التقشف ضد أوروبا

تم نشره في الخميس 2 شباط / فبراير 2012. 03:00 صباحاً

خافيير سولانا*
مدريد - لقد بات من الواضح على نحو متزايد الآن أن ما بدأ في أواخر العام 2008 لم يكن مجرد أزمة اقتصادية عادية. فبعد ما يقرب من أربعة أعوام من اندلاع هذه الأزمة، لم تتمكن الاقتصادات المتقدمة من تحقيق التعافي المستدام، وحتى البلدان الأفضل حالاً أظهرت علامات الضعف. وفي مواجهة الركود المزدوج بوصفه حقيقة يقينية، أصبحت المصاعب التي تواجه أوروبا مروعة ومثبطة للهمم.
فأوروبا لا تواجه خطر تحمل خسارة اقتصادية دائمة فحسب؛ بل إن ارتفاع مستويات البطالة الطويلة الأجل والاستياء الشعبي يهدد بإضعاف تماسك النسيج الاجتماعي في أوروبا بشكل دائم. وعلى المستوى السياسي، هناك خطر حقيقي يتمثل في توقف المواطنين عن الثقة في المؤسسات، سواء الوطنية أو الأوروبية، واستسلامهم لفتنة النزعات الشعبوية، كما حدث في الماضي.
والآن يتعين على أوروبا أن تتجنب هذا السيناريو بأي ثمن. فلابد وأن يكون للنمو الاقتصادي الأولوية الأولى؛ لأن النمو وحده القادر على إعادة الناس إلى العمل وسداد ديون أوروبا.
إنه لأمر مفهوم أن تدور المناقشات حول كيفية تحقيق التعافي. فيزعم أنصار التقشف أن الديون تؤثر سلباً على النمو؛ ويرد أنصار المزيد من التحفيز بأن النمو البطيء هو الذي يعمل على توليد الديون العامة وليس العكس، وأن التقشف في أوقات الركود لن يسفر إلا عن تفاقم الأمور سوءا.
ولكن من غير المطلوب من الأوروبيين أن يتفقوا على كل شيء حتى يتسنى لهم التوصل إلى مسار مشترك. فبوسعنا أن نختلف حول التأثيرات البعيدة الأمد لعمليات ضخ السيولة، ولكننا نتفق جميعاً على أنه من غير المناسب أن نسمح بإفلاس الشركات التي تحقق أرباحاً؛ لأن أسواق الائتمان غير قادرة على العمل بالشكل الصحيح. ومن غير الضروري أن نتفق على السياسة المالية حتى يتسنى لنا أن ندرك أنه من المنطقي أن نشجع الاستثمار بدلاً من التقاعس عن العمل في حين يتمكن الضعف من بنيتنا الإنتاجية. ونحن ندرك جميعاً أنه من المجدي من حيث التكاليف أن نستثمر في إعادة تدريب العاطلين عن العمل بدلاً من السماح بالبطالة طويلة الأمد.
وفي كل الأحوال فإن الشكوك بشأن التأثيرات السلبية التي قد يخلفها التقشف أصبح من المستحيل تجاهلها. ويؤكد لنا التاريخ أن سحب الحوافز الاقتصادية في أوقات الركود العميق قبل الأوان أشد خطورة من سحبها بعد اكتمال الهدف منها.
فقد يؤدي الخفض المفرط للإنفاق العام في الظروف الحالية إلى انكماش النمو، وهو ما بدأ بالفعل: فالآن يتوقع صندوق النقد الدولي أن تنكمش منطقة اليورو بمقدار 0,5 % في العام 2012. وتشكل الإصلاحات البنيوية ضرورة أساسية لضمان النمو المستدام في المستقبل، ولكنها لا تضمن النمو في الأمد القريب، وهو ما تحتاج إليه أوروبا الآن. وبدلاً من ذلك تجازف أوروبا، في مقابل التقدم الهزيل على مسار تقليص الديون، بإلحاق الضرر الدائم بإمكانات نموها.
ومقارنة بعودة الركود، فإن التكاليف الطويلة الأجل المترتبة على سياسات التحفيز تصبح تافهة. ففي العديد من البلدان، لم يكن عجز الموازنات الحالي ناتجاً عن الإفراط في الإنفاق من جانب حكومات متهورة، بل كان نتيجة لتدابير مؤقتة اتخذت للتعامل مع الأزمة. ومع انخفاض أسعار الفائدة بالفعل، وتقليص ديون القطاع الخاص، فإن خطر تسبب السياسات التوسعية في رفع معدلات التضخم أو مزاحمة الاستثمارات الخاصة يصبح ضئيلا. وعلى النقيض من ذلك، فإن خفض الإنفاق قد يؤدي إلى تقويض النشاط الاقتصادي، وزيادة وليس الحد من أعباء الديون العامة.
ولا ينبغي لنا فضلاً عن ذلك شيطنة الدين العام. فمن المنطقي على المستوى المالي أن تتقاسم الدول تكاليف الاستثمارات العامة، مثل مشاريع البنية الأساسية أو الخدمات العامة، مع أجيال المستقبل، التي سوف تستفيد منها أيضا. والواقع أن الديون تعد الآلية التي نضفي بها الطابع المؤسسي على التضامن بين الأجيال. فالمشكلة الحقيقية ليست الديون في حد ذاتها، بل ضمان استخدام هذه الديون في تمويل الاستثمار المنتج، وإبقاؤها في حدود المعقول، والقدرة على تحمل أقساطها بقدر ضئيل من الصعوبة.
ولكن مما ينذر بالشر رغم ذلك أن الحجج نفسها التي حولت أزمة العام 1929 المالية إلى أزمة الكساد الأعظم تستخدم الآن لصالح فرض تدابير التقشف بأي ثمن. ولكن لا يجوز لنا أن نسمح للتاريخ بتكرار نفسه. بل يتعين على الزعماء السياسيين أن يأخذوا بزمام المبادرة لتفادي اندلاع أزمة اجتماعية ناجمة عن سوء الأحوال الاقتصادية. والأمر يتطلب اتخاذ تدبيرين عاجلين.
فعلى الصعيد العالمي، لابد من بذل المزيد من الجهود لمعالجة الاختلالات في توازن الاقتصاد الكلي وتوليد الطلب في بلدان الفائض، بما في ذلك الاقتصادات المتقدمة مثل ألمانيا. ويتعين على اقتصادات الأسواق الناشئة التي تتمتع بفوائض أن تدرك أن الانكماش لفترة طويلة في دول العالم المتقدم من شأنه أن يفرض خطراً حقيقياً يتمثل في الركود العالمي في الوقت الذي لم تعد تتمتع فيه هذه الاقتصادات بحيز المناورة الذي توفر لديها قبل أربعة أعوام.
وفي داخل منطقة اليورو، لابد من الجمع بين الإصلاحات البنيوية والمزيد من الإنفاق العام الفعّال، والذي يشكل ضرورة أساسية لتحقيق النمو المستدام والحفاظ على مستويات الدين المستدامة في الأمد البعيد، وبين السياسات القادرة على دعم الطلب وتحقيق التعافي في الأمد القريب. والواقع أن الخطوات التي تتخذها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في هذا الاتجاه كانت موضع ترحيب، ولكنها ليست كافية. فالأمر يتطلب إبرام صفقة كبرى، حيث تتبنى البلدان التي تفتقر إلى المصداقية السياسية الإصلاحات البنيوية بلا أدنى تأخير، في مقابل المزيد من المساحة داخل الاتحاد الأوروبي لاتخاذ التدابير المولدة للنمو، ولو على حساب ارتفاع مستويات العجز في الأمد القريب.
إن العالم يواجه تحديات غير مسبوقة. فلم يحدث من قبل في التاريخ الحديث أن تزامن الركود العميق مع مثل هذه التغيرات الجغرافية السياسية الهائلة. وقد يقودنا الاستسلام لإغراءات تفضيل الأولويات الوطنية المضللة إلى كارثة محققة يتحمل عواقبها الجميع.
الواقع أن الزعامة السياسية المستنيرة هي وحدها القادرة على تفادي هذه النتيجة. لذا، يتعين على زعماء أوروبا أن يفهموا أن برامج التكيف تحمل أبعاداً اجتماعية إلى جانب أبعادها المالية، وأن هذه البرامج غير قادرة على الاستمرار إذا وجد المتضررون منها أنفسهم في مواجهة أعوام من التضحيات في حين لا يبصرون أي ضوء في نهاية النفق.
إن التقشف بأي ثمن يُعَد استراتيجية معيبة بكل تأكيد، ولن تنجح هذه الاستراتيجية بأي حال من الأحوال. ولا يسعنا أن نسمح لمفهوم "الانضباط" المضلل بإلحاق الضرر الدائم باقتصاداتنا وفرض قدر مروع من الخسائر البشرية على مجتمعاتنا. ويتعين على أوروبا بالكامل أن تتفق على استراتيجية كفيلة بتحقيق النمو في الأمد القريب ــ على أن نشرع في تنفيذ هذه الاستراتيجية على الفور.

*الممثل الأعلى السابق للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي.
خاص بـ (الغد) بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق