القمح والجوع

تم نشره في الأربعاء 11 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً

فيليب شالمين – (لوموند)

2012/03/26

 ترجمة مدني قصري

في أوائل هذا الربيع، بدأت أسواق الحبوب العالمية تطرح العديد من الأسئلة التي تعكس ارتفاع الأسعار في شيكاغو أو باريس. لقد بلغ الإنتاج العالمي من الحبوب، بالتأكيد، مستويات قياسية في مواسم 2011-2012، وقد أتاح الفائض الذي تم تحقيقه تجديد المخزون من الحبوب بعد تضاؤله الشديد من جراء الكوارث المناخية التي شهدها العام 2010.
في تلك الفترة تسببت موجة الحر الكبرى التي اجتاحت روسيا وأوكرانيا في ارتفاع كبير في أسعار القمح والذرة، وكان لذلك بعض الأثر على أعمال الشغب بسبب تدهور الأحوال المعيشية التي مهدت لـ "الربيع العربي".
ففيما تظل الحالة الإحصائية لربيع العام 2012 غير قابلة لأي مقارنة، فإن المستوى المدعوم للأسعار العالمية (أكثر من 6  دولارات للصاع الواحد من القمح أو الذرة، في شيكاغو، أي أكثر من 200 يورو للطن في باريس) يبيّن أن المتعاملين في الأسواق يعيشون حالة من التوتر، تحسبا لأي طارئ جديد.
ماذا سيكون، على سبيل المثال، الأثر الحاسم لموجة البرد التي اجتاحت أوروبا في شهر شباط (فبراير) الماضي، على زراعة الحبوب الشتوية، في نهر الدانوب أوجبال الأورال؟ لقد كانت طبقة الثلج سميكة للغاية، ولذلك من المرجح أن تكون الشتلات قد جمدت، ما يستوجب زراعة حبوب جديدة مرة أخرى في فصل الربيع.
فمن جانب الطلب، يتساءل المختصون عن واقع الاحتياجات الصينية الحقيقية وواقع دول جنوب المتوسط: لقد استوردت الجزائر 7 ملايين طن من القمح في العام 2011، وهو رقم قياسي منذ الاستقلال (1962). ومن المتوقع أن تنخفض الأسعار العالمية في خلال العام 2012، في حال أوفت حملةُ العام 2012-2013 بوعودها، لكن الشكوك في هذا الشأن تظل قائمة وكثيرة.
ثم هناك أيضا منطقة أخرى في العالم باتت مهددة اليوم بكارثة غذائية حقيقية، وهي، مرة أخرى، منطقة الساحل التي شهدت للمرة الثالثة في غضون ثمانية أعوام، بعد 2004  و2009، موسم أمطار غير مبشر. هذا بعد أن كانت بلدان الساحل التسعة قد شهدت ارتفاعا في إنتاجها من الحبوب بشكل كبير، حيث انتقل المحصول من 10 إلى 22 مليون طن من الحبوب ما بين عامي 2000 و2010.
ولكن في خلال الفترة نفسها، نما عدد سكانها من 58 إلى 78 مليون نسمة. ففي العام 2011 لم يتجاوز الإنتاج 16 مليون طن، وقد قُدر العجز المتوقع بـ 2.5 مليون طن. وفي هذا الشأن تُقدر تحاليل "إنْ فيفو"، وهي المصدر الفرنسي الأول للحبوب، والتي تعيش في حالة تأهب قصوى، أن العجز سيكون أعلى مما هو مقدر بكثير.
لأن منطقة الساحل تقع أيضا في قلب العديد من التوترات السياسية، فقد طَردت الحربُ في ليبيا الكثير من السكان نحو النيجر وتشاد. وقد قُطعت ممراتُ الإمداد هناك، في حين لو ذهبنا جنوبا، في اتجاه شمال نيجيريا، على سبيل المثال، لوجدنا أن الناس هناك صاروا يعيشون، في بعض الأحيان، على حافة الحرب الأهلية.
فكلما كان من السهل نسبيا تزويد المدن الساحلية الكبرى بالحبوب، ازداد خطر تعرض البلدان الواقعة في قلب الساحل، وهي أكثر البلدان صعوبة في الحصول على الحبوب، لمزيد من المجاعة. لذلك تأتي تصريحات مجموعة البلدان العشرين حول الزراعة، بمثابة أول فرصة حقيقية لقياس فعالية التعبئة الدولية في هذا الشأن.
لقد تم الإعلان عن حالة التأهب في وقت مبكر، وذلك لأن "موسم الجوع" الحقيقي لن يبدأ إلا عند أواخر فصل الربيع. لكنْ، لن تصل الصور الأولى إلى شاشاتنا عن هذا الموسم المشؤوم إلا بعد فوات الأوان.
ففي العام 2012، سيصبح سكان منطقة الساحل ضحايا لتقلبات الطقس، وربما ضحايا أيضا لجنون البشر الدموي. لكنْ، أليس إهمالُنا ولامبالاتنا أدهى وأمرّ من كل هذه الكوارث؟
صدر هذا المقال تحت عنوان:  Le blé et la faim

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق