الخطاب الإسلامي والعنصرية

تم نشره في الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

محمود أبو فروة الرجبي*

العنصرية التي سنتعامل معها في هذا المقال تعني الشعور القوي بأنني أفضل من الآخرين بناء على أصلي، أو لوني، أو انتمائي لأي فكر، أو جماعة، وقد يترتب على هذا الشعور اتخاذ قرارات، أو أفعال من شأنها تقليل فرصة الآخرين في الحياة أو الإساءة إليهم.
ويمكن التعامل مع الخطاب الإسلامي في هذا المجال من خلال أكثر من دائرة:
الدائرة الأولى: تعامل الإسلام مع هذا الموضوع، وما تدعو إليه النصوص الدينية.
الدائرة الثانية: التعامل التاريخي للخطاب الإسلامي، وهل استطاع الإسلام فعلا خلال الحقب التاريخية المختلفة محاربة العنصرية، وهل تمكن من التقليل منها؟
الدائرة الثالثة: الواقع الحالي الذي ينقسم وحده إلى دوائر فرعية تحتاج إلى الكثير من الدراسة والتمحيص.
سنقوم هنا بمحاولة الاقتراب من هذه الدوائر، وتغطيتها بشكل سريع وخاطف، بما يسمح به المقال، لنصل إلى وضع مقترحات من شأنها تحسين تعامل الخطاب الإسلامي مع هذا الموضوع.
وفي الدائرة الأولى، والثانية فإن الإسلام قرر مبدأ المساواة منذ اليوم الأول لبدء الدعوة الإسلامية، وغني عن الذكر أن جزءاً من جاذبية الإسلام، وقوته في بداياته كانت دعوته للمساواة، وأن البشر جميعاً متساوون في حقوقهم البشرية، وألا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وقد شكل التنوع الكبير في معتنقي الإسلام، وانتماءات الصحابة – رضوان الله عليهم- المختلفة تطبيقا عملياً لهذا الموضوع، بل ووصل الأمر إلى حد معاتبة الخالق -سبحانه وتعالى- لرسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم-، في أمر الأعمى الذي جاءه طلبا للهداية، حيث جاء في سبب نزول سورة عبس، حسب ما أورده الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله- في تفسيره:
"وسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتعلم منه، وجاءه رجل من الأغنياء، وكان -صلى الله عليه وسلم- حريصاً على هداية الخلق، فمال إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغني، وطمعاً في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف".
وهذا يعني أن الشارع الحكيم ينظر إلى الجميع أنهم سواسية، ويعد أي شخص مهما كانت مكانته الاجتماعية، أو الاقتصادية عنصراً مهماً للإسلام، ومساويا لغيره من حيث الإنسانية.
وهذا لا يعني ان الأمور وخلال تاريخ الإسلام سارت بشكلٍ مثالي، فهناك بعض الأخطاء، والانتكاسات في احترام الآخر بغض النظر عن أصله، ومكانته الاجتماعية، وقد أدى الدور الريادي للعرب، خاصة من الحجاز، في حصولهم على امتيازات من الدولة أكثر من غيرهم في بعض الأوقات، وكذلك سرب بعض الوضاعين أحاديث تدل على مكانة العرب بطريقة تفوح منها رائحة العنصرية أحياناً، ويمكن الحكم عليها من خلال مخالفتها لأحكام القرآن الكريم، وما قامت عليه الشريعة الغراء.
ويجب الاعتراف أن الإنجازات العظيمة التي حققها المسلمون في الواقع، وحضارتهم التي بنوها، والتي لا يمكن لمنصف أن يتجاوزها قد شابتها بعض الأخطاء، وهذا أدى إلى نشوء بعض التصرفات نحو القبائل العربية الأخرى – غير قريش في البداية- ثم امتدت إلى الأقوام الأخرى بعد توسع الفتوحات الإسلامية، ومع ذلك فإن الإطار العام للدولة الإسلامية كان يتجه نحو المساواة بشكلٍ أو بآخر.
وإلى الدائرة الثالثة والواقع الحالي، فإنه يجب إنصاف الخطاب الإسلامي الذي قدم نماذج إيجابية في هذا المجال حتى في أكثر المراحل التي عانى فيها من السلبية، فقد كان واضحاً ان هناك شبه إجماع في أوساط المتدينين – خاصة الحركيين منهم – على المساواة الكاملة بين الجميع بناء على آية التقوى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات: 13).
بل ومن الملاحظ ان هناك تطويرا لفهم هذه الآية بحيث يدخل الإنجاز مهما كان نوعه ومصدره في هذه الخيرية المشار إليها، ومع التغيرات التي حصلت بعد الربيع العربي، ونتيجة لمراقبة الحركات الإسلامية للمشاريع الأخرى التي طبقت بشكلٍ أو آخر في الوطن العربي، وبسبب وقوع المتدينين تحت سياط الظلم الشديد بسبب غياب العدالة والديمقراطية، وحقوق الإنسان، فإن هناك هاجساً بني في وجدان، وعقول عدد لا بأس منهم جعلهم أكثر ميلا للمساواة التامة، وأكثر اهتماماً بالحقوق الإنسانية للجميع، ونتمنى أن ينعكس ذلك بشكلٍ واقعي من خلال التطبيق العملي للأحزاب الإسلامية التي باتت تحقق نجاحات في الديمقراطيات العربية الوليدة.
ويجب الاعتراف هنا أن ثمة اختلافات في التعاطي مع هذا الأمر بين الجماعات الإسلامية، فهناك انحراف في مفهوم هذا الأمر (الخيرية) عند البعض بطريقة فيها غلو، وانحراف في فهم (التقوى) التي أشارت إليها الآية الكريمة، لتعني عند البعض (الانتماء لهذه الجماعة)، وهذا مخالف للقران الكريم.
وأخرى وصل الأمر فيها إلى مراعاة البعد الجغرافي في تعاطيها مع الخيرية، بحيث إنها لم تقف في وجه العنصرية الشديدة، والعدائية للآخر، وتحقيره من قبل مواطنيها، بل وأصبح هناك ما يشبه قبول الواقع، مع ان الإسلام لا يقبل هذا الأمر، ولا يتعامل مع الناس وفق نظرية (الدماء التي تسري في العروق).
والغريب أن بعض الفتاوى الصادرة عن علماء تلك المناطق، تصف المسلم الآخر بالأجنبي مثلا، بل وتقوم بصياغة الفتوى – في بعض الأحيان- بطريقة يبدو فيها وكأن هذا الذي لا ينتمي إلى هذه البلد هو سبب المشكلات، والانحرافات عن الدين، وهذا لا يقبله عاقل، فالمخالفات الشرعية لا أصل، ومنطقة لها، فهي مرتبطة بالإنسان بغض النظر عن أصوله.
والأسوأ من ذلك هو عدم اهتمام الخطاب الإسلامي هناك بهذه المسألة التي يجب ان تأخذ نسبة لا بأس بها من التركيز، ولا نريد ان نصرح بأكثر من هذا ابتعادا عن إثارة الحساسيات، مع الإشارة إلى ان الخطاب حينما لا ينتقد خطأ ما في المجتمع فهذا يعني (إقراراً صامتاً له).
وبناء على كل ما تقدم فإننا نقترح على صناع الخطاب الإسلامي ما يأتي:
أولاً: ترسيخ مفهوم الخيرية الذي يرتبط بالتقوى، والإنجاز بعيداً عن أي شكل من أشكال الانتماء المناطقي، بل والطائفي أيضاً.
ثانياً: المساهمة في بناء مفهوم شامل للمواطنة قائم على الإنجاز، والمدنية، بغض النظر عن أي شكل من أشكال الانتماءات الأخرى.
ثالثاً: الالتفات إلى أبناء الطوائف الأخرى، والأديان المختلفة في عملية بناء الانتماء الحقيقي للمجتمع، وعدم إغفالهم، وترسيخ انتمائهم بزيادة شعورهم بأنهم جزء أصيل من المجتمع، وعدم تحريض، وتجييش المجتمع سراً وعلانية عليهم، بل والتعامل الإيجابي مع ردود أفعالهم السلبية – حينما توجد -، ومحاولة تحويلها إلى العكس.
رابعاً: محاربة الكبرياء الكاذب المبني على احتقار الآخر، والخوف من كل ما هو مختلف عني، واعتبار أن التعدد ثراء، والاختلاف نعمة، ونسيان الخطأ العقلي الذي يقع فيه الجميع وهو: يجب أن يكون الجميع يعيش في مدينة فاضلة.
هذه بعض الإطلالات على ضفاف العنصرية، نتمنى أن يعمل المجتمع بعناصره كافة على محاربتها، مع اعترافنا أن جزءاً منها له علاقة بالميزات الاقتصادية والاجتماعية التي تعطيها بعض الدول لبعض عناصرها لضمان ولائهم، وفي هذه الحالة فإن التعامل مع الموضوع يصبح اعقد، وأصعب.


* كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وجهة نظر (J3fr)

    الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2012.
    مقال موضوعي شامل غطى جوانب الموضوع بإحترافية ماشاءالله .. متميز كما دوماً