ساركوزي وإسرائيل: متلازمة متران

تم نشره في السبت 14 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً
  • الرئيس الفرنسي ساركوزي في مؤتمر صحفي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس - (أرشيفية)

مارك هيكر* - (لوموند) 2012/1/10

ترجمة: مدني قصري

خلال الانتخابات الرئاسية العام 1981، حقق الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا متران فوزا ساحقا لدى الفرنسيين المقيمين في إسرائيل، بحصوله على 83,38 % من الأصوات في هذه الانتخابات. ولا بد هنا من القول إن خصمه الرئيس "المغادر" فاليري جيسكار ديستان، كان قد خلف وراءه ذكرى ضئيلة لدى المدافعين عن إسرائيل. فخلال مدة حكمه حدث أول لقاء بين وزير فرنسي للخارجية –وهو السيد جون سوفانيارج– وبين ياسر عرفات. وبعد مرور بعض الوقت فُتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس. وفي العام 1976 صوتت فرنسا لصالح قرار لمجلس الأمن يطالب بإنشاء دولة فلسطينية. وفي العام 1980، وبإيعاز من فرنسا تم في المجلس الأوروبي في البندقية اعتماد الإعلان المشترك الذي اعترف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير. وكانت شعبية فاليري جيسكار ديستان لدى المدافعين عن إسرائيل ضعيفة إلى الحد الذي جعل حركة "التجديد اليهودي" التي يرأسها هنري هايدنبرغ تطالب بالتصويت ضد الرئيس ديستان.
وإذا كان المؤيدون لإسرائيل قد سعوا للتصويت لصالح فرنسوا متران في العام 1981، فإن ذلك لم يكن فقط بدافع رفضهم لخصمه الرئيسي آنذاك. فقد أثار المرشح الاشتراكي الأمل لدى المعسكر المؤيد لإسرائيل لسببين: فمن ناحية، كان ينتمي لأسرة سياسية أقامت في عهد الجمهورية الرابعة علاقات قوية مع الدولة العبرية، حيث ذهبت العلاقات ما بين فرنسا وإسرائيل إلى حد القيام بشن حرب مشتركة ضد مصر في العام 1956. ومن ناحية أخرى، يبدو أن الرئيس متران كان وبشكل شخصي قريبا من إسرائيل، وقد قام بزيارات عديدة لهذا البلد، وفيه صرح في العام 1972 قائلا: "إذا كنا نأتي لزيارة الحكومة، فعليكم أن تتأكدوا من أننا سوف نكون أصدقاء أوفياء لإسرائيل". وبعد مرور عشرة أعوام كان متران أول رئيس فرنسي يقوم بزيارة رسمية إلى إسرائيل، وقد ألقى فيها خطابا مُهما أمام الكنيست. لكن مناصري الدولة العبرية بدأوا يفقدون الأمل فيه منذ العام 1983 عندما سمحت فرنسا لمحاربين تابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذين كانت تحاصرهم القوات الإسرائيلية في بيروت، بالخروج من ذلك المأزق. وإذا كان فرنسوا متران قد استمر في الإعلان بصوت عال وقوي عن حق إسرائيل في الوجود، فقد عمل بموازاة ذلك من أجل الاعتراف بالواقع الوطني الفلسطيني. وفي العام 1989، ارتقى مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في باريس إلى مستوى "البعثة الفلسطينية العامة". وفي العام نفسه استقبل متران رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات لأول مرة في قصر الإليزيه (القصر الجمهوري). وقد تظاهر آلاف الناشطين المؤيدين لإسرائيل في تلك المناسبة أمام كنيس شارع كوبرنيك، متهمين الرئيس متران بـ "الخيانة". 
وعلى غرار فرنسوا متران في العام 1981 حقق نيكولا ساركوزي نتيجة غير مسبوقة في إسرائيل في العام 2007 : ففي المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية، صوت
84,5 % من الناخبين في هذا البلد لصالح مرشح "القطيعة". وكان مرشح اليمين يرغب بالفعل في تحقيق القطيعة مع سياسية الرئيس المنتهية عهدته، بما في ذلك ما يتعلق بالملف المرتبط بالشرق الوسط. وعندئذ أصبح يُنظر إلى جاك شيراك بأنه "الشخص المؤيد لليهود والمتعاطف مع العرب" كما وصفه دبلوماسي إسرائيلي سابق في فرنسا. أما صور المشاحنات بينه وبين قوات الأمن الإسرائيلية أثناء زيارته إلى القدس في العام 1996 فستظل ماثلة في الأذهان، مثلما ستظل عالقة بالأذهان إدانات فرنسا للعمليات العسكرية الإسرائيلية، سواء أثناء الانتفاضة الثانية أو خلال الحرب على لبنان في صيف العام 2006. ثم لا أحد سينسى التحية الموجهة إلى عرفات بعد وفاته في فرنسا في العام 2004. وعلى عكس العام 1981، ما من جمعية إسرائيلية واحدة نادت بالتصويت ضد الرئيس في العام 2007.  
لكن، وفي المقابل، أظهر بعض قادة الجمعيات بوضوح ميولهم لنيكولاس ساركوزي، حيث ذهب رئيس اتحاد أرباب العمل والمهنيين اليهود في فرنسا، مثلا، إلى حد توزيع شريط فيديو على الانترنت يوضح فيه أسباب تأييده لمرشح حزب "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية". وبعد مرور خمس سنوات على انتخاب نيكولا ساركوزي، يستخلص المدافعون عن إسرائيل محصلة ضعيفة عن عهدة رئيس الجمهورية. وهم يأخذون عليه أشياء كثيرة، من بينها استقباله للرئيس معمر القذافي في قصر الإليزيه في شهور كانون الأول (ديسمبر) 2007، ثم استقباله للرئيس السوري بشار الأسد في تموز (يوليو) 2008 بمناسبة اجتماع إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط. وفضلا عن ذلك، لم يؤيد هؤلاء المدافعون عن إسرائيل الانتقادات التي وجهها رئيس الجمهورية في شأن بعض عمليات الجيش الإسرائيلي والمستوطنات. وفي شهر حزيران (يونيو) 2008 كان قد طالب بتجميد حركة بناء المستوطنات اليهودية في القدس الشرقية. أما برنار كوشنر، وزير الخارجية من أيار (مايو) 2007 إلى تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 فلم يتردد في التصريح، بعد مرور أيام قليلة على مؤتمر أنابوليس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 بأن "الاستيطان ليس مرفوضا قانونا وحسب، بل هو على الصعيد السياسي أهم عائق على طريق عملية السلام".
وفي خريف العام 2011، صوتت فرنسا لصالح انضمام فلسطين إلى اليونسكو، وهو التصويت الذي لم يرق للمجلس التأسيسي للمؤسسات اليهودية في فرنسا. وهناك بالتأكيد فترات في رئاسة نيكولاس ساركوزي كانت أكثر إيجابية في نظر المدافعين عن إسرائيل، ولا سيما الزيارة الرسمية التي قام بها في شهر حزيران (يونيو) 2008 إلى إسرائيل والتي أكد فيها رئيس الدولة الفرنسي "الصداقة" التي تربط فرنسا بإسرائيل، والتي ندد فيها بالسياسة النووية الإيرانية في خطاب ألقاه في الكنيست الإسرائيلي. لكن شعبية نيكولاس ساركوزي، في قلب الحركة المؤيدة لإسرائيل ما لبثت أن تراجعت بشكل ملحوظ. وقد وجه جيل طيب، رئيس الجمعية من أجل رفاهية الجندي الإسرائيلي (أبسي)، وهو المرشح المستقل للانتخابات التشريعية المقررة للعام 2012، نقدا صريحاً لعمل رئيس الدولة، مطالبا المجلس التأسيسي للمؤسسات اليهودية في فرنسا بأن لا تستضيفه مستقبلا على طاوله العشاء السنوي.
لقد رحب المدافعون عن إسرائيل، مثلما فعلوا مع فرنسوا متران في وقته، بالسيد نيكولاس ساركوزي، حتى قبل وصوله إلى الحكم، لكن هالة ساركوزي ما لبثت أن أصبحت باهتة في الأوساط المؤيدة لإسرائيل. وإذا كنا نجد من بين الذين خيّبت السياسة الساركوزية آمالهم عددا من مؤيدي إسرائيل، فإن هذا لا يعني أن هؤلاء لن يصوّتوا من جديد للرئيس الحالي. وفي حال عقد دورة انتخابات ثانية ما بين المتنافسين هولاند وساركوزي، فإن خيار المدافعين عن إسرائيل ليس معروفا مسبقا، وهو مرهون، بطبيعة الحال، بالموقف الذي سيتخذه الحزب الاشتراكي من قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ويؤكد المشروع الاشتراكي للعام 2012 أنه "فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فسيكون موقف اليسار الفرنسي واضحا". ومع ذلك، فإن هذا المشروع لا يتضمن سوى فقرة حول هذا الموضوع، بينما بقيت المسائل المهمة التي تتعلق بوضع القدس، وبعودة اللاجئين الفلسطينيين، غير واردة في نص المشروع. أما القول بأننا مع السلام، كما فعل فرنسوا هولاند خلال اللقاء الذي جمعه مؤخرا بالسيد محمود عباس، فلا يشكل مشروعا سياسيا حقيقيا، بل مجرد تصريح عن نوايا حسنة، أو ربما حتى عن أمل ورع ليس إلا. وثمة الآن بضعة شهور فقط تفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية، ألم يحن الوقت لكي يوضح المرشحون مواقفهم حقا من هذه القضايا؟


*باحث بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Sarkozy et Israël: le syndrome Mitterrand

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق