المعارضة المنقسمة في سورية: من يدير الحرب ضد النظام؟

تم نشره في السبت 11 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً
  • المعارضة السورية ضد النظام تلجأ إلى السلاح - (أرشيفية)

رانية أبو زيد - (مجلة تايم) 6/2/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لم تعد سورية تنزلق نحو الحرب أو تحدق في بشاعة آفاق العنف. لقد أصبحت سورية في حالة حرب فعلاً. وعلى الرغم من أن المحتجين السلميين ما يزالون ينزلون إلى الشوارع بالآلاف، تصبح الظاهرة الأبرز هي أن الجيش السوري الحر، غير القادر على إحداث انقلاب في القصر، يشكل باطراد العامل الرئيس في الثورة التي تصبح أشد مع مرور الأيام. وقال مصدر في مدينة حمص المحاصرة لمجلة تايم يوم الاثنين 6 شباط (فبراير) الحالي، إن القوات الحكومية تستمر في قصف المناطق السكنية في بعض أشد عمليات القصف التي شهدتها الشهور العشرة منذ بدء الاحتجاجات، حيث قتل على الأقل 25 مدنياً خلال ساعتين من القصف ونار القناصة في منطقة واحدة وحسب.
على أحد جوانب هذا النزاع غير المتكافئ بوضوح، ثمة الرئيس بشار الأسد وجيشه المكون من أكثر من 200.000 رجل وجهازه من الضباط الذي لم يمس بأذى، في ولاء تفرضه المصالح والمخاوف المشتركة -ويجري سفك الدم بغزارة نتيجة لذلك. ويعارضهم الجيش السوري الحر المكون من منشقين عسكريين يتوافرون على أسلحة خفيفة (وفي بعض المناطق من مدنيين)، والذين يشنون عدداً متنامياً من حملات حرب العصابات المحلية في بلداتهم ومدنهم وسط حد أدنى من الرقابة المركزية من جانب القيادة الإسمية للجيش السوري الحر المتمركزة عبر الحدود في تركيا.
ومن غير الواضح حجم كبر هذه القوة الثورية. ويفتخر العقيد رياض الأسعد، قائد الجيش السوري الحر، بأن الجيش الحر يضم 40.000 رجل -وهو ادعاء من المستحيل التأكد من دقته، والذي ربما يكون جزءا من حملة نفسية لتشجيع المزيد من الانشقاقات. ويذهب العميد الركن مصطفى الشيخ، الذي يعد أرفع ضابط منشق عن الجيش النظامي السوري حتى الآن، أبعد من ذلك في قوله لصحيفة بريطانية إن جيش الرئيس الأسد على بعد أسابيع قليلة وحسب من الانهيار. لكن القليلين يوافقون على ذلك.
ربما يكون ذلك لأن الشيخ والأسعد ندان. وفي يوم الأحد، أعلن العميد عن تشكيل المجلس السوري الأعلى لتحرير سورية، في خطوة من شأنها أن تعمق الشقاق في داخل صفوف المعارضة المسلحة على الأرجح، في ضوء أن نائب قائد الجيش السوري الحر العقيد مالك الكردي قال لمجلة تايم إن خطوة الشيخ لست أقل من "سكين في ظهر الثورة".
وقال الكردي في مكالمة هاتفية من تركيا: "لقد فوجئنا بهذا، فالعميد الشيخ انشق ولم ينضم إلينا وأعلن عن هذا المجلس -وهذا شأنه. لا يعنينا الأمر في شيء. ونحن لا نعرف أي شيء عنه أو عن أهدافه، لكننا نشكك في تشكيله عند هذه النقطة. ونعتقد بأنها محاولة لشق المعارضة المسلحة".
ويبقى ما إذا كانت قيادة الجيش السوري الحر في تركيا تقوم بأي عمل أكثر من مهام العلاقات العامة مسألة قابلة للنقاش -فهو مصدر لوسائل الإعلام والدبلوماسيين الغربيين من دون وجود قيادة فعلية لمقاتلي الجيش السوري الحر على الأرض. وراهناً، من المرجح أن تخلق سلطة جديدة منفصلة ومزاحمة إرباكاً في الأوضاع، حتى بينما يصعّد الأسد هجماته ويتسبب بحصيلة متزايدة من القتلي يومياً.
ومن جهتها، تقول بسمة قضماني، الناطقة بلسان المجلس الوطني السوري، مجموعة المعارضة السياسية بحكم الأمر الواقع، إن المجلس الوطني السوري يشعر هو الآخر بالتوجس من إعلان الشيخ. وتضيف لمجلة تايم:"إنه ليس شيئاً نعرف تماماً ما القضايا التي كانت وراءه"، وتخلص إلى القول: "إننا ندرك أن هناك بعض التوترات المتصلة بتوقيت الإعلان. ونحن نعمل من أجل ضمان أن تظل القيادة العسكرية موحدة".
وفي الوقت الذي يتشاحن فيه قادة المعارضة السورية ويمارسون لعبة السياسة، تعاني قوات الجيش السوري الحر من نقص في العدد والعتاد، على الرغم من أنها تصعد من وتيرة القتال وتحقق مكاسب في بعض المناطق. ففي الزبداني، تلك البلدة المنتجع الجبلي الجميل الذي لا يبعد عن الحدود اللبنانية، استطاع الثوار إخراج الموالين للنظام من البلدة. وقال بيان مصور على شريط فيديو نشرته قيادات البلدة في أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي، إن البلدة تفاوضت مع ممثلي النظام على وقف لإطلاق النار، ما يعد أول انتصار تكتيكي من نوعه في شهور عديدة شهدت محاولات فاشلة في طول البلاد وعرضها. (ربما يكون طريق الزبداني الجبلي حاسما مثل رجالها المقاتلين: إذ تقع البلدة عالياً فوق الطريق الرئيسي المفضي لها، ما يجعلها أصعب على المداهمة).
 وثمة بلدات أخرى، مثل الرستن (القريبة من حمص والمحاطة بمزارع مستوية) وجبل الزاوية في الشمال، التي أصبحت معاقل عسكرية للثوار ومسارح لاشتباكات كثيفة مع الموالين. وفي بعض الأحيان، استطاع الثوار كسب أراضٍ والسيطرة عليها لفترة وجيزة قبل أن يتمكن الموالون من دحرهم بالقوة. وحتى الزبداني يجري قصفها مرة أخرى، كما تردد.
ومع ذلك، يتمتع المنشقون عن النظام ببعض المزايا. فالمنشقون العسكريون يميلون للعودة إلى بلداتهم الموطن ممكنين حتى مجموعة صغيرة من الدخول إلى الشبكة المجتمعية الأوسع بكثير والتي تستند إلى العائلة والقبيلة. وفي الأيام الأولى مما كان انتفاضة سلمية في سوادها الأعظم، رفضت فرق من المنشقين عن الجيش في طول البلاد وعرضها انضمام مدنيين متطوعين إلى صفوفها، وذلك في محاولة للحفاظ على نوع من هيكلية التسلسل والانضباط العسكريين. أما راهناً، وكما يظهر في أشرطة فيديو تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي "يوتيوب"، فقد أصبحنا نرى بعض الوحدات وهي تدعو صراحة وجهاراً إلى انضمام متطوعين مدنيين إليها.
ويصر الكردي على القول إن ذلك ليس جزءاً من الاستراتيجية العامة لجيش سورية الحر. ويرد المنتقدون على ذلك بالقول إن قيادة متمركزة في تركيا لا تستطيع إملاء الشروط على رجال يقاتلون ويموتون في موطنهم. ويرد الكردي بالقول إن القادة العسكريين في أرجاء العالم كافة لا يحتاجون بالضرورة إلى التمركز في منطقة لإصدار أوامر لها. "فالأمر يمكن أن يصدر في أي مكان في المدينة أو البلدة... وفي القيادة العسكرية تصدر الأوامر عبر الاتصالات، ونحن نعول على هذه الاتصالات"، كما يقول.
كما أنهم يعولون أيضاً على الأسلحة التي تدخل سراً من بلدان مجاورة، بما فيها لبنان وتركيا والأردن والعراق، بالإضافة إلى ما وصفها الكردي بأنها "عصابات النظام للتهريب" التي تبيع الأسلحة للمنشقين. وتجدر الإشارة إلى أن سورية لم تكن مجتمعاً مسلحاً، على عكس العراق، حيث كانت حيازة الأسلحة مألوفة قبل سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين. ولكن بعد 11 شهراً من إطلاق النار عليهم، وجد بعض السوريين طرقاً لحماية أنفسهم وشرعوا في الرد على مصادر النيران. ويقول وافد سوري وناشط في حقوق الإنسان يعمل عن قرب مع اللاجئين في الأردن، إن كل رجل سوري يهرب عبر الحدود هو "عضو منتظر في الجيش السوري الحر". ويضيف إن بنادق الكلاشنيكوف تباع بسعر 1600 دولار للبندقية -حوالي نصف السعر الذي تباع به في السوق السوداء في لبنان. ويذهب معظم الرجال إلى سورية ثانية، وفق ما يقوله الناشط، فور تأمينهم الحصول على السلاح.
وتقول قضماني إن توحيد المجموعات المسلحة على الأرض "هو التحدي الكبير الذي نواجهه اليوم". وعلى الرغم من أن المجلس الوطني السوري لم يسارع إلى المصادقة على شرعية الجيش السوري الحر، مصراً على انتهاج الوسائل السلمية وليس العسكرية للإطاحة بالنظام، إلا أنه انتقل منذئذٍ إلى دعم المنشقين المسلحين، عارضاً عليهم العثور لهم على تمويل وليس أسلحة. وتقول قضماني: "سيكون هناك أكثر من دور للجيش السوري الحر في استمرار الكفاح ضد النظام". مضيفة أن دعم الجيش السوري الحر يأتي "أولاً وفي المقدمة" قبل "المساعدة في دمج تلك المجموعات (المسلحة) التي إن لم تندمج، فإنها يمكن أن تعمل بشكل علني على الأرض، وهو ما يعد مصدر قلق. ولا يتعلق الأمر بإلقاء الأموال والأسلحة لهم بقدر ما يعن بتوحيدهم أولاً وقبل كل شيء في ظل قيادة واحدة".
ولا يحتاج السوريون للنظر بعيداً ليروا كيف أن المليشيات، وخاصة تلك التي تصطبغ بالصبغة الطائفية، تستطيع أن تخرب بلداً ما. ويقف لبنان والعراق المجاوران كمثالين دمويين على ذلك. وهما أيضاً مثالان على الثمن الذي يمكن لحروب الإنابة أن تتقاضاه من السكان المحليين. وقد تحددت خطوط المعركة الدولية على سورية على نحو واضح. فروسيا وإيران تستمران في دعم وتسليح الأسد، بينما تقود قطر، إلى جانب تركيا والولايات المتحدة وفرنسا والقوى الغربية الأخرى، القضية العربية ضد النظام .
ثمة الكثير من الحديث عن أن قطر -التي مولت وسلحت ودربت الثوار في ليبيا- قد تفعل نفس الشيء مع سورية. ولم يشأ الكردي الخوض فيما إذا كان ذلك قد انتقل من حيز التفكير إلى حيز الواقع والفعل، قائلاً فقط إن الجيش السوري الحر يحتاج إلى السلاح "على الأقل لتجعلنا نقف على قدم المساواة مع النظام".


*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 Syria's Splintered Opposition: Who is Running the War Against the Regime?

abdrahaman.alhuseini@algha.jo

التعليق