مركزية العلم في الإصلاح الإسلامي

تم نشره في الجمعة 23 آذار / مارس 2012. 03:00 صباحاً

العلم في القرآن له منزلة كبيرة ومحترمة، وذلك لأن الإسلام –عبر تاريخ البشرية كله– كان العلم سلاحه دوماً. فالعلم والإيمان لا تناقض بينهما طالما كانا صحيحين، فإذا انحرف أحدهما حدثت القطيعة بينهما. وقد تحدث العديد من آيات القرآن عن مكانة العلم ودوره ووظيفته.
فالعلم كان هو الفضيلة التي سبق بها آدم عليه السلام الملائكة يوم خلقه الله عز وجل: "وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون" (البقرة، الآيات 31-33).
ونلاحظ هنا أن العلم الذي تفوق به آدم عليه السلام على الملائكة هو علم أسماء الأشياء ذواتها وأفعالها، وليس علما مختصاً بالشريعة! وما يزال إلى اليوم من يعرف من الناس الأشياء وأسماءها وذواتها أكثر، نجده أكثر رفعة وقوة ومكانة من غيره. وإذا اجتمع مع هذا العلم الإيمان، كانت الرتبة العليا من الرفعة: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" (المجادلة، الآية 11).
والعلم مما يمتاز به الناس بعضهم عن بعض، ومما يجعل لبعضهم سلطة على بعض: "وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤتَ سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم" (البقرة، الآية 247). فطالوت نال الملك بما آتاه الله من زيادة في العلم والجسم. وما يزال العلم يعطي أصحابه سلطة معنوية كحال العلماء والمثقفين والأدباء ونحوهم، وسلطة مادية كحال الخبراء في مجالاتهم المتنوعة والشركات والدول بصناعاتها المتطورة.. وهكذا. وكم رأينا في تاريخ الإسلام أن العلم رفع من شأن صاحبه، كما حدث للإمام عطاء بن أبي رباح (توفي 115هـ) الذي تولى الإفتاء في مكة المكرمة برغم أنه كان عبداً أسود أعور أشل أعرج!
والعلم في القرآن لا يقتصر على علوم الشريعة فقط، بل إن مما علمه الله عز وجل لأنبيائه بعض الصنائع الدنيوية: "وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم" (الأنبياء، الآية 80). والآية تخبرنا أن الله عز وجل هو الذي علم داود عليه السلام صناعة الدروع على شكل حلقات متداخلة، وهو مما يحتاج إلى دراسة متخصصة في أثر ذلك على تطور صناعات البشرية بعده، وذلك لأن الحديد هو أساس العديد من الحضارات البشرية.
وفي الرسالة الخاتمة كان أول ما نزل من الوحي هو موضوع العلم: "اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسن ما لم يعلم" (العلق الآيات 1-5)، برغم ما كانت عليه العرب من جاهلية وشرك!
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه جعلوا العلم قضية مركزية في حياتهم، لأن العلم سلاح الإيمان؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل العلم مشاعاً للجميع، بل قال عليه الصلاة والسلام "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (صحيح الجامع الصغير)، وذلك بعد أن كان حكراً على بعض الرهبان والكهنة الذين استغلوا سلطة العلم لترويج الضلالات والخرافات والشعوذات، والتي حين تستحكم في قلوب الناس تحولهم إلى عبيد لهؤلاء الرهبان والكهان يأكلون أموالهم ويستبيحون أعراضهم ويتحكمون في رقابهم. وما تزال البشرية في مناطق الجهل إلى اليوم تعاني من جرائم هؤلاء الرهبان والكهان بحق المساكين، كما ما يزال العالم يعاني من كوارث احتكار العلم لمصالح تجارية جشعة، مثل موت الملايين بسبب احتكار شركات الأدوية لحقوق الملكية الفكرية واستغلالها مما يمنع إنتاجها بأسعار في متناول الفقراء.
فلما جاء الإسلام ونشر العلم بكل أنواعه: العلم بحقيقة الدنيا والمخلوقات، والعلم بوظيفة البشر في الحياة، والعلم بمنهج الحياة الصحيح، والعلم بحقيقة سنن الله عز وجل في الكون، والعلم بحقيقة تاريخ الأمم السابقة، والعلم بحقيقة المستقبل، والعلم بطريقة التفكر والبحث.. خرجت البشرية من الظلمات إلى النور، وازدهرت العلوم والمعارف، وتحسنت أحوال البشرية.
جاء النبي صلى الله عليه وسلم فحث الجميع على العلم؛ الصغير والكبير، الرجل والمرأة، فجعل تعليم الصبيان يعادل مال الفدية لأسرى بدر، وجعل للنساء يوماً خاصاً لتعليمهن. وجعل البذل في العلم من أفضل الصدقات التي لا ينقطع أجرها. فازدهرت المكتبات والمدارس الضخمة في ربوع المسلمين، ولم يعترض النبي صلى الله عليه وسلم على الاستفادة من العلوم التقنية لغير المسلمين حين استخدم فكرة الخنادق الفارسية.
ولا يعلم كثير من الناس أن العلم والتعليم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان مزدهراً منتشراً، ولم يكن يقتصر عليه صلى الله عليه وسلم. فقد فصل المحدث محمد عبدالحي الكتاني في كتابه "نظام الحكومة النبوية أو التراتيب الإدارية" في الأوضاع التعليمية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر منها: أسماء معلمي القرآن في المدينة، وأسماء من أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا القرآن والإسلام، واسم من كلف بتعليم الناس الكتابة في المسجد النبوي، وأسماء المفتين في زمنه وحضرته صلى الله عليه وسلم، وحث الجيران على تعليم جيرانهم، وغير ذلك.
وهذا ما سار عليه الصحابة رضوان الله عليهم من بعد، فكانوا يهتمون بتعليم الناس في أي بلد يفتحونه، وإقامة المدارس والمكتبات والمراصد. ولذلك، لم تمض إلا سنوات معدودة حتى أصبح أهل البلاد المفتوحة قادة العلم الشرعي، كالإمام أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في العراق، والبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم، أو قادة العلم الدنيوي كالرازي وأبي القاسم الزهراوي وغيرهم.
ولما تضعضعت أحوال المسلمين بسبب انتشار مفاهيم منحرفة تحطّ من شان العلم والعلماء، وتزهّد الناس في القراءة والبحث، وأصبح من يحمل كتاباً وقلماً يُعيّر بعد أن كان شعار الإمام أحمد بن حنبل "مع المحبرة إلى المقبرة "، وأصبحت كتب كرامات الأولياء تعج بقصص كرامات الجهلة والأميين الذين أصبحوا القادة والموجهين للناس، ضعفت المعارف وكثر الجهل وانحلت القوة وساد الظلام، ولله در الإمام ابن قيم الجوزية حين قال: "الجهل شجرة تنبت فيها كل الشرور".
فلما قام المصلحون كان نشر العلم هو السلاح الذي نصروا به الإيمان وأعادوا الحياة للبلدان. وتأمل جهود المصلحين كالإمام محمد بن عبدالوهاب، والشوكاني، والألوسي، وجمال القاسمي، وطاهر الجزائري، ورشيد رضا، وعبدالحميد بن باديس، وغيرهم، هل قاموا بسلاح غير العلم؟ وهل تغيرت أحوال أمتنا إلا بالعلم؟ وهل بلغت الصحوة الإسلامية ما بلغت اليوم إلا بالعلم؟ أليس الكتاب الإسلامي هو الأكثر رواجاً اليوم؟ أليس المتدينون هم أكثر قراءة اليوم؟ أليس المتدينون هم الأكثر إقبالاً على علوم التنمية البشرية؟
الخلاصة: للعلم مكانة مركزية في الإسلام. والصحابة الكرام رضوان الله عليهم والمسلمون لما جعلوا العلم أولوية في حياتهم بلغوا أعلى مراتب الرقي والرفعة والقوة في بضعة سنين، بعد أن كانوا في جهل وتخلف وضعف عن الأمم.
اليوم، ومع دخول الإسلاميين في مرحلة جديدة في العديد من البلاد، فإن إعطاء العلم أولوية شعبية ورعاية خاصة هو علاج ناجح ومجرب لتحقيق مطالب الشعوب بالحرية والكرامة والعزة والرفعة. فالعلم الشرعي الصحيح يحررهم من عبودية وطغيان الظلمة، والعلم الدنيوي السليم يساعد الشعوب على تسخير مقدرات بلدانهم لما فيه مصلحتهم هم، لا مصلحة الطامعين والغاصبين.



*كاتب أردني

التعليق