بزوجته، والأب بأبنائه والأخ بأخيه، مشيرة إلى أن عدم الثقة كان دافعا رئيسيا في طلبها للطلاق من زوجها، بعد أن ضيق عليها نطاق الحياة، وجعلها تشعر بأنها تعيش بداخل سجن وهو حارسه، حسب قولها.
حاولت حمودة معالجة هذا الأمر لكنها فشلت، قائلة "عندما لا يثق الزوج بزوجته، فيرجع الأمر لشخصيته الضعيفة وعدم ثقته بنفسه وبالآخرين، ويكيل الإتهامات للطرف الآخر محاولا التعبير عن سلوكه وتصرفاته، حتى وصل الأمر بتأثيره على الأبناء".
يؤكد المتخصص بالشؤون الأسرية فتحي طعامنة، أن الثقة بين الزوجين عنصر أساسي للحياة الأسرية، فهي تولد المحبة والمودة وتبني علاقتهما على أساس واضح ومتين من العلاقات.
أما في حال فقدانها، فإن الشك يتسرب بين الزوجين، ويؤثر على الحياة الأسرية، ويمكن أن يؤدي إلى هدمها، "فالشك قاتل، وهو أول مسمار يدق في نعش الحياة الزوجية ويولد الكذب بين الزوجين"، حسب ما يقول طعامنه.
ويؤكد أن للشك روافد وخلفيات، إذ من الممكن أن يكون الشخص قد تعرض لموقف معين في صغره، فأي تصرف يمكن أن يجيره باتجاه هدم العلاقة مع الطرف الآخر، "كأن يكون عاش ببيئة مماثلة، وفي مثل ذلك فافضل الطرق للعلاج المكاشفة والمصارحة بين الطرفين لنزع فتيل الشك"،وفقا لما يرى.
ويعبر زهير سعد الدين (35 عاما) عن استيائه لما وصلت إليه الأمور في هذا العصر الذي نعيش فيه، حيث فقدت الثقة بين الناس إلى درجة أصبح فيها الإنسان لا يثق حتى بنفسه، كما لا يوجد من يثق به ثقة عمياء، وبدون قيد أو شرط مهما سمت أخلاقه.
ويوضح ما وصلت إليه الأمور من تفكك وانعدام ثقة بقوله، "يمكن أن يسرد أحدهم إليك قصة أو حادثة أو يروي لك حديثا، فأول ما يفعل في بدء القصة وآخرها أن يستحلف الطرف الآخر بعدم روايتها لأحد، فكأنه واثق سلفا من عدم الثقة به، أو كأنه مقتنع أنه سينقل كلامه على الملأ ويذيع الخبر بين الناس لغاية في نفسه".
استاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية د .حسين خزاعي، يؤكد أن انعدام الثقة يؤدي إلى عدم الطمأنينة والإرتياح بين أبناء المجتمع أثناء التعامل، وإلى مزيد من العزلة.
كما أن عدم التكاتف والتعاون والتسامح بين أفراد المجتمع، بحسب الخزاعي، يؤدي إلى حدوث مشكلات اجتماعية خطيرة، ويمكن أن تتحملها الفئات الضعيفة في المجتمع، مثل الأطفال أو الفقراء أو المرضى.
يرى أن انعدام الثقة يعود إلى ضعف الوازع الديني لدى الناس، وتغليب المصلحة الشخصية على العامة، وحب الذات والظهور والمباهاة وأحيانا التقليد الأعمى، والتنشئة الاجتماعية الخاطئة، وهو ظاهرة خطيرة تؤدي إلى تفكك المجتمع والبناء الاجتماعي.

muna.abusubeh@alghad.jo

التعليق