هل تزدهر الديمقراطيات مع النظم المالية الخارجة عن السيطرة؟

تم نشره في الثلاثاء 7 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً
  • المستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية البروفيسور زبيغنيو بريجنسكي - (أرشيفية)

حوار مع زبيغنيو بريجنسكي

ناثان غاردلز - (كرستيان سينس مونيتور) 

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في مقابلة أجريت معه أواخر الشهر الماضي، يناقش زبيغنيو بريجنسكي، أحد الاستراتيجيين الأميركيين البارزين، مسألة انتقال مركز القوة العالمية، وينظر في ذلك إلى الصين، وأوروبا، وتركيا، وروسيا، والولايات المتحدة، والربيع العربي. وكان زبيغنيو بريجنسكي قد عمل مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر. وهو يعمل حالياً مستشاراً في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وأستاذاً للسياسة الخارجية الأميركية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز. آخر كتبه هو "الرؤية الاستراتيجية: أميركا وأزمة الطاقة العالمية". وقد تحدث في هذا الحوار مع محرر "غلوبال فيوبوينت نيتويرك" ناثان غاردلز.
ناثان غاردلز: يتركز جوهر رؤيتك الاستراتيجية للمستقبل على قيام "غرب أكبر" مؤلف من القوى الديمقراطية التي يفترض أن تستوعب الصين. ومع ذلك، فإن الغرب كله، بدءاً من الولايات المتحدة، يمر في فترة تدهور سياسي.
وكما كنتَ قد لاحظتَ، في حين تركز الصين على المدى الطويل وتخطط لمستقبلها، تعاني الولايات المتحدة على وجه الخصوص من عقلية التركيز على المدى القصير. وفي واقع الأمر، لم نعد نحن في الولايات المتحدة الآن "ديمقراطية صناعية" بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما "ديمقراطية استهلاكية" حيث كافة مؤشرات التغذية الراجعة -السوق، ووسائل الإعلام، والسياسة- تظل قصيرة الأجل، وتقصد إلى الإشباع اللحظي.
ألا يعطي هذا للصين الميزة التنافسية الخاصة بالقدرة السياسية في الأيام المقبلة؟
زبيغنيو بريجنسكي: يبدو الأمر كذلك.
غاردلز: كيف يمكن تغيير عقلية المدى القصير التي تحكم أميركا؟ وهل ترتقي مؤسسات الغرب السياسية إلى مستوى التحدي؟
بريجنسكي: نعم، إذا طورنا استجابة أكثر فعالية وأبعد مدى للأزمة الحالية بدلاً من مجرد التمرغ في مستنقع الصعوبات الحالية –وهو ما يرجح أن ينتج المزيد من الآثار السلبية نفسها التي أوصلتنا إلى هذه الفوضى. إننا منشغلون جداً بالأزمة الراهنة، ومفتقرون جداً إلى منظور أطول أجلاً، بحيث لا تتوفر لدينا الرؤية الاستراتيجية التي من شأنها أن تعطينا بعض الشعور بالزخم التاريخي.
إن الديمقراطية قادرة على الاستجابة، شريطة أن نركز على الأهداف الصحيحة. والسؤال اليوم هو ما إذا كان يمكن للديمقراطيات أن تزدهر في وجود أنظمة مالية خرجت عن نطاق السيطرة، والقادرة على توليد آثار تفيد القلة فقط، وبطريقة أنانية، من دون أي إطار فعال يعطينا قدراً أكبر وأكثر طموحاً من الشعور بالغاية. هذه هي المشكلة الحقيقية.
هناك اليوم خلل خطير جداً في التوازن بين عدم انضباط الميزانية، والالتزام بالتقشف، والعزم على إبقاء التضخم تحت السيطرة، والحفاظ على سياسة اجتماعية مكلفة من ناحية -وكل شيء آخر، من ناحية أخرى، من دون أي وجود أي تصور أوسع إطاراً حول الاتجاه الذي يجب أن تكون مجتمعاتنا ككل متجهة إليه.
غاردلز: إن بقية الغرب غارق أيضاً في الشلل. بل إن أوروبا ذهبت أبعد من ذلك إلى حد التحوّل إلى الداخل مع تفاقم أزمة اليورو، بينما تحاول أن تقرر ما إذا كان ستقطع كل الطريق عائدة إلى الدولة القومية، أو أنها ستمضي قدماً إلى الأمام، باتجاه خلق الاتحاد السياسي الكامل.
ما هو الحل بالنسبة لأوروبا؟
بريجنسكي: أعتقد أن حل أزمة أوروبا الراهنة لن يكون بذلك السوء في نهاية المطاف. إن القيادة السياسية الأساسية في أوروبا -الألمان والفرنسيون بشكل أساسي، إلى جانب بعض الآخرين- يكشفون عن شعور بالمسؤولية عن مستقبل أوروبا. وهم مصممون بشكل متزايد على تشكيل الإطار السياسي الذي سوف يحل محل ما كانت عليه أوروبا في الآونة الأخيرة؛ بالتحديد، تأسيس اتحاد مالي للبعض ومجتمع سياسي فضفاض للجميع. وبشكل حتمي، سوف يتبلور اتحاد سياسي حقيقي في مراحل وخطوات، والذي يرجح أن يبدأ من خلال إقرار معاهدة بحكم الأمر الواقع، والتي يتم التوصل إليها عن طريق اتفاقية بين-حكومية في المستقبل القريب.
غاردلز: أوروبا ذات سرعتين؟
بريجنسكي: ولِمَ لا؟ ليس هناك عيب في وجود أوروبا تكون جزئياً وبالتزامن تكون اتحاداً سياسياً ونقدياً في الجوهر، وتقبل بدور بروكسيل القيادي، والتي تحيط بها أوروبا أكبر لا تشارك في العملة الموحدة، وإنما تأخذ حصةً من كافة المنافع الأخرى؛ على سبيل المثال: حرية حركة الناس والبضائع. وسوف ينسجم ذلك مع رؤية ما بعد الحرب الباردة لأوروبا موسعة، كلية وحرة.
غاردلز: تقوم اليابان بتغيير رؤساء الوزراء لديها كل بضعة أشهر. وهي واقعة في فخ التقاعد على أساس ثروة الماضي المتراكمة وعدم النظر إلى المستقبل. هل يستطيع الغرب الإبقاء على مثل هذه اليابان، أم أنها ستنجرف أخيراً نحو مركز الجاذبية الصيني؟
بريجنسكي: أشعر بالثقة إزاء صدقية التزام اليابان بالديمقراطية. لقد أصبحت ثقافتها السياسية الآن غربية أكثر من ثقافتها السياسية التقليدية. لكن اليابان تقع في الشرق، بطبيعة الحال. ومن شأن علاقة جيدة بينها وبين الصين أن تسهم كثيراً في تحقيق الاستقرار في الشرق الأقصى، وفي قيام علاقة أفضل بين الولايات المتحدة والصين.
تستطيع أميركا أن تلعب دوراً نشطاً كموفِّق بين اليابان والصين كما فعلت في أوروبا بين فرنسا وألمانيا وبين ألمانيا وبولندا –ولكن، من دون نوع التدخل العسكري المباشر في القارة الآسيوية مثل ذلك الذي مارسته الولايات المتحدة في أوروبا. ربما يكون التشبيه الأفضل بالنسبة للولايات المتحدة والصين هو الدور الذي لعبته بريطانيا في القرن 19 بوصفها عامل استقرار وموازِن في القارة الأوروبية.
غاردلز: نظراً لأزمة الحكم القائمة في الغرب، فإن دور مجموعة السبعة الكبار القديمة كمرتكز للنظام العالمي يتراجع، وهي تصبح غير قادرة باطراد على توفير "سلع عالمية عامة" -مثل الاستقرار المالي- ومع ذلك، ما تزال الاقتصادات الصاعدة، مثل الصين والبرازيل وتركيا، غير قادرة على القيام بذلك حتى الآن أيضاً.
البعض يرى مجموعة العشرين بوصفها آلية للتكيف مع عالم متعدد الأقطاب حقاً. ولكن، هل هناك أي سابقة في التاريخ لنظام عالمي مستقر من دون وجود قوة واحدة مهيمنة، أو مجموعة متحالفة من القوى التي تضع القواعد؟
بريجنسكي: على الرغم من أن القرون الماضية العديدة لم تنطو على نضال من أجل الهيمنة العالمية، وأن السنوات العشرين الأخيرة شهدت لحظة قصيرة كانت فيها أميركا هي الأعلى في العالم، فإننا ندخل الآن مرحلة لا يرجح أن توجد فيها أي قوة منفردة عليا حقاً.
هذا هو السبب، في رأيي، في أن فكرة الغرب الموسّع -والذي ينبغي أن يشمل في النهاية كلاً من روسيا وتركيا- سيكون عنصراً بالغ الأهمية، ويسهم في زيادة الاستقرار العالمي. سيكون هذا الغرب الموسع –الذي تلعب فيه الولايات المتحدة دور الموفِّق، وفي الوقت نفسه دور الموازِن في آسيا- أكثر قدرة على صياغة سياسات بناءة للتعامل والتكيُّف مع القضايا العالمية في عالم يشهد زيادة في الاضطراب والصراع، في ظل وجود العديد من صغار اللاعبين الذين يتنافسون على مصالحهم الذاتية. وعندئذ، سيكون من المستحيل وضع أي تسوية واسعة النطاق للحفاظ على الاستقرار.
أما بالنسبة لمجموعة العشرين الكبار، فإن فيها بعض الأطراف التي تحرك وتحدث هزات، اقتصادياً وسياسياً، لكن فيها أيضاً الكثير من المتطفلين الموجودين هناك فقط لأنهم يطابقون بعض المقاييس الإحصائية. لكنه ليس هناك سحر في العدد 20. لماذا ليس 25؟ ولماذا ليس 15 فقط؟ إن مجموعة العشرين ستعمل أو لا تعمل تبعاً إلى لقيام القوى الأساسية ببناء نوع المنتدى الذي أقترحه -قيام غرب موسع يتألف من الديمقراطيات التي تعمل بالتوافق مع الاقتصادات الديناميكية في آسيا بقيادة الصين.
غاردلز: لقد تحولت القيادة الصينية في السنوات الأخيرة من موقف دفاعي عنوانه "النهضة السلمية" إلى تجسيد فكرة منظر الحزب تشنغ بيجيان الجديدة عن الانخراط: "ابنِ على تقارب المصالح، من أجل خلق مجتمع مصالح".
حتى الآن، ما تزال الصين مترددة في تأكيد دور قيادي عالمي لنفسها، حتى مع أنها أكبر دائن في العالم.
إذا كنا الآن "حاضرين في لحظة خلق" نظام ما بعد أميركي، ما الذي ينبغي أن يكون دور الصين الاستراتيجي وما مسؤولياتها؟
بريجنسكي: يعمل تشنغ على تكرير وتنقية فكرته عن "تلاقي مصالح" من خلال حوارات يقيمها مع هنري كيسنجر، أنا، وآخرون. إنها عمليّة. وهي مؤشر على أن الصينيين جادون في السعي إلى لعب دور -من دون طموحات في الهيمنة -في الوقت الراهن. أما إذا كانوا يسعون إلى فرض هيمنتهم في المستقبل، فإن ذلك سيعتمد على ما إذا كنا في الغرب سنخلق الظروف التي يصبح فيها التقارب في المصالح ممكناً بالنسبة لهم، أو ما إذا كان تحقيق التوافق مع آخرين بدلاً عنا سيصبح ضرورة لخدمة مصالحهم الوطنية.
قبل عامين، عندما كنت ألقي كلمة في الصين وقلت إن الولايات المتحدة والصين يجب أن تقيما بينهما علاقة "اثنين كبار" غير رسمية، تلقيت الكثير من الثناء، وكان هناك حماس للفكرة. وفي غضون عام أو نحو ذلك، ظهرت أصوات قالت: "انتظروا، هذا فخ" يقصد إلى إجبار الصين على تقاسم تكاليف الاستقرار العالمي وفق شروط غربية، بما أن الغرب نفسه لم يعد قادراً على تحمل مؤونة دفع الكلفة وحده.
وهكذا، يتعين على الصين أن تقرر ماهية الدور الذي تريد أن تلعبه. فمع المكانة، تأتي المسؤولية والالتزام. أعتقد أن الصينيين يفهمون ذلك؛ إنهم يريدون لأنفسهم فقط صوتاً رئيسياً في النظام الجديد الذي ينبغي عليهم المشاركة في تحمل مسؤولياته في الأساس.
بالنسبة إليهم، هذا أمر غير مسبوق. في الماضي، كان مجال نفوذهم مُحتوياً لذاته. والآن توسع.
غاردلز: لقد عنى انفجار موجة الديمقراطية في العالم العربي عودة الأحزاب الإسلامية التي قمعت طويلاً إلى الواجهة.
كيف ينبغي للغرب أن يستجيب لهذا التطور؟ إلى حد أن تشكل تركيا نموذجاً للكيفية التي يمكن بها للأحزاب الإسلامية أن تدخل ضمن إطار ديمقراطية علمانية -كما حث على ذلك رئيس الوزراء اردوغان نفسه مؤخراً في كلمته التي ألقاها في القاهرة– هل ينبغي للغرب أن يدعم هذا النهج بدل أن يعارضه؟
بريجنسكي: إنني أميل كثيراً إلى تفضيل رسم لصورة تركيا أقرب إلى، أو حتى في داخل، الغرب بأكبر قدر ممكن. إنها، من دون شك، أفضل حليف لأميركا في الشرق الأوسط.
لكن تركيا لا تشكل الآن النموذج المتوخّى للديمقراطيات العربية الجديدة، لأنها ليست هناك ديمقراطيات عربية جديدة بعد.
يجب علينا أن لا نخلط بين الصحوة السياسية في العديد من البلدان العربية، والتي أنتجت حركات شعبوية نشطة للغاية، وبين التحقق الفعلي للديمقراطية.
قد يؤدي ما يحدث هناك في المنطقة العربية إلى الديمقراطية، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى حلول الديكتاتورية الشعبوية. إن تركيا تشكل، بطبيعة الحال، مثالاً على الكيفية التي يتوافق فيها الإسلام والديمقراطية العلمانية، لكن ليست هناك حتى الآن محاكاة قابلة للحياة لنموذج تركيا في العالم العربي.

*نشر هذا الحوار تحت عنوان: Brzezinski: Can democracies thrive with financial systems that are out of control

التعليق