الخطاب الإسلامي وحقوق الإنسان

تم نشره في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2012. 05:38 مـساءً

محمود أبو فروة الرجبي*

هناك اضطراب في التعاطي مع حقوق الإنسان في الخطاب الإسلامي، على مستويين، الأول بالنسبة للخطاب الذي يأتي من (صناع الخطاب) أي قادة الرأي، والعلماء، والخطباء، والإعلاميين، والآخر على مستوى الناس العاديين.
فصناع الخطاب الإسلامي يقعون في بعض الأحيان في مطبات الازدواجية في التعامل معه، أو ينساقون وراء حماس بعض العامة في نقدهم، وكراهيتهم للآخر، فيطربون حينما يجدون ردود فعل إيجابية على انتقاد الآخر بطريقة قد تسيء إلى حقوقه الإنسانية، ونحن هنا لا نتحدث عن النقد الإيجابي الذي لا يتضمن التحريض، أو الإساءة.
أما العامة فهم مسكونون بهاجس قيادة العالم، والعودة إلى عظمة الماضي، وهذا في بعضه مقبول، لكن أحياناً يتم التعامل معه بعقلية أنه يجب أن يدمر الآخر، ويذل كي أعود إلى القمة، وهذا اضطراب قيمي يحتاج إلى دراسة، ومعالجة كبيرة، والخطاب فيه يشكل جزءاً من المشكلة، وربما الحل كله. 
ولعل هذا له أسبابه، ومنها أننا لم نصل بعد إلى القدرة على صياغة ميثاق لحقوق الإنسان يتناسب مع الشريعة، وبيئتنا، تماماً كما أن مواثيق حقوق الإنسان العالمية تتناسب – نظرياً على الأقل- مع الغرب وثقافته، وإن كان هناك توصيف لهذه المواثيق فإنها تدور بين حالات ثلاث:
الأولى: أنها مضطربة، وحائرة بين أحكام فقهية كثيرة من الصعب أن يقوم المتحمسون لهذه المواثيق الترجيح بينها، أما العلماء القادرون على ذلك فإنهم في معظمهم لم يصلوا بعد إلى القناعة التامة بأهميتها، أو أنهم لا يريدون إغضاب الناس بتبنيهم لآراء متقدمة، ومتطورة، حتى وإن كانت موافقة للشرع.
الثانية: ميثاق ناقص، يتعامل بازدواجية مع معايير هذه الحقوق، فهو يتعامل معها بناء على ما يناسب المسلمين أنفسهم، وليس الناس أجمعين، وهو بذلك لا يختلف عن تطبيق بعض المواثيق الغربية التي تميز بين الناس في بعض الأمور.
الثالثة: ميثاق مكتوب بلغة عدائية للغرب، ويتعامل مع الآخر على أنه شيطان رجيم، وهذا ليس ميثاقاً لحقوق للإنسان، بل هو وثيقة لإعلان حرب، ولا تحتاج إلى تعليق كثير.
أما في الواقع العام فهناك إشكاليات حقيقية تواجه هذه المسألة، وعلى رأسها قضية الاختلاف في الانطلاقات بين الإسلام، والغرب الذي وضع أسس، ومبادئ حقوق الإنسان، والتي تتناقض في بعضها مع بعض مبادئ الإسلام، فهناك حرية مطلقة في أمور معينة، وحرية مقيدة في أمور مختلفة، ولن نصدق هنا الكذبة الكبيرة التي تقول إنك تستطيع أن تفعل ما تريده في الغرب، أو لك الحرية في أن تقول ما تريد، فقد أثبتت الوقائع أن هذا الأمر مقيد في بعض الأمور.
فالغرب ينطلق من أيديولوجيا لا تسمح لأحد بمخالفتها، لكنها أيديولوجيا مطاطة، وتعطي الإنسان حرية في مجالات كثيرة، والثقافة هناك متوافقة مع هذا، فقلما نجد من يعترض على هذا الأمر، ولعل فضائح منع المحاضرات التي تنتقد "إسرائيل"، أو قمع الدراسات العلمية التي (تناقش)، ولا نقول (تنفي) مسألة المحرقة اليهودية، إضافة إلى (السكوت الرسمي وأحياناً الشعبي الفضائحي) عن الجرائم التي ترتكبها "إسرائيل" بحق الإنسان الفلسطيني، وكذلك بعض الأنظمة العربية الموالية للغرب، إضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان على يد قوات الاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان، وعملية تحصين الجنود الأميركيين من المحاكمة ضد جرائم الحرب، كلها تجعل الحديث عن جدية وعدالة مواثيق حقوق الإنسان الغربية محل شك. 
وللإجابة عن تساؤل حول عدم وجود مطالبات كبيرة للحرية في الغرب، فهذا مرده إلى أن هذه الأيدولوجيا –الغربية- مرنة إلى درجة أن الغربي نفسه يصدق أنه حر، مع أن الحرية هناك محدودة مثلها، مثل أي مكان في العالم، فقد فيها استبدل قمع الأجهزة في الدولة المتخلفة، بقمع القوة الرأسمالية الناعمة التي قد تقتلك دون ان تستعمل أي سلاح، وأحياناً دون ان تدري أنت أنك مقتول!
هذه الأمور تفيدنا في أننا قادرون إلى حد ما  على فرض ما هو مناسب لمبادئ ديننا، وثقافتنا في صياغة أي ميثاق لحقوق الإنسان، وهذا الأمر صحيح نظرياً، لكن في الواقع سنواجه تفسيرات مختلفة لهذه المبادئ يجنح بعضها إلى التشدد، ومع ذلك فإن الأخطر في التعامل مع حقوق الإنسان دائماً هو التطبيق العملي، ومدى خلو المجتمع من قوى طاغية تفرض أجندتها، وتتعامل بشكل غير رسمي بطريقة إقصائية لفئات من الناس وهذا من أكبر أشكال انتهاك حقوق الإنسان، وقد تأخذ هذه أشكال أجهزة معينة في دول العالم الثالث، أو قوى، وشركات طاغية أقوى من الدول في العالم الغربي، بل، والثالث أحياناً. 
إضافة إلى ذلك فإننا في وضع غير جيد يؤهلنا إلى تبني ميثاق خاص بنا، وتصديره للآخرين أو على الأقل إقناعهم بصدقه، فالأمة التي لا تمتلك ناصية القوة في مجالاتها كلها، قلما تستطيع فرض رأيها، وثقافتها في أي منتج حضاري.   
ومع كل ما سبق، ومن خلال المحاور التي لا تتناقض مع الإسلام في مواثيق الإنسان حسب المفهوم السائد في المجتمع، فإن هناك اقتراحات من شأنها تحسين أي ميثاق إسلامي لحقوق الإنسان يسهم في تطوير الخطاب الإسلامي في هذا المجال، ويعطي صناع هذا الخطاب أرضية مناسبة في تعاطيهم في كل ما يتعلق به:
أولاً: ضرورة احترام الآخر مهما اختلف معي، وإن كان من أديان وأفكار أخرى.
ثانياً: التعامل بموضوعية مع الآخر، وليس بعقلية الشيطنة، وأنه كله خاطئ، ولا يمكن الأخذ منه.
ثالثاً: حقوق الإنسان واحدة، وإن كان هذا الإنسان مختلفاً عني، أو حتى خاطئاً، أو مسجونا، أو مجرماً، ففي حالة تعرض أي إنسان للاعتقال فله حقوقه الإنسانية التي لا يتنازل عنها، والمشكلة التي تحصل عندنا أن بعض الناس يقبلون أن يتعرض مجرم للتعذيب انتقاماً لأفعاله، أو طاغية يقتل على يد الثوار لأنه كان ظالماً، مع أن الأصل في ردة الفعل على هذا الأمر أن تكون في وجوبية تحويل أي شخص للمحاكمة، وهي التي تقرر شكل معاقبته، لا نحن.
رابعاً: النظر إلى الأحكام الفقهية، وفصل الآراء عن النصوص، للوصول إلى مبادئ لحقوق الإنسان تتحرر من بعض الاجتهادات الخاطئة التي كانت مناسبة لعصور، وغير مناسبة لغيرها.
وبعد، من الضروري تضمين مفاهيم حقوق الإنسان لثقافة الإنسان المسلم بشكل أكبر، وهذا لا يأتي إلا من خلال تبنيها الحقيقي من صناع الخطاب الإسلامي، وإذا فشل الغرب – بشكل عام– بالوصول إلى تطبيق عملي، وحقيقي لحقوق الإنسان، فلا أقل من أن نقدم لهم أرقى مما قدموا، من خلال احترامنا للآخر، وعدم التفريق بين الناس، ليكون ميثاق حقوق الإنسان الإسلامي للإنسان الإنسان، وليس للإنسان الأبيض كما تتهم به مواثيق وتطبيقات حقوق الإنسان الغربية.
أحياناً نحن أيضاً نتعامل بمعايير مزدوجة دون ان ندري مع الآخر، وهذا يحتاج منّا إلى مراجعات، وكذلك فإن بعض ما هو راسخ في ثقافتنا يؤدي إلى تقليل تفاعلنا مع هذه الحقوق مثل: الغضب من المخالفين لنا، أو النظر بعدائية للعاصين، مع انه يجب التعامل معهم بحب، للمساعدة في إقناعهم بالعدول على ما هم فيه.
كذلك فإننا لم نصل إلى قناعة أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وأنني يمكن ان اختلف مع أي شخص آخر حتى لو كان أفضل إنسان في العالم، وفي النهاية لن أكون أنا محور الكون، وفي الخلاصة فإن هناك معايير، وقوانين، وأحكام نسير عليها، ولا يجوز لنا أن نطوعها كما نريد.
حقوق الإنسان مهمة، وحبذا لو تمكنا من الوصول إلى احترامها بشكل حقيقي في عالم يسوده الظلم، والتمييز، واحتقار الآخر، حتى وإن بدت لنا الأمور أحياناً عكس ذلك.
هذه دعوة كي يأخذ الخطاب الإسلامي الصادر عن صناع الخطاب، وتفاعلاته من العامة مكانه في هذا الأمر.
* كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القشور الخارجيه (وليد التميمي)

    السبت 21 كانون الثاني / يناير 2012.
    فعلا ابدعت يا ابواحمد ودايمامبدع ولكن اريد اعرج على كلمة قشور خارجية هذه الكلمه بسيطه ممكن مع الزمن القشره تنشف وتسقط اوتصدأ وتهترئ لكن الآمر من هذا الذين يلبسون ثوب الأخلاق والمبادئ الاسلامية ويدعون انهم اصحاب رساله وفي الأخر الله القدير يكشفهم ويطلعوا حرررررر............ المعني يعرف باقي الكلمه