كفاح الطبقات الوسطى

تم نشره في الخميس 19 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً
  • محتج في حركة "احتلوا وول ستريت" الأميركية - (أرشيفية)

ترجمة: مدني قصري

نيكولا بافاريز* - (لوموند) 2012/1/9

كان العام 2011 عام القطيعة والصدمات. فقد أغلقت ثورات العالم العربي الإسلامي، وموتُ بن لادن، الدورةَ التي فتحتها أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001. وقد دمّر تسونامي 11 آذار (مارس)، وكارثة فوكوشيما، اليابان، وقوّضا نظامه في مجالي الصناعة والطاقة، وكسرا انطلاقة الصناعة النووية.
أما أزمة اليورو، فقد تفاقمت إلى حد تهديد العالم بانهيار كبير. وفي الصين تضاعفت المظاهرات والإضرابات، وتضاعفت أيضا وتعددت في عدد من البلدان الصاعدة، وعلى رأسها إندونيسيا، من أجل اقتسام ثمرات التنمية بصورة أكثر ملاءمة للعمل، ومن أجل تحقيق نمو أكثر احتراما للحقوق الفردية والبيئة.
وأخيرا، وعلى غير ما كان متوقعا إطلاقا، دخل المجتمع المدني الروسي في مقاومة شديدة ضد نظام فلاديمير بوتين الاستبدادي. وفي قلب البلدان المتطورة تقوم مظاهر تصاعد البطالة، وتدني الدخل والثروة، والخوف من المستقبل، بتغذية الشعور بالتقهقر، ويلهم مناضلي حزب الشاي و"واحتلوا وول ستريت"، ويلهب حركة الساخطين في بلدان أوروبا، وفي إسرائيل أيضا.
وفي سياق استمرارية التمرد الإيراني في العام 2009، انتفض شباب العالم العربي الإسلامي لكي يستعيدوا كرامتهم المهدورة أمام دكتاتوريات ما انفكت تُظهر مراوغتها، من دون أن تنضم إلى الديمقراطيات الغربية، على نحو ما كشفت عنه نتائج الانتخابات في تونس ومصر، أو ما قد تكشف عنه النهاية غير المعروفة للحرب الأهلية في ليبيا.
وقد مزجت أعمالُ العنف القوية التي تهز الصين من دون انقطاع، بين المطالب المتعلقة بالدخل ومختلف أشكال الاحتجاجات، ضد قساوة شروط العمل، يواكبها تنديد متواصل بفساد المسؤولين. وفي روسيا تجندت المدن الكبرى ضد ما يعانيه الشعب من ازدراء، وضد تزوير الانتخابات، وضد التواطؤ مع الأوليغاركية المؤسساتية التي أسسها فلاديمير بوتين.
أما النقطة المشتركة بين هذه الثورات، فيجب البحث عنها في داخل الطبقة الوسطى التي تشكل رأس الحربة. ففي الجنوب أنقذت العولمةُ منذ العام 1989، أكثر من مليار شخص من الفقر، وأظهرت على السطح طبقةً متوسطة تستفيد من تخفيض يقارب 30 % في فارق مستوى العيش، مع البلدان المتطورة. هذه الطبقة الفتية التي تعيش في المدن، المتعلمة والمنفتحة على العالم، تشكل مفتاح التنمية. وهي قلما تتسامح مع أشكال الإذلال، وعدم المساواة، والظلم، المرتبطة بالأنظمة الاستبدادية الفاسدة. وهي تبدي مزيدا من النقد إزاء غياب دولة القانون، وهيمنة السلطات على الشعوب.
وقد قوضت هذه الطبقة على أي حال إجماع بكين الذي طرح فرضية وجوب هيمنة الأنظمة الاستبدادية في إدارة التنمية. وما فتئ الإنترنت، والشبكات الاجتماعية، من مصر إلى روسيا، مرورا بإيران، تتأكد كرمز لتطور هذه الطبقة، وكأداة لتعبئتها.
ولم تعد هذه الطبقة تشعر بأنها مرهونة بالعقد السياسي الذي يدّعي الجمع بين الدكتاتورية والاستقرار والتنمية، ولا أكثر من ذلك، بقيم الغرب الذي تراه يسير نحو الانحطاط. وإنما على العكس من ذلك، تتعرض الطبقات الوسطى القديمة في العالم المتطور، وهي وريثة المجتمع الصناعي، ودول الرفاهية الاجتماعية لفترة ما بعد الحرب العالمية، إلى الاهتزاز وعدم الاستقرار.
ويتجسد هذا الواقع، في الولايات المتحدة الأميركية، في تصدع الأمة، وفي احتجاج لا سابق له منذ حرب الانفصال وظهور المؤسسات والدستور، ويتجسد أيضا في تجدد الانعزالية في أوروبا، من خلال تصاعد الشعبويات، والتراجع عن ستين عاما من التكامل، وفي اليابان يتجسد في ضعف النظام السياسي الذي سوف يُهمل ضحايا تسونامي وكارثة فوكوشيما.
إن هذه الحركات لن تفضي في الوقت الحالي إلى إنشاء طبقة متوسطة عالمية، تطفو من حولها مؤسسات وقواعد مشتركة، بل سوف تفضي إلى انفجار الانفعالات القومية، والنزعة الحمائية والعنصرية، أو أيضا إلى إعادة تأكيد الهُويات الدينية التي يشهد عليها استيلاء الثورة الإسلاموية على الحكم في العالم العربي الإسلامي.
ومع ذلك، سوف يتحدد مصير العولمة بمصير هذه الطبقات الوسطى تحديدا. فإذا انتصر منطق الانتقام في الجنوب، ومنطق الخوف في الشمال، فسوف تنفجر العولمة من داخلها، مثلما كان الشأن في العام 1914، تحت وطأة القوميات الأوروبية المتنافسة.
وإذا تطورت دولة القانون، وأنشئت في الجنوب أنظمة حماية اجتماعية متينة، وإذا لم تفارق روحُ الإصلاح والإيمان بالحرية الديمقراطيات، فساعتها قد يولَد تقارب قادر على أن يوفر القاعدة السياسية الغائبة اليوم في الإدارة الجماعية للمخاطر المنهجية التي شهدها القرن العشرون.
*مؤرخ واقتصادي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: La lutte des classes moyennes

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق