"وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم"

تم نشره في الجمعة 30 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

 

كان النبي، صلى الله عليه وسلم، دائم التبشير لصحبه الكرام بأن الله ناصرٌ عباده المؤمنين ولو بعد حين، ولو كثرت الشدائد والابتلاءات؛ فلا يمكن أن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، ولا يمكن للباطل أن يصول ويجول، ولو كان هو الأقوى في زمنٍ ما، فسيجيء الحق وأهله وسيزهق الباطل ويزول. وهكذا الأيام دُوَل يداولها الله بين الناس بحسب أخذهم بأسباب النصر أو تخليهم عنها.
ففي مكة، حيث بلغ الاضطهاد مبلغه، يأتيه خباب بن الأرت ويشكو له شدة بأس المشركين عليهم. فيذكّره بمن كان قبلهم أنه كان يُحفر له في الأرض، ويؤتى بالمنشار فيُفرق ما بين لحمه وعظمه، ولا يصده ذلك عن دينه. ويقسم صلى الله عليه وسلم بأنه سيسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ويقول: ولكنكم تستعجلون.
وأثناء حفر الخندق في غزوة الأحزاب، حيث بلغ الخوف مبلغه من قلوب الناس، ووصفه الله بقوله: "إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدا" (الأحزاب، الآيتان 10 و11)، وتستعصي على المسلمين صخرة فيخبرون النبي بها، ويأتي ويضربها عدة ضربات، وأعينهم على الصخرة وهي تتشقق. ولكن النبي يصرف أذهانهم إلى أبعد من مجرد تشققها لتستريح نفوسهم بحفر الخندق ويأمنوا عدوهم، بل ينقلهم هناك إلى زمن تعلو فيه كلمتهم ويمكّن لهم الله في الأرض، فيخبرهم بفتح بلاد الروم وفارس واليمن، فيطمئنهم بأن النصر حليفهم الآن، وأن الانتصارات قادمة إن توكلوا على الله حق توكله.
ومن هنا، فإن حقاً علينا أن نبادر في كل حين إلى بث الأمل بين نفوس المؤمنين من جهة، والتذكير بأسباب النصر والتمكين من جهة أخرى، على اعتبار أن هذه السنن لا تحابي أحدا، وأن وعد الله لا يتخلف حين يقول سبحانه: "ولينصرن الله من ينصره" (الحج، الآية 40)، ويقول: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" (محمد، الىية 7). ولا يعني هذا إهمال أسباب الخور والضعف التي تصيب الأمة أحيانا، بل لا بد من تشخيصها والبحث عن حيثياتها لنتجاوزها. وعلى سبيل المثال، فإن من أسباب تراجعنا من قرن من الزمان هو تخلفنا الفكري والديني، وتشتت ولائنا، وتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى الدولة والحاكم، فما أخذنا على يد الظالم ولم نأطره على الحق أطراً كما أخبرنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وغزانا أعداؤنا بأنواع من الاستعمار الثقافي والأخلاقي الانحلالي، وسادت مفاهيم مضادة للدين يسارية وإلحادية وإقليمية وغيرها، وساد الانبهار والتقليد للمحتل على سوء ما فعل وقتل ونهب، فكانت حالة مزرية بقيت آثارها إلى ما بعد الاستقلال الشكلي الذي عاشته معظم دولنا الإسلامية، وزُرعت "إسرائيل" في قلب الأمة الإسلامية، لتكون مصدر التشويش والضعف للأمة، حين تتعاطف معها الدول العظمى، ولا يجد الساسة عبر العصور إلا المجاملة لهذه الدول، وخداع الشعوب المسكينة المغلوب على أمرها وقد طأطأت الرأس ورضيت بذل التبعية، ولم تفكر في نهضتها وقوتها، فطال أمد القهر والنكد.
ولكننا نعلم أن الله لن يترك عباده بدون عناية، فلاحت فرص الأمل في الكرامة، وفي الانتفاضة الأولى والثانية، وفي فشل قتل إرادة أهل غزة، وفي نهضة فكرية وعلمية ودعوية سادت رغم محاولات قمعها والتشكيك بها، فآتت أكلها اليوم، جيلاً يلحظ ويقارن ويتابع ويحلل، هو الجيل الذي أراد الخبثاء طمس هويته ودينه، نراه ينتفض في أكثر من بلد أن أين الحرية والعدالة وكرامة الإنسان؟ فيسعى ببراءته إلى البحث عن ذاته وهويته المشوهة المسلوبة، فيحصل التغيير، ويأتي وعد الله "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد، الآية 11). وهكذا الأمر بدأ، ولن يقف بإذن الله، لأننا نلحظ رعاية الله لعباده، ولو كان الألم كبيرا والثمن عزيزا، فالنصر منة ومنحة من الله ولا يُهدى إلا لمن يستحقه.
كثيرة هي المبشرات للأمة بأنها منصورة. ولا يقف الأمر عند هزيمة الصهاينة فقط، وهو أمر حاصل لا محالة، تخبر به سورة الإسراء وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل تخبر به نبوءات اليهود أنفسهم بأن مدة دولتهم لا تتجاوز ستا وسبعين سنة، ولن يكون هذا –إن تحقق- مصدر تخدير للأمة، بل نرجع إلى وعد الله بأن العباد الصالحين سينهون إفساد بني إسرائيل الثاني –الذي نعيشه الآن- وندخل المسجد كما دخله العباد الصالحون أول مرة.
ونرى الله سبحانه يهيئ المنطقة كلها لهذا التمكين من جديد، فهي الشام عموما التي باركها الله، وهذه الدماء الزكية التي تروي شجرة العزة والكرامة، لن يكون أمرها إلا خيرا، فقد آن الأوان لوداع زمن من القهر والذل والخداع الذي مورس على شعوبنا، ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر، ولا بد للحق أن ينتصر، وما أروعه من نص قرآني يبشر المؤمنين بالتمكين فيقول ربنا سبحانه: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً" (النور، الآية 23). فهي وعود ثلاثة: الاستخلاف في الأرض بعد تشتت قوتهم وذهاب هيبتهم، والتمكين للدين إذ تآمر عليه الأعداء وأتباعهم، مع أنه الخير والمنهج الإلهي الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يبدل الخوف الذي ساد أمتنا وعاشت في ظله عقودا من الذل والهوان والاستخفاف أمنا.
إن إرادة الشعوب إذا توفرت وارتوت من معين كتاب الله وسنة رسوله، وترسخت بالقناعة أن عدوها قد استأسد عليها وهو مجرد باطل لا استقرار له، وأن النصر للحق ما دام أهله مستمسكون به آخذون بأسبابه، حينها تفرض نفسها، ويهابها عدوها وربما يحترمها، وهذا الزمن لا مكان فيه للضعيف، ونسأل الله أن تكون صحوة لا غفوة بعدها، ووقفة لا كبوة بعدها، وانطلاقة لا تراجع بعدها.


*عميد كلية الدراسات العليا
في الجامعة الأردنية

التعليق