السلفية في مصر (4)

تم نشره في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 20 كانون الثاني / يناير 2012. 06:36 مـساءً

أسامة شحادة*

في هذا الأسبوع والذي نختم فيه الحديث عن السلفية في مصر سنقوم بالتعريف بأبرز العناوين للجهود السلفية الفردية وبعض التجمعات السلفية الصغيرة وحديثة التكوين.
فبسبب ما تتميز به مصر من عمق تاريخي وكثافة بشرية كان من الطبيعي وجود الكثير من العلماء والدعاة والرموز السلفيين فيها، وبسبب الأوضاع الأمنية الاستثنائية – سابقا – كانت الصلات والروابط بين رموز السلفيين في عموم مصر ضعيفة إذ كانت السلطات تمنع كثيراً من العلماء والرموز السلفيين من التنقل بين المحافظات المصرية، فضلاً عن السفر إلى لخارج وهذا أدى إلى ظهور جهود فردية وتجمعات محدودة تعتمد على القرب الجغرافي في السكن أو الدراسة أو العمل.
وهذه الجهود الفردية يصعب حصرها لكثرتها من جهة ولعدم شهرة الكثير من أصحابها، كما يصعب تقديم تصنيفات وتقسيمات دقيقة لتوجهاتهم بسبب تشابك كثير من القضايا والتوجهات بينهم، ولذلك فإن غالب الكتابات عن الجهود السلفية الفردية كانت سطحية وغير دقيقة وفيها أخطاء كبيرة.
ولكي نقدم معلومة دقيقة وسليمة عن الرموز السلفية الفردية في مصر، يجب أن يقتصر الحديث على جانب معين ومحدد من التقسيم لينضبط الحديث.
يمكن أن نرسم صورة تقريبية للجهود السلفية الفردية من خلال النقاط الآتية:
1 - العلماء والدعاة الذين ظهروا على الفضائيات قبل الثورة، مثل الشيوخ محمد حسان، أبو إسحاق الحويني، محمد يعقوب، مصطفى العدوي، وحيد بالي، وقد تكون فرديتهم هي السبب الرئيس في سماح الأمن المصري لهم بالظهور على الفضائيات في الوقت الذي كانت تمنع فيه آخرين مثل الشيخ محمد عبد المقصود والشيخ نشأت أحمد وشيوخ الدعوة السلفية بالاسكندرية.
وهؤلاء العلماء والدعاة لهم تاريخ طويل في الدعوة والتعليم قبل ظهورهم على الفضائيات، وبعضهم عنده مراكز إسلامية قد تكون تابعة إداريا لأنصار السنة أو الجمعية الشرعية، لكنه هو من يضع منهجه العلمي والتربوي ويكون له تواجد كبير في مكان سكنه ويأتيه بعض الطلبة من أماكن بعيدة. وظهورهم في الفضائيات جعل لهم شعبية كبيرة جداً في مصر وخارج مصر.
إلا أنهم جميعا لم ينخرطوا بشكل مباشر في ترشيح أنفسهم للبرلمان أو الانضمام لحزب محدد مع دعمهم للتيار الإسلامي عموماً والسلفي خصوصاً، ورغم تباين وجهة نظرهم في ما يحصل وفي اجتهاد بعض السلفيين الآخرين إلا أنهم لم يهاجموهم ويدخلوا معهم في صراعات معلنة.
كما أن مقاربتهم للأحداث في مصر تنوعت كثيرا، فحسان نزل للميدان مبكراً للتحذير من اصطدام الشعب بالجيش ومن ثم انحاز للثورة وانخرط في الشأن العام كدوره في نزع صمام الفتنة بين المسلمين والنصارى ومشاركته مع المجلس العسكري والأزهر للوصول إلى تفاهمات وإطلاق مبادرات ترسخ الوحدة الوطنية ودعوته للسلفيين أن يتفاعلوا مع المستجدات السياسية الجديدة في مصر، ومن ثم تأييده للتيار الإسلامي السلفي والإخواني في الانتخابات، وعضويته في مجلس شورى العلماء السلفي، أما الشيخ أبواسحاق فقد لزم جانب السكوت معظم الوقت ويبدو من بعض تصريحاته القليلة أنه غير متفائل بالمستقبل، إلا أنه لم يهاجم – كما فعل البعض – السلفيين الذين شاركوا وانخرطوا في العملية السياسية، أما الشيخ يعقوب فقد شارك في البداية لكنه بسبب تعليق له عن نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية تعرض لهجمة إعلامية علمانية شرسة جعلته ينأى بنفسه عن الشأن العام.
2 - في نفس الوقت الذي نشأت فيه الدعوة السلفية في الإسكندرية ظهرت في حي شبرا بالقاهرة جهود لبعض طلبة الجامعات السلفيين، من أبرزهم د. سيد العربي ود. محمد عبد المقصود والشيخ نشأت إبراهيم والشيخ فوزي السعيد، لكن أبرز ما اختلفوا فيه عن شباب الاسكندرية هو التصريح بكفر الحاكم الذي لا يحكم بالإسلام، لكنهم رفضوا العمل العسكري ضد الحاكم بخلاف الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد آنذاك. 
وتعرضوا لمضايقات أمنية شديدة على خلفية موقفهم بدعم حماس في غزة أثناء عدوان 2001 حيث أفتوا بجمع الأموال والمشاركة معهم فتم اعتقال والحكم على مجموعة منهم بمدد مختلفة، أما الشيخان نشأت إبراهيم وفوزي السعيد فقد قضيا عدة سنوات في السجن قبل أن تبرئ المحكمة ساحتهما!!
وقد شاركا في الثورة من أول يوم وانخرطا في العمل السياسي والإعلامي مباشرة، ويعد الشيخ عبد المقصود موجه حزب الفضلية قبل أن يحصل فيه خلاف وينشق عنه حزب الأصالة الذي تحالف مع حزب النور ويرأسه اللواء عادل عبد المقصود شقيق الشيخ.
3 - هناك ما يعرف بالسلفية الأزهرية وهم بعض العلماء السلفيين في الأزهر وأبرزهم الشيخ أسامة عبد العظيم والشيخ محمد الدبيسي والشيخ أبو ذر القلموني والشيخ محمد حسين يعقوب، وهي مدرسة تركز على جانب العبادة والزهد والرقائق.
وتتميز هذه المدرسة بالبعد عن العمل السياسي وهو الموقف الذي اختاره الشيخ عبدالعظيم منذ مقتل السادات وما تبعه من تضييق على العمل الإسلامي، ولذلك كان موقفه سلبياً من الثورة لخوفه من إخفاقها ولأنه يعتبرها وسيلة غير صحيحة للتغيير، ويقال إنهم لم يمنعوا تلاميذهم من المشاركة من التصويت للانتخابات البرلمانية.
4 - بعض الدعاة السلفيين الذين سعوا لتأسيس أحزاب لكنهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب تواجدهم في محافظة معينة مما أعاق جمع توكيلات من محافظات أخرى، وفضلوا التهاون مع جماعة الإخوان وترشحوا على قوائم حزب العدالة والحرية مثل حزب الإصلاح السلفي برئاسة د.عطية عدلان، الذي فاز على قوائم حزب الحرية والعدالة، ويعد الشيخ هشام عقده من مرجعياته الشرعية. 
5 - بعض الدعاة السلفيين الذين رفضوا تكوين أحزاب سلفية على اعتبار أن هذا انحراف عن خط الدعوة والتعليم والتربية، وأن المشاركة السياسية يمكن أن تكون بدعم الإخوان كونهم أقدر على لعبة السياسة مثل الشيخ أحمد النقيب.
6 - مجموعة من الدعاة السلفيين يطلق عليهم لقب (المدخليون) -نسبة إلى د. ربيع المدخلي بالسعودية- ومن رموزه: الشيخ أسامة القوصي، والشيخ محمود لطفي عامر، والشيخ محمد سعيد رسلان، ود.طلعت زهران، وما يميزهم هو مهاجمتهم لبقية المدارس السلفية واتهامها بالتطرف، كما أن لهم موقفاً حاداً جداً تجاه الجماعات الإسلامية وقادتها خاصة سيد قطب، كما تتميز هذه المجموعة بالمغالاة المفرطة في الولاء للأنظمة الحاكمة، فقد أفتى محمود عامر بقتل البرادعي بسبب منافسته لمبارك مما أغضب عليه الجميع حتى جهاز أمن الدولة الذي وبخه على هذه الفتوى، وبعدها أفتى بقتل القرضاوي لدعمه للثورة المصرية، والعجيب أنه بعد هذا أعلن ترشحه للرئاسة في مصر!! 
ومما يجدر التنبه له هنا أن هذا التيار محدود التأثير في مصر وكثير الانشقاق على نفسه، وأجندتُه تقوم على الهدم فقط دون البناء، وغلوهم في طاعة الحكام هو ردة فعل على غلو جماعة الإخوان في تنزيل أحاديث طاعة الأمير والبيعة على طاعة مرشد الإخوان والبيعة له، فغلوا في إنزالها على الحكام إذ إن د.المدخلي كان إخوانيا ثم انقلب عليهم.
وقد أفسح المناخ السياسي في مصر بعد الثورة ظهور بعض التجمعات السلفية الشبابية المتنوعة مثل: الجبهة السلفية بمصر، ائتلاف الشباب السلفي، سلفية كوستا، وغيرها.
ومما يمتاز به الوسط السلفي في مصر عموماً وجود الكثير من الصلات والتنسيق برغم تباين الآراء في بعض القضايا، حيث هناك تبادل للزيارات وإلقاء المحاضرات والظهور المشترك على الفضائيات وعضوية بعض الهيئات مثل "مجلس شورى العلماء" و"الهيئة الشرعية للحقوق والاصلاح"، باستثناء مجموعة الدعاة التي تنسب للتيار المدخلي أو الربيعي والتي لا تعترف بغيرها ولا تتعاون معهم. 
* كاتب أردني

التعليق