لو أن فاطمة بنت محمد سرقت

تم نشره في الجمعة 13 نيسان / أبريل 2012. 02:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

هكذا يؤكد الإسلام معالم دولة الحضارة؛ إنها دولة العدالة، فإن وجدت فهي التي تؤدي إلى الرضا والانتماء، ومن ثمّ العطاء. وقصة عنوان هذا المقال أن امرأة قرشية من بني مخزوم سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فعزّ على قومها أن تعاقَب ويُعرَف أمرها، فتحدثوا فيما بينهم، ورأوا أن يشفع لها أحدٌ ما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذهبوا إلى أسامة بن زيد، الحِبّ ابن الحِبّ، ليشفع لها. وأقبل على النبي صلى الله عليه وسلم، وحدثه بذلك، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لأسامة: أتشفع في حد من حدود الله؟! إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. ولنا مع هذه القصة عدة وقفات، منها أن الحدود لا شفاعة فيها، وهي من أنواع العقوبات الثلاثة (القصاص، والحدود، والتعزير). فهي حق لله لا بد أن يُطَبَّق ولو عفا المتضرر؛ حق عام للأمة، كي لا يتهاون فيها الناس، ويبقى الفرد منتبها مراعيا حقوق الآخرين كما يهتم لحقوقه، ويعيش حين يعيش محترما نفسَه وغيره، حينئذ نبدأ رحلة الحضارة والأمن والاستقرار.
والعقوبات وإن بدت قاسية، لكنها من أجل أمن المجتمع كله. وقد قال الله: "ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب لعلكم تتقون" (البقرة، الآية 179). والعقوبات في أصلها رادعة، والذي شرعها هو نفسه الذي خلق الإنسان ويعلم مكوناته وميوله وجنوحه –أحيانًا- إلى العدوانية والشر. والإسلام يراعي المذنب بإتاحة التوبة له، أو تطهيره من الذنب بإقامة العقوبة عليه. ويراعي المجتمع بأكمله بضرورة سلامة سيره وأمنه، ليكون من بعد منطلقًا نحو المعاني السامية. ووقفة أخرى أن الناس وإن تفاوتوا في مراتبهم، إلا أن الإنسانية عامل مشترك بينهم، ويعز على أحدهم أن يرى مثيله في الخلقة يفوقه في الحقوق؛ هنا يكون الخلل والضغينة وحب الانتقام. ولنتخيل بيئة يسودها الظلم كيف يعيش أبناؤها! ولذلك جعل الله ميزان التفاضل الحقيقي هو التقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (الحجرات، الآية 13). وأكد الإسلام نظريا وعمليا هذا المفهوم؛ فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى. والله لا ينظر إلى أجسامنا وصورنا، ولكن إلى قلوبنا وأعمالنا. وهذه دنيا يعطيها الله لمن يحب ومن لا يحب، فليس العطاء فيها علامة حب، ولا المنع علامة بغض، وصدق الله: "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضُهم بعضاً سُخرياً، ورحمة ربك خير مما يجمعون" (الزخرف، الآية 32). فهي سنته سبحانه حتى تستقيم الحياة وتنطلق، فلا عيب في الفقر أو العجز، بل العيب كل العيب في الازدراء والتكبّر والسخرية من بعض، وكلنا نرجع إلى أب وأمّ، ومن هنا فما هو شعور أفراد المجتمع إن كانت المحاباة والتفريق بينهم؟ إنها الكراهية والبغض وتفتت المجتمع وتشتته، ولن تكون حضارة حقيقية في مثل هذه الأجواء والظروف. إن العدالة هي أساس الرقي والأمن. ولا غرابة أن تكون أول كلمة أمر الله بها هي العدل: "إن الله يأمر بالعدل..."، وهي من أهم واجبات الحاكم وحقٌ للرعية على الراعي: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.." (النساء، الآية 58). وصدق ابن تيمية وابن خلدون وغيرهما وهما يجليان واحدة من أهم عوامل بقاء الأمم: "إن الله يؤيد الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويمحق الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة". وهو التعبير إياه الذي ذكره الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم "الهلاك"؛ يهلك الأمة التي يظهر فيها الظلم. وما بينه النبي في الحديث إنما هو مثال ناسب حادثة الشفاعة في الحد، وإلا فالمقصود عموم الظلم وأشكاله، خاصة حين يظهر ويُطَبّق من قِبل الحاكم وزمرته، وليس من فراغ أن يقال: "العدل أساس الحكم".
وما أروعه من مثال يذكره الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ يذكر فاطمة ابنته، وهي صاحبة الفضل والمكانة عنده صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فلو سرقت لقطع يدها. وليس بعد هذا الإفصاح إيضاح بأن لا مجاملة في الحقوق والعقوبات والشأن العام للأمة. هكذا تنهض الأمم وتسود، وتكون لها قيمها الحقيقية وهيبتها؛ حين يستشعر أفرادها قيمة المساواة والعدالة. والإسلام سبّاق إلى هذه القيمة الحضارية التي انتزعت من الناس افتخارها واعتزازها بالأنساب، فيوجهنا الإسلام إلى ما فيه القيمة الحقيقية، حيث الاستقامة والعلم والعمل، فقد سبق بلالٌ الحبشيُّ أبا سفيان، وسبق صهيبٌ الروميُّ خالدَ بن الوليد، وسبق سلمانُ الفارسيُّ العباسَ عمَّ النبي. كم هي مظاهر الظلم والتخلف التي نجدها في مجتمعاتنا "الإسلامية"، بينما هي سبب ارتقاء الأمم "الكافرة" التي لا تعجبنا. فبدل أن يكون الدين وسيلة استقامة وعدالة وتبصير بالحقوق كلها؛ ما لك وما عليك، نجد الناس في انفلات من عقال الدين والقيم معا، وليس هناك إلا قانون يتحايل عليه واضعوه، ويميزون في تطبيقه بين هذا وذاك، لتعود مفاهيم الجاهلية من جديد، بينما نجد الآخرين يطبقون القيم الإسلامية إياها التي ذكرها الله العظيم في القرآن الكريم، وذكرها الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم وطبقها.
ولفتة أخيرة هي حرص الحاكم نفسه على مباشرة العدل والحزم فيه، وأن يكون قدوة لغيره، ولا يكون الخلل من قِبَلِه، حينها ستكون الاستقامة الشاملة، بل ثقافة الاستقامة.
حريّ بالمربين والموجِّهين والمسؤولين عموما أن يؤكدوا ويطبقوا مفاهيم العدل. ولو سبرنا غور النفس الإنسانية، فلا أحد يرى نفسه ضعيفا أو حقيرا. وهذا صحيح، فنحن لآدم، وآدم من تراب، وليس الجاه أو المال أو المنصب من يرفع الإنسان، بل هي الأخلاق والمبادئ، ولا يجوز لنا أن نهمل واقعة واحدة يسودها الظلم. وصدق من قال:
كن ابن من شئت واكتسب أدبًا... يغنيك محموده عن النسب وصدق رسول الله: "من بطّأ به عمله، لم يسرع به نسبه".
*عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

التعليق