الأسد: وضع صعب ولكنه مستقر

تم نشره في السبت 17 آذار / مارس 2012. 02:00 صباحاً
  • نساء وأطفال يصلون الحدود الفاصلة بين سورية وتركيا يوم الاربعاء الماضي - (ا ف ب)

هآرتس

تسفي بارئيل 2012/3/15

 

"رغم أن الظروف عندنا أصعب بكثير مما في معظم الدول العربية، الا ان سورية مستقرة. لماذا؟ لأن عليك أن تكون متصلا جدا بثقة الناس. هذا هو لب الموضوع. عندما تكون فجوة بين سياستك وبين مصالح وثقة المواطنين ينشأ فراغ يخلق اضطرابات. المواطنون لا يعيشون فقط على المصالح، بل لديهم ايضا معتقدات، ولا سيما في مناطق جد ايديولوجية". عندما بسط بشار الأسد بتوسع فكره في مقابلة مع "وول ستريت جورنال" في كانون الثاني 2011، كان الرئيس التونسي قد أصبح لاجئا في احدى الدول، مر 11 يوما آخر قبل ان يعلن مبارك اعتزاله، والقذافي كان يدير حربا شديدة ضد معارضيه – وفي سورية ساد هدوء نسبي. جزيرة استقرار، أتاحت للأسد التنبؤ بأن سورية ستبقى بلا اهتزاز. بعد شهر ونصف من نشر المقابلة، في 15 آذار، اشتعل الانفجار الكبير في مدينة درعا، في جنوب الدولة وفي مدينة الحسكة في الشمال، انفجار شكل بداية سنة الثورة السورية.
المقدرون والمحللون تنبأوا بأن سورية تسير في طريق مصر، تونس وليبيا وان أيام الأسد معدودة. كما كانت أيضا توقعات اكثر دقة، ادعت بأنه في غضون أسابيع أو في غضون شهرين في الحد الاقصى سيسقط. التوقعات، كما هو معروف، انهارت. الاسد ما يزال يحكم في الدولة، ومعظم جيشه معه؛ النخبة التي تقود ترص الصفوف حوله؛ عدد الفارين، الذي يقدر بـ 30 الى 40 ألف جندي، بينهم جنرالات قليلون وعشرات الضباط الصغار لا يهدد القوات النظامية لسورية؛ والإسناد السياسي الذي يحظى به الأسد من روسيا، الصين وايران، يصد في هذه الأثناء مبادرة الهجوم العسكري الخارجية على نظامه.
ما نجحت المواقع الافتراضية – الفيس بوك، اليو تيوب والمدونات – في احداثه في مصر وفي تونس، لا يحصل حاليا في سورية. المعلومات تتدفق الى الخارج بوفرة: أفلام قصيرة يظهر فيها أطفال مذبوحون، جثث نكل بها جنود الجيش السوري، تقارير عن أعمال اغتصاب وحشية وإحراق منازل ومتاجر، تصل في الزمن الحقيقي الى كل العالم. ولكن هذه المعلومات لا تنجح في أن تنتزع اكثر من بيانات الشجب، الانتقاد اللاذع وبضع مؤتمرات لأصدقاء المعارضة.
لماذا تختلف سورية عن ليبيا؟ لماذا ليست الدول الغربية ومعظم الدول العربية غير مستعدة لأن تخرج في هجوم ضد النظام؟ الفارق الأساس يكمن في وضع سورية الاستراتيجي كحليفة لايران وروسيا. مصادر الادارة الاميركية شرحت قبل بضعة اسابيع لـ "هآرتس" بأن التخوف الاساس من هجوم في سورية هو من رد ايراني في الخليج. "يكفي ان تفتح ايران النار على أهداف في الخليج كي تثير أزمة دولية وتصرف المعركة من سورية الى الخليج"، يقول دبلوماسي اميركي يعمل في الشرق الاوسط منذ سنوات عديدة.
ليس مهددا بقدر أقل هو انعدام اليقين الذي يلف رد فعل روسيا. روسيا تشعر انها خدعت في حالة ليبيا. وذلك لأنه في البداية قرر مجلس الأمن إقامة منطقة حظر جوي بدعوى إنسانية، يرمي ظاهرا الى مساعدة اللاجئين الليبيين في الحصول على مأوى. ولكن هذا القرار ترجمته على الفور قوات الناتو كتسويغ للشروع في هجوم واسع، تضمن أيضا قصفا من الجو واستخدام الصواريخ الجوالة. روسيا حيدت عمليا من المعركة في ليبيا وفقدت الفرصة للارتباط بالنظام الجديد. دروس ليبيا وضعت روسيا في رأس المعارضين لعملية عسكرية في سورية. هذا الموقف ترافق ومظاهرة علنية لمساعدة لوجستية للأسد، من خلال إرسال السفن الى ميناء طرطوس في سورية، حيث تحتفظ روسيا بقاعدة بحرية، والتصريحات الكفاحية التي بموجبها لن تسمح بهجوم عسكري على سورية.
يكفي هذان التهديدان، الايراني والروسي، كي تفهم دول الناتو ودول الاتحاد الاوروبي على حد سواء بأنه مقارنة بالقذافي، الذي لم يكن له أي إسناد استراتيجي من قوة عظمى، فإن الاسد، الضعيف من ناحية عسكرية، عديم المقدرات الطبيعية التي تستحق القتال من أجلها، ودولته تقف على شفا الإفلاس – من شأنه أن يكون الرفاص الذي يحدث حربا إقليمية.
ولكن ليس فقط السند الاستراتيجي له هو الذي منع سقوطه. فحتى الإسناد الذي منحته الدول العربية للغرب للهجوم على القذافي تمنعه الآن. كان هذا قرار الجامعة العربية بالتوجه الى مجلس الامن لفرض مناطق حظر طيران في ليبيا، هو الذي هيأ الطريق للهجوم. ولكن في الحالة السورية، أبدت معظم الدول العربية ترددا متواصلا. الامين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، تبنى في البداية موقف الاسد في أنه يقاتل ضد عصابات مسلحة هدفها إسقاط الحكم. مرت اشهر عديدة الى أن اقتنعت معظم الدول العربية بأن الحديث يدور عن مذبحة ممنهجة، وحتى تشرين الثاني 2011، بعد تسعة أشهر تقريبا من بدء الاحتجاج في سورية، قرر وزراء خارجية الجامعة العربية تعليق عضوية سورية في المنظمة وفرض عقوبات عليها. اليوم ايضا، حين يتعاظم حجم المذبحة كل يوم، وهناك مطالب بإرسال قوات اجنبية أو عربية الى سورية.
فلماذا في ليبيا أيدت عملية عسكرية بينما بالنسبة لسورية تتردد. يبدو ان السبب في ذلك هو درس الثورات مثلما يفهم في قسم من الدول العربية. بينما مصر ما تزال تبحث عن طريقها نحو المرحلة الديمقراطية التالية، ومستقبلها يوجد في يد الاخوان المسلمين؛ وعندما تكون ليبيا ممزقة بين اقاليمها الشرقية والغربية وبين عصابات تحاول السيطرة على اجزاء من المدن؛ وعندما تنفجر في اليمن عبوات جانبية والحرب ضد القاعدة ينفذها الاميركيون، فليس ملحا للدول العربية اعطاء تسويغ لإسقاط نظام آخر بديله ليس معروفا.
هنا يكمن عائق عميق يميز بين ليبيا وسورية. في ليبيا تبلورت منذ المراحل الاولى للثورة معارضة قوية، مع قيادة وجيش. تفكك الجيش الليبي كان سريعا، وخليط من الاتفاق بين المواطنين، المقاتلين ومجموعة من الزعماء، سمح للدول العربية وللغرب بأن تحدد بديلا حقيقيا للحكم.
اما المعارضة السورية فما تزال بعيدة عن النموذج الليبي. الجيش السوري الحر، الذي يحتفظ بكتائب في كل المدن الكبرى لسورية، ليس مسلحا مثل المعارضة الليبية: عدد دباباته قليل، واساس سلاحه الرشاشات، البنادق وقاذفات القنابل. ومع أنه يتلقى مساعدات مالية خارجية الا انه يجد صعوبة في الحصول على السلاح ونقله الى داخل الدولة. والاهم من ذلك فإن ليس كل الفارين والمسلحين انضموا الى صفوفه. بعض الفارين انضموا الى الجنرال مصطفى الشيخ، الذي أقام مجلسا عسكريا خاصا به وينفذ اعمالا مستقلة. هاتان القوتان العسكريتان (اللتان انضمت اليهما ميليشيات قبلية) ليستا بتنسيق مع المعارضة المدنية، المجلس الوطني السوري، الذي يتخذ من خارج الدولة مقرا له، والذي في داخل صفوفه ايضا لا يسود الانسجام.
النتيجة هي أنه مقارنة مع ليبيا، مصر وحتى اليمن الذي وضع بديلا سلطويا معروفا، ليس في سورية هيئة او شخص يمكنهما أن يعتبرا بديلا. النتيجة هي انه حتى لو وافقت الدول العربية على استدعاء قوات الغرب للهجوم في سورية، وحتى لو تلقت الدول الغربية الدعوة واسقطت الاسد، فستكون حاجة الى تعيين حكومة مؤقتة: وذلك، حيث لا يوجد لأي جهة فكرة اذا كانت هذه ستكون عملية مشابهة للعراق أو شبه افغانستان، النموذجين اللذين لا تتحمس أي دولة لرؤيتهما.
سورية دخلت الآن في سنة ثانية من الثورة، فيما نظام الاسد متشقق، ولكنه ليس متحطما. بعيد عن ذلك. طالما هذان الخليلان، ايران وروسيا، يقفان الى جانبه، وطالما العائلة تسيطر على الجيش والجيش يدعم العائلة، فإنه حتى لو انصرف الاسد بشكل شخصي، فإن النظام سيبقى على حاله.

التعليق