كلود حجيج: فرض السلطة للغة أمر شمولي

تم نشره في الاثنين 2 نيسان / أبريل 2012. 03:00 صباحاً
  • كلود حجيج - (أرشيفية)

مدني قصري

عمان - في كتابه "الفرنسية، قصة كفاح" يبيّن كلود حجيج Claude Hagège، الأستاذ المرموق بـ"كوليج دي فرانس" الصلة بين البناء السياسي لفرنسا، وبين المعركة القائمة لصالح اللغة الفرنسية، فهل هل للدور الذي تلعبه السلطة السياسية في فرنسا من أجل فرض اللغة الفرنسية كلغة وطنية نظير في بلدان أخرى؟ ويقول حجيج "إن فرض السلطة للّغة كشكل من أشكال رموز سلطتها أمر شمولي.
غير أن تسييس اللغة في فرنسا تحديدًا جاء مبكرًا جدًا، على صورة بناء وحدتها السياسية والإقليمية، بينما لم تأتِ هذه الصورة في حالة ألمانيا وإيطاليا إلا في القرن الماضي فقط". في سياق آخر يشير حجيج إلى أن الاستعارة اللفظية من لغات أخرى تمثل جزءا من الحياة العادية للغة، لكن هل ثمة حدود لهذا الانفتاح على الآخر الذي تصبح فيه اللغة مهدّدة بفقد هويتها؟ في هذا الشأن يؤكد حجيج أن هناك لغات أجنبية أدمجت كلمات من أصل فرنسي في تكوينها، إبتداءً من اللغة الإنجليزية نفسها في الفترة التي غزا فيها النورمنديون إنجلترا في القرن الحادي عشر.
فعدد الكلمات التي نقلها الفرنكو نورمنديون إلى بريطيانيا في العام 1066، يقول حجيج، أكبر بكثير من عدد الكلمات التي تستعيرها فرنسا اليوم من الأنجلو سكسونية. ويعني ذلك على صعيد العديد من القرون أن علاقة التبادل ما تزال في صالح اللغة الفرنسية. أما من حيث طبيعة التأثير الأنجلو سكسوني على اللغة الفرنسية في الوقت الحالي، فيرى كلود حجيج أن الفرنسية، من حيث درجة الاستعارة من لغة إلى أخرى غير مهددة بأي حال من الأحوال، إذ يقول موضحا "إذا أخذنا معجما يضم 60000 كلمة فرنسية سنكتشف أن عدد الكلمات الأنجلو سكسونية فيه لا يزيد على نحو 1500 كلمة، وهو ما يمثل 2.5 % من الألفاظ، وإذا بدت لنا الكلمات الأميركية أكثر عددًا فمرد ذلك أن استعمال هذه الكلمات بات أكثر شيوعًا".
وذلك بالتأكيد لأن هذه الكلمات المستوردة تنطبق على حقائق (اكتشافات مثلا) حديثة، لكن هل الفرنسية قادرة على أن تطرح كلمات بديلة جديدة لإعادة تسمية هذه الحقائق؟ "بالطبع، يقول حجيج، لقد حققت الفرنسية ذلك في بعض الحالات، لاسيما وأن هذه الحقائق كانت تنطبق على ابتكارات واختراعات فرنسية أصلا. ففي مجال المعلوماتيات، على سبيل المثال، فإذا كانت كلمة ordinateur (الحاسوب) التي اقترحها عالم اللاتينية جاك بيريت، هي التي سرعان ما انتشرت هنا بدلا من كلمة كومبيوتر (computer)، وإذا كانت كلمة logiciel (برنامج) هي التي هيمنت على كلمة software، وكلمة عتاد على كلمة hardware فذاك لأن الحقائق التي تعنيها هذه الألفاظ كانت حقائق فرنسية إلى حد كبير. ومن الحالات الأخرى المهمة أشياء أميركية من أصل أميركي استطعنا أن نجد لتسمياتها بدائل فرنسية موفقة، والأمثلة على ذلك كثيرة". وفي هذا السياق سئل حجيج عن الجهة التي تقف وراء هذه الابتكارت الأصيلة فقال: "إنها تأتي تارة من لجان الاشتقاقات اللغوية التي تُنشئها الوزارات المعنية، وتارة أخرى فهي إبداعات فردية تأتي من كتّاب، وصحفيين، ومهنيين،..إلخ، تصادق عليها السلطات العامة. ناهيك عن أن اللغة الفرنسية لا تفتقر إلى الطاقات الاستيعابية والتجديدية الضرورية للتكيف والتآلف مع العالم المعاصر". هذا ونرى حجيج يميّز كذلك بين الاستعارات المضرة أو الأقل ضررًا في الألفاظ ذات التأثير "الخبيث أو المؤذي" على طريقة التفكير، من خلال التركيب التعبيري (كالنحو،.. الخ)، فيقول "إن النواة الصلبة للغة التي يمثلها التركيب اللغوي والصوتية لم يُصبها أي خطر مطلقًا. وفيما يخص التركيب اللغوي تحديدًا فإن الصيغ التعبيرية الإنجليزية والأميركية الأصل هي صيغ نادرة خارج الحالات التي يكون فيها موقع الصفة (النعت) قبل الاسم، كما هو الحال، على سبيل المثال، في عبارة "modern hotel" أو "rapid'pressing". لكن ظني أن هذا لا تأثير له على طريقة التفكير. أما فيما يتصل بالصوتيات (الفونتيك) فهي مغلقة كتيمة. وحسبنا أن نسمع الناس حين يتحدثون حتى نقتنع بهذه الحقيقة، بل إني أرى الأمر مضحكًا حقا حين أسمع الفرنسيين وهم ينطقون بكلمات إنجليزية، إذ ينطقونها بلكنة فرنسية تجعل الأنجلوفونيين أنفسهم لا يفهمونها!".
وحول هذه النقطة بالذات يحدثنا حجيج عن قانون توبون Toubon الذي ساهم فيه بشخصه، محددا حدود استعمال اللغات الأجنبية في حياة الفرنسيين اليومية، إذ يقول: "لقد تصور الناس أن هذا القانون (وهو يقع في قلب الفصل العاشر من كتابي) يحظر استخدام الألفاظ الإنجليزية. وهذا غير صحيح. إن القانون لا يرفض الكلمات الأجنبية التي دخلت اللغة الفرنسية، لكنه يسعى إلى إعطاء الأفضلية للكلمات والمصطلحات الفرنسية إنْ وجدت، والبحث عنها وإيجادها إن هي غير متوفرة، في كل اتصال ذي طابع عام أو اجتماعي، في مجالات التعليم والخدمات العامة، والعمل (العقود، التوظيف، الخ..)، والإعلانات (الماركات..)، والمبادلات، حتى يتسنى لكل فرنسي أن يطلّع على الأشياء بلغته. لكن ثمة مجالات ما تزال الإنجليزية تهيمن فيها بشكل خاص، كحقل البحث العلمي، فكيف يمكن في هذا المجال تحديدًا تنويع اللغات؟ يرى حجيج بالفعل "أن اللغة الإنجليزية تميل في الوقت الحالي لأن تصبح اللغة التفاضلية المستعملة من قبل رجال العلم في أحاديثهم المكتوبة والشفاهية على السواء، ولاسيما في المؤتمرات. بيد أننا نلاحظ أن عددًا كبيرًا من الباحثين من ذوي الكفاءات العالية الذين ينشرون أبحاثهم بالإنجليزية ليسوا أجلوسكسونيين. ولذلك فهم يشتكون من هذا الوضع الذي يرونه وضعاً لا ديمقراطيًا.

التعليق