لهذا يجب أن نتفاءل

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

محمود أبو فروة الرجبي*

 

هناك عدة أسباب تدعونا للتفاؤل بمستقبل الإسلام في العالم العربي والإسلامي والعالم، وإن كانت هذه الأسباب مرتبطة بتحقيق بعض الشروط الموضوعية اللازمة لهذا التطور. فهناك أمل كبير بتجاوز هذه الإشكاليات، وعلى رأسها المرجعية الفقهية، وقدرتها على الإجابة عن أسئلة كثيرة محيرة. وهنا يزداد الأمر سوءا، حينما لا تستطيع هذه المرجعيات حسم بعض المسائل التي تحتاج إلى إجابات سريعة، أو تدخل الناس في تخبط نتيجة عدم الاتفاق على حكم شرعي واحد في المسألة. ولعل هذا راجع إلى عدم وجود مجمع فقهي واحد يضم عدداً  كبيراً من العلماء المعتبرين، وإن كان هناك بعض هذه المجامع بشكل أو بآخر، فهي تابعة لدول وحكومات، وللون فكري واحد، ولمنطقة جغرافية محددة، فقيرة في الإنتاج الحضاري، الذي هو أحد شروط الارتقاء الفقهي.
وقد دلت التجارب السابقة على أن بعض أحكام هذه الهيئات تخضع لهوى سياسي، ولإملاءات لا علاقة للنصوص الشرعية بها. وهذا مما أفقدها قوتها، وتأثيرها بين الناس. والأدهى من ذلك هو انجرارها في بعض الأحيان إلى الإفتاء بطريقة جعلت العالم كله يسخر منها، بل ومنّا أيضاً -أقصد- المسلمين.
هذا جزء من المشكلة، وهناك مشكلات كثيرة لا مجال لحصرها هنا، لكننا سنذكر فيما يأتي بعض الأسباب التي تجعلنا نتفاءل بالمستقبل.
أولاً: هناك مراجعات فقهية عديدة، ومحاولات للاجتهاد في فهم النصوص الدينية، بطريقة تعمل على فهم الواقع، والنصوص، ومقاصد الشرع الكريم، وإن كانت هذه المحاولات تجابه بمقاومة شديدة من أصحاب الأفهام العقيمة، أو حتى من المعتدلين أنفسهم خوفاً من الوقوع في المخالفات الشرعية. فهذه المراجعات تسير في الاتجاه الصحيح، وتتقدم للأمام، ولكن ببطء. وكلنا يذكر محاولات العلماء الأجلاء في العصر الحديث في مجال الاجتهاد، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، ثم القرضاوي والغنوشي، فقد اجتهدوا بطريقة جعلت أعداءهم يعدونهم أخطر على الإسلام من الصهيونية في بعض الأحيان، وفي هذا تجنّ كبير عليهم، ولكن مع الوقت ستتغير الأمور، وسيكتشف الجميع أن هؤلاء لديهم قامات طويلة، وهم في بعض الأحيان يسبقون عصرهم في الفتوى، لذلك يصطدم الناس بها. والتجارب السابقة تدل على أن الزمن وحده كفيل بجعل الناس يفهمونها.
ثانياً: هناك تيار إسلامي جديد بدأت تتضح ملامحه، وهو على وشك الظهور بشكل أكثر تنظيماً فكرياً وشعبياً، وهو ليس مقتصراً على اتجاه واحد، أو حزب، أو جماعة، بل إن أفراده مختلفون، وموزعون بين التيارات الإسلامية المختلفة، والأفراد العاديون البعيدون عن التحزب. هؤلاء يفهمون الإسلام جيداً، وأنه طاقة هائلة تدفع للأمام، بعيداً عن "الرافضيون"؛ وأقصد بهم أولئك الذين يرفضون كل شيء، ويعتقدون أن الدين هلامي، ويجلسون واضعين أيديهم على خصورهم، ينظرون إلى من يحاولون تطبيق الإسلام بمفهومه الحقيقي الحضاري، وليس بمفهوم حصره بالعقوبات، والحدود فقط. هؤلاء "الرافضيون" تجدهم يضحكون ساخرين ممن يعمل، فالإسلام دائماً عندهم غير ما هو موجود، والمجتمع لا يمكن أن يكون إسلامياً إلا إذا توقفت الحياة فيه، وهم وإن كانوا يتشدقون دائماً أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكنهم عملياً، وبطريقة واقعية بدون أن يدروا يعطون أدلة للآخر على أن الإسلام لا يمكن تطبيقه في الحياة أبداً. أما أصحاب التيار المستنير، فهم يعرفون أن الدنيا مختلفة، وأن الفكر الإسلامي هو نتاج عملية تفاعل بين النصوص، ومعطيات الزمان، وهو متغير بتغير الأزمان، والعصور، وأنه لا يمكن الوقوف به عند زمن معين، وإلا فإن هذا الفكر سيدخل في مرحلة التحنيط ليصبح غير صالح للاستعمال، بل لمجرد الزيارة، والمشاهدة لا أكثر ولا أقل. وهؤلاء يدركون أن تطبيق الإسلام يحتاج إلى مبدعين، مبتكرين، منتجين للفكر والحضارة. فالشافعي رحمه الله، وهو قمة من قمم الإبداع الفقهي، غيّر كثيراً من الأحكام الفقهية لمجرد الانتقال من بلد لآخر، في سنين عديدة، فكيف بنا ونحن قد بعدنا عنهم مئات السنين، وهو بهذا يوافق ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، في أكثر من موقف حسبما جاء في السنة النبوية حينما أعطى لكل مستفت حكماً مختلفاً في المسألة نفسها، بناء على شخص المستفتي.
ثالثاً: للربيع العربي آثار ستظهر مع مرور الوقت على غالبية أفراد المجتمع. وعلى عكس الثورات السابقة، والانقلابات التي كانت تأتي من أفراد معدودين، فإن هذا الربيع شعبي ويشمل طبقات هائلة في المجتمعات، وهذا الربيع مصنوع من مختلف أطياف المجتمع، لذلك فإن من استحقاقاته أن يتمتع الجميع بثماره، وأن يزهر، ويثمر ديمقراطية حقيقية ليس على مستوى الحكومات والحكم، بل على المستوى الشعبي والفردي. فالدكتاتورية متغلغلة في نفوس غالبية الناس في الوطن العربي بمختلف مواقعهم، وكذلك الفساد بأشكاله كافة، وهذا كله نتاج ثقافة مشوهة. وهذا الربيع سيمتد إلى مختلف التيارات الفكرية والسياسية في الوطن العربي، بما فيها الإسلامية، وسيغير، ويقلب المعادلات، بطريقة قد لا نستطيع استيعابها، ولكنها ستجدد الأمة كلها، وتخرجها من حالة الركود الثقافي، وتطهرها من العفن الفكري. 
رابعاً: ربما كان للعولمة، وسيطرة وسائل الإعلام على الفضاء العالمي، سلبيات كثيرة، ولكن لها أيضاً إيجابيات في محاصرة والقضاء على ما كان له دور كبير في تشويه العقل العربي والمسلم، وهو سيادة اللون الواحد بالقوة، ونفي الآخر، وعدم تقبل التنوع. فمع تلك الوسائل لا مجال لاحتكار الحقيقة، أو نفي الآخر، وهذا ما أظهرته الثورات العربية التي نأمل ان تصل يومياً إلى عمق الإنسان العربي والمسلم، وتحرره من كل من علق به من هذه الأمراض.
وبعد، هذه بعض الأسباب التي تجعلنا نتفاءل بالمستقبل. وإن كان الربيع العربي قد أتى بقوى إسلامية إلى مراكز صنع القرار والحكم، فإننا نأمل ان يتمكنوا من تقديم نموذج إيجابي قادر على مغادرة مكانه بمجرد خسارته في صناديق الاقتراع، وفي الوقت نفسه نأمل من أصحاب الأفكار الأخرى ان يعترفوا بحق من يكسب الشارع والأصوات، في أن يأخذ فرصته كاملة في الحكم.
المستقبل لنا، ولا يمكن لأي إنسان ان يوقف الربيع من الإزهار، وإعطاء الأرض لون الأمل والتفاؤل.



* كاتب أردني

التعليق