الحديث عن زيادة أجور الأطباء 20 %.. مبالغة في الأرقام وغياب لربط الأجور بمعدل التضخم

تم نشره في السبت 28 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

مثقال عيسى مقطش

عمان - طفى على السطح أخيرا طلب  نقابة الأطباء زيادة الأجور الطبية بنسبة 20 % عما كانت عليه في العام الماضي.
 وعلى الرغم من تأجيل النظر في هذا الموضوع فإن السؤال هو: لماذا نتفاجأ برد نقيب الأطباء ان النقابة لها الحق في تحديد نسبة الزيادة على الأجور الطبية، من خلال قانونها الخاص، والذي لم تضعه وحدها، بل كان للحكومة رأي فيه، وهي التي وافقت عليه؟
ان القضايا الاقتصادية التي تمس مباشرة حياة الناس لا يمكن تناولها باللوم او التذكير بأن الوضع الاقتصادي العام يمر بحالة صعبة، وإنما الاساس ان نعترف ان اجور اصحاب المهن الخاصة سواء الاطباء او غيرهم يجب ان يتمتعوا بزيادة في اجورهم من خلال قانون عام وليس خاصا، وان تخضع مثل هذه الزيادة بحدها الأقصى لمعدل التضخم المعلن، وان تكون هناك دورة اقتصادية واجتماعية تحكمها متطلبات اقتصاد السوق، وضمن آلية تنفيذ تحكمها قوانين متطورة وقابلة للتغيير، حسبما تفرضها احوال الاقتصاد الوطني!
نعم من حق الطبيب ان يحقق زيادة سنوية في دخله أسوة بأي صاحب مهنة او موظف.. لكن السؤال يتكون من شقين هما: الأول كيف حسبت النقابة زيادة 20 % عن ثلاث سنوات اعتبارا من عام 2008 حتى نهاية 2011، وكلنا يعلم ان زيادات الرواتب كانت بمقدار20 دينارا، وان معدل التضخم كان 3 % في السنة الماضية، وأقل من ذلك في السنوات التي سبقتها، ولم يكن هناك آلية للتعامل مع معدل التضخم في القطاع الخاص، او بين المتعاملين بالمهن الحرّة!
والشق الثاني في الموضوع هو: لماذا لا تطالب النقابة بزيادة الأجور سنويا بتطبيق معدل التضخم الذي يعتبر الفيصل في العلاقة بين الطبيب والمريض بما يخص مقدار الاجور؟ وان تراكم الزيادة مرة كل ثلاث سنوات يضر بالمواطن، وما دام الانتظار لثلاث سنوات هو اختيار النقابة، فإنه لا يجوز القول ان الطبيب بقي بدون زيادة اجور لمدة 3 سنوات، وتأتي النقابة وتفرض الزيادة في الأجور بسبعة اضعاف المعدل العام للتضخم في الاردن وهو اقل من 3 % سنويا على مدار ثلاث سنوات سابقة، واكثر من ضعف مجموع معدلات التضخم التراكمية للفترة ذاتها!
ان الجهة الوحيدة المتضررة من هذا الوضع هو المواطن الذي لا يتمتع بتأمين صحي من أي مصدر كان، كما ان المؤمن صحيا لدى القطاع الخاص سيلحق به ضرر لأن النقابة ستفرض اسعارها الجديدة على شركات التأمين، وعندئذ ستقوم هذه الشركات بفرض الزيادة على المنتفعين والمشتركين في برامج التأمين الصحي لديها، وربما ستمر العملية في حالات شد ورخي بين شركات التأمين ونقابة الاطباء حول كيفية تطبيق الزيادة في الأجور وتاريخ نفاذ المفعول وغيرها من الأمور، التي سبق ان طفت على السطح قبل فترة، بين العديد من شركات التأمين ونقابة الأطباء وغيرها من النقابات، في منظومة العمل الطبي!
وواقع الحال، ان غياب قانون حماية المستهلك هو سبب مباشر للمطبات والمنعطفات الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها المواطن. وبهذه المنهجية يصبح المواطن بوتقة تجارب، وكلما نام المواطن ليله لا يعرف ماذا يخبأ له صباح اليوم التالي!
والعيب الاخر الذي نعيشه هو غياب الدورة الاقتصادية السليمة في حياة المجتمع، والأساس ان عامل التضخم هو المقياس الفعلي للمتغيرات في دخل الفئات المجتمعية، مع ضمان الدولة لحد ادنى للزيادة السنوية في اجر الفئة التي دخلها تحت مستوى خط الفقر، وفرض التقيّد بها من جانب القطاع الخاص!
 وفي سبيل ان تنعكس هذه الزيادة على اصحاب المهن الحرة، فإنه لا بد ان ينطبق ايضا معدل التضخم على اجور الاطباء في العيادات الخاصة، وغيرهم من اصحاب المهن الطبية وغير الطبية!
اذن، مجتمعنا بفئاته المختلفة وفي مقدمتهم الفقراء الذين ليس لديهم تأمين صحي يواجهون نفقا معتما في حياتهم نظرا لغياب القوانين الشفافة والواضحة التي تحقق العدالة بين المستهلك ومقدم الخدمة الطبية. وانه لا غبار على القول اننا نتوقع من قطاع الأطباء الشعور مع الوضع الاقتصادي وارتفاع تكاليف الحياة، وهذا شيء جيد وله ابعاده الاجتماعية الهادفة، وانما الاساس ان تنظم العلاقة بين المواطن سواء كان من "الغلابى" او غيرهم، وبين الاطباء في القطاع الخاص طبقا للائحة الأجور التي تخضع لزيادة سنوية بحد اقصاه معدل التضخم الرسمي للدولة، وبالتالي لا يكون لنقابة الاطباء منفذ للاستناد الى قانونها الخاص بزيادة الاجور بنسبة  20 % وهي مبالغ فيها لتغطية الفترة من 2008 الى 2011، طالما انه لا يوجد جهة في الوطن حققت زيادة في مواردها من اجورها بنسبة 20 % للفترة ذاتها!
والمطلوب هو ان يتم وضع تشريع وإصدار قانون اسمه "قانون الدورة الاقتصادية وتعزيز دور معدل التضخم السنوي في إقرار المتغيرات في الدخل والأجور لكافة الفئات المجتمعية والمهنية"، وان يكون هذا القانون المرجع الوحيد، وان يلغي أية نصوص في أي قوانين خاصة تتعارض مع أحكامه!

mithqal.muqattash@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بهذه الطريقة يستطيع الجميع معرفة ما له وما علية ماليا (عمار / عمان)

    السبت 28 كانون الثاني / يناير 2012.
    اذا طبقنا مفهوم الدورة الاقتصادية في الدخل والاجور وربطها بمعدل التضخم يستطيع كل واحد معرفة ما له وما عليه ماليا وعندئذ لا يفاجأ بالمتغرات التي تطفو على السطح وتنعكس سلبيا على ميزانيته وقدراته على مواجهة اعباء الحياة اليومية .
  • »معادلة واضحة وتستحق المتابعة (سلوى/عمان)

    السبت 28 كانون الثاني / يناير 2012.
    ان المعادلة التي وردت في التحليل تبرر القول ان الارقام بمطالبة 20% زيادة على اجور الاطباء فيها مبالغة . واذا دققنا في المعادلة المقدمة على اساس معدل التضخم فاننا نجد انها واضحة ومنطقية وتستحق المتابعة والتنفيذ .
  • »لسنا ضد الفكرة ولكن ماذا بالنسبة لاجور الخدمات الاخرى (خبير مالي)

    السبت 28 كانون الثاني / يناير 2012.
    بالنسبة لاجور الخدمات الاخرى مثل اجور التكسي والمواصلات والنقل وغيرها ما شابه هل يمكن تطبيق مفهوم الدورة الاقتصادية التي ينادي بها الزميل الكاتب على هؤلاء وكيف ستتم العملية وهل اقتدينا بالاخرين في الدول الاخرى فهل يمكن لنا تطبيق الاسلوب ذاته ؟ انا اقول اذا نجحنا بالية التطبيق فنكون قد حققنا الهدف وبخلاف ذلك ستبقى الامور في بوتقة النظريات . المقترح هادف اذا تمكننا من تطبيقه !
  • »نؤيد ونطالب بوجود قانون لتنظيم الدورة الاقتصادية للدخل والاجور (وسيم عبدالله /اربد)

    السبت 28 كانون الثاني / يناير 2012.
    كما طالبت نقابة الاطباء بزيادة اجور الاطباء ستأتي النقابات وجمعيات المهن الحرة الاخرى وتطالب وبالتالي وجود قانون ثابت ينظم العلاقة المالية للاجو والدخل وحسب معدل التضخم هو شيء اساسي .
  • »نعم اشد ما نكون بحاجة الى قانون الدورة الاقتصادية (اسعد الطيب)

    السبت 28 كانون الثاني / يناير 2012.
    الخلاصة في المطلوب في نهاية التحليل هي الميزان الذي من خلاله تستوي الامور .. ونقول نعم لاصدار قانون الدورة الاقتصادية وتعزيز دور التضخم في اقرار المتغيرات في الدخل لاصحاب المهن الحرة .