فالنتاين: غصّة في قلوب العزّاب و"عبء" على المتزوجين!

تم نشره في الثلاثاء 14 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً
  • عيد الحب مناسبة يتقاسم فيها الطرفان لوعة لا تنقضي وحبّا لا تنطفئُ نارُه الحمراء -(أرشيفية)

مدني قصري

عمان- لا خير في حياة يحياها المرءُ من غير قلب، ولا خير في قلب يخفق من غير حب! الحب هو الفجر الدائم في حياة كل من ملأته معاني الحياة، وهو الوردة التي تُزهر وتتفتق في كل الفصول! الحبُّ هو طريق الإنسان إلى الحضارة لا محالة!
عيدُ الحب غصّة وحسرة حقيقية لغير المتزوجين، و"أعمال شاقة" يفرضها الحب على المتزوجين. لا شيء يساوي فالنتاين "رُعبا"! فالقلوبُ الصغيرة الحمراء، المخملية، أو المصنوعة من الشوكولاتة هي قلوب مكسورة أيضا. رسميا، سانت فالنتاين هو يوم عيد الحب، لكنه في الواقع هو أكثر من ذلك بكثير، فهو معيار الحياة الزوجية، ووصمة على جبين من يحيون حياة خاصة مختلفة.
ففي يوم عيد الحب هناك من يعانقون الجدران والأشجار، أما ازدهار التجارة في هذا اليوم فحدّث ولا حرج! عيد الحب هو عيد بائعي الزهور والهدايا، وأصحاب المطاعم. لكن هذا لا يفسر كل شيء. لأن عيد الحب، الذي يختلف عن أعياد أخرى كثيرة – كعيد الأم - اتسع نطاقه كثيرا، وذلك لأسباب عديدة، ومنها على الخصوص مشاعر الذنب عند الذكور!
ليس ثمة إجماعٌ حول مطالب الزوجات في هذا اليوم. فالكثير من النساء يحلمن بأشياء لا يصدّقها العقل أحيانا، وبالعناية المتواصلة. والرجال، مبدئيا، لا يعارضون ذلك. لكن الذي يستهويهم في الواقع اليومي ضالة بسيطة، قوامُها سعادة اللحظة، من دون مخاطرة، ومن دون توتر. فالفارق كبير إذن، والرجال يعون هذه الحقيقة. فهم يعرفون أنهم يتسبّبون بانتظام في خلق حالة واسعة من عدم الرضا.. عند الطرف الآخر.
سانت فالنتاين إذن يأتي كتعويض رمزي، وكاستدراك إجباري. حذارِ أيها الرجل أن تنسى الموعد! فالآن والقلوب الصغيرة الحمراء منتشرة في كل مكان فإن غياب هديتك يعني إعلانا عن تراجع الحب عندك! وثمة ما هو أسوأ. باقة الزهور العادية (نفس الورود منذ سنوات) قد تكون مؤشرا لشعور باهت وروتيني، إن لم تكن إشارة منك لحب في حالة انحدار أو احتضار! لا بد إذن من أن تقدّم ما هو أفضل مما قدمتَه في السنة الماضية! أما العاشق المسكين فهو ينطلق تائها في دوامة جهنمية، إذ عليه كل عام أن يبتكر المزيد، ويبدع في اختيار هديته. لا سيما وأن عليه ألا يقدّم ما هو أقل جمالا ورقة ونعومة من زملائه، وأصدقائه وجيرانه وأقاربه! 
لقد بارك الرجال عيد الحب في البداية. باقةٌ واحدة كانت كافية لمحو الشعور بالذنب المتراكم على مدى شهور السنة. والحال أن الرجال قد صنعوا، باقة بعد باقة، الفخَّ الجماعي الذي ما لبث أن حاصرهم في النهاية. وها هُم اليوم، وما بعد اليوم، محكومٌ عليهم بالأعمال الشاقة التي تجعل كل واحد منهم "الأمير الساحر" في يوم فالنتاين! يوم واحد في السنة!
سمعتُ إحدى النساء تقول: "أعرف جيدا أن الرجال لا يحبون كثيرا هذا اليوم، وأنا أحترم رأيهم، وزوجي واحد منهم، وأنا لا أعاتبه إذا لم يقدّم لي هدية في هذا اليوم، لأنني أعرف أنه لا يحب هذا اليوم. لكن، عليه أن يعي بأنني أفكر بطريقة مختلفة. فكيف أفسر معنى رفضه لفتح هديتي في هذه السنة؟ ولكم خشيتُ أن يؤنبني وأنا أقدّم له هدية (صغيرة جدا!) قوامها بذور من الحب! أقرُّ بأنني لم أهضم هذا الرفض. وأنا أيضا أعيش تحت الضغط، لأنني لا أستطيع أن أقدّم هدية للرجل الذي أحبه، لأن الهدية تزعجه!". 
لنستمع إلى ما تقوله المحللة النفسية الفرنسية بول سالومون في الحب: "الحب زهرةٌ من زهرات الحضارة، ما فتئت تتفتح وتكشف عن بتلاتها أمام أعيننا المبهورة. لكن الحبَّ أيضا يستحيل أحيانا إلى برعم جامد، إلى وعد لا نَفِي به أبدا، وتنال منه سلوكاتُنا البالية. ففي داخل كلِّ زوجين تتصارع قوتان: واحدة في وضَح النهار وأخرى في ظلمة جوف الأرض. فعلاقة مسيطِر/مسيطَر عليه وسيد/مسود علاقة لن تكفَّ منذئذٍ عن مدِّ جذورها إلى قطاعات النشاط في الحياة كافة. فلحدِّ الآن، ما يزال "قانون الأم" و"قانون الأب" يتعايشان معا دون أن يتوصلا إلى استبعاد أحدهما الآخر".
إن قاعدتنا العاطفية تقوم، حسب هذه المحللة النفسية، على أربعة أركان: أوّلا، الحب الذي نتلقاه من الآخر، وثانيا الحب الذي نعطيه للآخر، وثالثا الحب الذي نمنحه لذاتنا، ورابعا الحب الذي نتلقاه من الكون من خلال تفتحنا عليه. ولا شكَّ أن ظروف الحياة الأسرية تؤدي بنا جميعا إلى عائق من عوائق هذه الأركان الأربعة. فقاعدتنا في الحبِّ لم تعد سليمة، ولذلك يجب علينا أوّلاً أن نشخِّصها ونعالجها. فما دمنا لم نتعلم الطريق الوسط، وثراء المفارقة، وما دمنا لم نُولِ عنايةً واعية لمسألة "من أنا؟"، وما دمنا، بالأخص، لم نكتشف طبيعتنا الجنسية المزدوجة الغريزية، فلن نزرع ثقتنا في أزهار الحبِّ، وفي إعادة اكتشاف" الطفل الكامن فينا". فالحب لن يسمو فينا إلا شريطة أن يبعث فينا وجهَنا الربَّاني الكامن فينا.
أجل، إن ما يقتل الحب، وما يجعل بعضهم لا يطيق الحميمية في حياة الزوجين هو ذلك الضغط الوعظي الذي صار يمارسه كلُّ طرف على الطرف الآخر؛ هو هذه المراقبة، وهذا الاتهام المتبادل، وهذا الاستلاب للوعي. هل يمكن لنا أن نتصور طريقةً مختلفة للحياة الزوجية لا تنطوي على أيِّ تطاول من هذا الطرف على الآخر؟ هل يمكن لنا أن نحترم الآخر بصفته شخصًا، مؤتلفًا ومختلفًا في آنٍ معا، دون أن نمارس عليه أي سلطة، ودون أن نشعر بأننا قوَّامون عليه؟ هل يمكن لنا أن نكون متوحِّدين ومتضامنين في آنٍ واحد؟ هل يمكن لنا أن نكون أحرارا مستقلين عن الآخر، ومتحالفين معه في الآن نفسه؟ أزواجا وأصدقاء في الوقت ذاته؟
لهذه الأسباب إذن كان فالنتاين، بلونه الأحمر -رمز الحب والغضب في آن- صرخةُ هادرة في وجه من يريدون اغتيال الحب! فهو مناسبة يتقاسم فيها الطرفان لوعة لا تنقضي، وحبّا لا تنطفئُ نارُه .. الحمراء!

 madani.guesseri@alghad.jo

التعليق