محمد (صلى الله عليه وسلم) الرسول السياسي

تم نشره في الجمعة 24 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

أسامة شحادة*

"محمد صلى الله عليه وسلم الرسول السياسي"، هذا هو عنوان رسالة جديدة للدكتور محمد عمارة (64 صفحة من القطع الصغير). وهي توزع هدية مع العدد الأخير من مجلة الأزهر. ومن ثمار الثورة المصرية المباركة بداية عودة الأزهر لاستعادة مكانته الحقيقية في مصر والعالم الإسلامي. فقد شهدنا في الأشهر الماضية عدة خطوات إيجابية من الأزهر لجمع الكلمة وبيان الحق والخروج من قبضة الظلمة. وقريبا، تتكلل هذه الجهود بقانون جديد للأزهر، يعيد له اعتباره واستقلاله الكامل، ويصبح شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء فيه يُعيّنون من قبل علماء الأزهر وليس برغبات الساسة أو غيرهم.
والأزهر كان أول مستهدف من قبل نابليون حين احتل مصر العام 1798؛ فهاجم الأزهر وضربت مدفعيته مآذنه، ودخلته خيوله تقتل العلماء والطلبة والمصلين. واستُهدِف الأزهر أيضاً عقب ثورة جمال عبد لناصر الذي أمّم أوقافه التي كانت تؤمّن رواتب العلماء والطلبة دون حاجة إلى مد اليد للسلطان. وقد قضى تأميم عبدالناصر لأوقاف الأزهر على استقلاله وجعله تابعاً للقرار السياسي. وتوالت التدخلات الحكومية حتى أصبح الأزهر مكبلاً بقيادة لا ترقى إلى مستواه ودوره الحقيقيين.
اليوم، تعود مجلة الأزهر التي ترأسها عقب الثورة د. محمد عمارة، لتصبح مجلة تسعى إلى تلمس هموم المسلمين وقضاياهم، وتقديم العلاج الناجع لها. ويلمس ذلك المتابع للمجلة قبل الثورة وبعدها. وهذا التطور الإيجابي يدركه المراقب في المضمون الذي يجاري حاجة المسلمين اليوم، والكُتّاب الذين تختار هيئة التحرير أن تنشر بعض أبحاثهم القديمة المهمة، أو عبر هديتها الشهرية القيمة مع كل عدد.
نعود إلى رسالة د. عمارة "الرسول السياسي"، والتي تجيء في لحظة تصدّر الإسلاميين للمشهد السياسي، الأمر الذي أغاظ كثيرين، وبدأت معه المعزوفة النشاز: ما للإسلام والسياسة؟! إذ جاءت رسالة د. عمارة رداً عليهم بمنطق موضوعي وأسلوب علمي، من شخصية محترمة ومقدرة في الأوساط الإسلامية وغيرها، وذلك بسبب ما للرجل من معرفة واطلاع، وما له من تجربة ثرية بدأت في دهاليز الأحزاب الشيوعية الماركسية ثم مرت بالقومية وأسست "اللقاء القومي الإسلامي" لتستقر في خانة الإسلاميين، ثم تواصل طريقها حتى تصبح شخصية مثقفة وعلمية وشرعية مؤصلة بشكل جيد، بخلاف من بقوا في دائرة المعرفة الإسلامية العامة.
يبدأ د. عمارة رسالته بتوضيح المنطقة المشتركة بين الدين والسياسة؛ بأن الدين نزل بقصد إزاحة العلل عن الأمة فيما قصرت عنه العقول استقلالاً، وهو ما يدخل في نطاق السياسة. لكن السياسة لا تقف عند أعيان الأحكام الدينية بسبب تطور وتغير أحوال البشر. ولذلك، ففي السياسة كثير مما يشرعه الرسول ولم ينزل به الوحي، فإذا جاء هذا القسم متسقاً مع مقاصد الشريعة والدين القائمة على الحق والعدل، كانت جزءاً من السياسة الشرعية، أما إذا تنكبت طريق العدل كانت مجافية للسياسة الشرعية.
ثم ينتقل د. عمارة لعرض مزاعم علي عبدالرازق وبعض المستشرقين الذين ينكرون أي جانب سياسي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومناقشة مخالفيهم أيضاً الذين أثبتوا دوراً سياسياً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لكنهم جعلوها ناحية دينيةً خالصة ناشئة عن الوحي الإلهي ليس فيها اجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والقائلون بهذا يمثلهم الخوارج قديماً وبعض المستشرقين والشيعة القدماء والمعاصرين الذين يؤمنون بالإمامة الإلهية في بضعة نفر فقط دون بقية المسلمين، والتي تطورت اليوم تحت غطاء ولاية الفقيه عن الإمام المعصوم الغائب.
يبين د. عمارة في مناقشته لهذه المزاعم أن أهل السنة مجمعون على أن الدولة ليست ركنا من أركان الدين، لكن جاء في القرآن الكريم الأمر بعدد من الواجبات الدينية يستحيل على المسلمين القيام بها بدون إقامة دولة الإسلام! مثل جمع الزكاة من مصادرها وصرفها في مظانها، ورعاية المصالح الإسلامية، والقصاص، والشورى، والقيام بفريضة العلم، وطاعة أولي الأمر؛ فهي واجبات لا تتحقق إلا بوجود "ولاية" و"دولة" و"سلطان". وبهذا يظهر خطر رأي بعضهم أن العلمانية هي "الضمانة للتدين الصحيح"!
وبهذا يتبين لنا أن وجوب إقامة الدولة في الإسلام نابع من كونها واجباً مدنياً يقتضيه الواجب الديني الذي فرضه الله عز وجل على المؤمنين بالإسلام. وهو ما يتضح من موقف الصدّيق رضي الله عنه حين حارب المرتدين الذين امتنعوا عن أداء الزكاة للخليفة مع إقرارهم بالشهادتين، فرفض أبو بكر منهم هذا التفريق بين الدين والدولة، وتابَعه على ذلك الصحابة جميعاً.
وليكون أبلغ في الرد على مزاعم العلمانيين في هذا الباب، يدلل د. عمارة على الجانب الاجتهادي السياسي من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيذكر عقد النبي صلى الله عليه وسلم البيعة مع الأنصار مرتين قبل الهجرة، والجانب السياسي فيها ظاهر بأن يحموه ويناصروه، وطلب منهم انتخاب قيادة تمثلهم عنده. ولمّا هاجر عليه السلام، عقد اتفاقية مع اليهود الذين لم يدخلوا في دينه لكنهم دخلوا في دولته، تنظم العلاقة فيما بينهم وبين المسلمين في كافة المجالات المحلية والخارجية، كالحروب وغيرها.
ويشير د. عمارة إلى كتاب "تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية" لأبي الحسن علي الخزاعي (ت 789هـ)، وقد زاد عليه كثيراً عبدالحي الكتاني في كتابه "نظام الحكومة النبوية أو التراتيب الإدارية"، كمثال على عناية علمائنا بإبراز نموذج سياسة النبي صلى الله عليه وسلم لدولة المدينة المنورة. وهذا يثبت، كما يقول د. عمارة، رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بأن فيها سياسة ودولة حقيقية وموجودة وليست خيالاً كما زعم علي عبدالرازق وبعض المستشرقين، ولكنها أيضاً ليست دولة دينية مطلقة تقوم على الوحي الإلهي فقط، وهو ما يتمثل في سيرته عليه الصلاة والسلام أيضاً؛ ففي غزوة بدر حين راجعه الحباب بن المنذر عن خطة الحرب "أمنزل أنزلكه الله، فليس لنا أن نتقدم أو نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟"، جاء جواب النبي صلى الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". لكن الحباب عارض هذا الرأي وأشار بخير منه. وأيضاً حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستميل اليهود ببعض ثمار المدينة في غزوة الخندق عندما حاصره الكفار، فأبى الصحابة ذلك ونزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأي أصحابه.
ويخلص د. عمارة إلى أن هناك اشتراكا وتمايزا أيضاً بين الدين والدولة وبين الرسالة والسياسة في الإسلام. وهذا هو الموقف الوسط الذي يعتقده أهل السنة في هذه القضية التي تطرّف فيها فريقان؛ فريق جعل للسلطة السياسية قداسة دينية كالشيعة، وفريق فصل الدين عن الدولة وأطلق العنان لسلطة الإنسان ولو أحلت الحرام وحرمت الحلال، كالعلمانيين.


* كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل الاحترام للعلامه محمد عماره (ahmad)

    الاثنين 27 شباط / فبراير 2012.
    حقيقه انني اتمتع عند سماعي للدكتور محمد عماره موسوعه حضاريه بكل المقاييس
    جزاك الله خير يا شيخ اسامه