الخطاب الإسلامي والحقوق والواجبات

تم نشره في الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

محمود أبو فروة الرجبي*

علينا الاعتراف أن هناك مشكلة فيما يعرف (بالحقوق والواجبات) لدى كثير من المسلمين، أو مواطني الدول العربية والإسلامية بمختلف فئاتهم، إذ ان الناس ما يزالون يعيشون في عقلية التعامل مع الدولة وفق مبدأ (الأبوية)، أي ان تعطيهم الدولة كل ما يحتاجون إليه، دون أي واجبات عليهم، وهذا لا يمكن ان يحصل حتى في أكثر الدول ثراء.   معظم الدول العربية، والإسلامية حتى النفطية لا يمكن ان تكون دول رفاه إذ إن هذه الموارد غير متجددة، وفي المقابل لم يتم إحداث تنمية إنتاجية حقيقية تتناسب عكسيا مع تناقص الموارد، وهذا يعني انه حينما نصل إلى نضوب هذه الموارد فإن الأمر سيعني شيئاً واحدا: هو انهيار في الخدمات.  أما الدول العربية والإسلامية غير النفطية فهي تعاني من مشكلات لا حصر لها؛ نمو سكاني غير مسيطر عليه، تراجع دائم في مستويات المعيشة والقدرة الشرائية عند المواطنين، وفوق ذلك فساد يضرب جذوره في الأرض، ويصبح أقوى من الدول نفسها، ويؤدي إلى تجفيف أي منابع للتطور والتقدم.  ما يهمنا هنا هو: كيف يمكن ان نعيد برمجة العقل الفردي، والجماعي لدى مواطنينا لتصحيح المعادلة في التعامل مع الدولة: أي يصبح المواطن قادراً على التعامل بعقلية (الحقوق والواجبات)، (الأخذ، والعطاء)، وليس مجرد الحقوق، والأخذ، والباقي على الدولة.
قبل الخوض في الموضوع لا بد من الإشارة إلى ان على الدولة توفير بيئة خصبة للتطور، والتقدم، مع إيجاد مشاريع تساعد على تحريك البلاد، مع إعطاء حد أدنى من سبل الرعاية الاجتماعية خاصة في مجالي الصحة والتعليم، فهما جزء من ركائز التطور لأي مجتمع، وفوق ذلك ان يأخذ المواطن حقه في المشاركة في الحكم، واتخاذ القرار ضمن الوسائل المعروفة، وان يكون هذا الأمر حقيقياً وليس ديكوريا. 
الخطاب الإسلامي أثبت في غالبية الأحوال انه قادر على التأثير على الناس، ومن ثم إحداث التغيير، لذلك فعليه العبء الأكبر في محاولة تغيير تفكير المجتمع، حتى نضع قطارنا على سكته الحقيقية. 
في الأردن هناك تمايز كبير بين بعض فئات المجتمع، فهناك من لا يعتمد على الدولة الا في الحدود الدنيا، وآخرون يعتمدون بشكل شبه كامل عليها، بطريقة قد لا يكون لها شبيه حتى في الدول الاشتراكية، وهذا كله يحتاج إلى تغيير حتى نتمكن من التطور بشكل صحيح، ومن الملاحظ أن الخطاب الإسلامي يتعامل مع هذا الموضوع وفقاً لما يأتي:
أولاً: الدولة في الإسلام مسؤولة عن كل ما يخص الفرد فيها، ابتداء بتوفير التعليم، وانتهاء بالصحة وكل شيء، وللدلالة على ذلك يتم تكرار بعض القصص من التاريخ الإسلامي التي تدل على ذلك مثل قول الخليفة الفاروق – رضي الله عنه- حول أنه لو عثرت ناقة في العراق فإنه يكون مسؤولاً عنها، إضافة إلى ما ورد في كتب التاريخ من ان المال فاض في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز – رحمه الله-، وكل ذلك صحيح، ولكنه استعمل في الفكر الإسلامي كمقدمات لنتائج خاطئة في بعض الأحيان.
ثانياً: مفهوم الدولة الإسلامية في أذهان الناس أنها تقدم كل شيء لهم، وهي دولة رعاية من الدرجة الأولى، وهذا ما يأمله الناس، وجزء كبير من هذه الصورة مبني على قصص تاريخية مجتزأة حول ما قدمته الدولة الإسلامية لرعيتها في السابق.  والحقيقة ان هناك تناقضا في تناول موضوع الدولة الإسلامية من قبل العلماء والدارسين، فهم مرة يريدونها مثل الدول الاشتراكية التي تقدم كل شيء لرعاياها، مقابل السيطرة على موارد الدولة كلها، ومرة دولة رأسمالية بكل ما تعني الكلمة من حرية اقتصادية، وهذه كلها آمال مشروعة، لكن يجب التأكيد ان مبادئ الإسلام العامة تراوح بين الأمرين، والأهم من ذلك ان دولة الرفاه لا تأتي فجأة، وهي ليست مقدمة، بل نتيجة لجهد، وإنتاج، ونشاط، وتطور الأمة كلها، وهذا ما حصل في دول أوروبا، وأميركا التي تقدم الكثير لشعوبها.  وعليه فإن المؤمل ان يتعامل الخطاب الإسلامي مع هذه المسألة وفق الاقتراحات الآتية:
أولاً: لا يمكن إعطاء مواطن حقاً، دون ان تكون عليه واجبات، والدولة حتى تعطيك لا بد ان تعمل أنت، وتكون مجتهداً، ولا يمكن لك ان تطالب بحقوقك، دون ان تسأل نفسك ماذا قدمت أنا لبلدي، والعملية تفاعلية، فيها أخذ وعطاء، وليست عطاء من طرف واحد.
ثانياً: استطاعت الدولة الإسلامية تقديم الكثير من الرفاه لأن فتح البلدان وفر للحكومة المركزية أموالاً، وموارد هائلة، منها جزء كان يذهب إلى مكة والمدينة، لذلك حصل رخاء كبير فيهما أو في عواصم الدولة لاحقاً، لكن الأمر اختلف الآن، والدنيا تغيرت، وهذا الأمر لا يقف في وجهه الإسلام، فهو يتعامل مع التغيرات بإيجابية، والمعركة في الوقت الحالي هي معركة بناء، وإنتاج، وتطور علمي، وتقني، وتنمية مستدامة أولاً، تؤدي بالنتيجة إلى تحسن الظروف المعيشية للمواطنين، وهذا يعني انه لا بد من زرع هاجس الإنتاج في عقول الناس.
ثالثاً: حرمة أموال الدولة، أكثر حرمة من الأموال الخاصة، لذلك على الجميع حراستها، ومحاربة كل أشكال الفساد، حتى لو جاء من ذوي القربى، ولا يمكن بحال من الأحوال ان أكون مواطنا صالحاً، وفي الوقت نفسه أدافع عن ابن عمي الفاسد، بل وأشارك في مسيرات لحمايته، فهذا الأمر مرده القضاء، وهو الوحيد القادر على إعطاء رأيه في الأحكام بعيداً عن الضغوط السياسية، أو ضغوط الشارع.
رابعاً: نجاح أي دولة في العالم هو حاصل نجاح أفرادها، فالدولة مطلوب منها ان توفر البيئة الجيدة للنمو والتطور، في إطار من العدل، والمساواة بين الجميع، وعلى الأفراد ان يخططوا لحياتهم وفقاً للمعطيات، والسنن الكونية، وهذا لا يتعارض أبداً مع مفهوم التوكل على الله، فالخالق -سبحانه وتعالى- خلق الدنيا، ووضع فيها قوانين ونواميس ليتعامل معها الإنسان، لا ان يهملها.  وكذلك على الأفراد تحمل مسؤوليات قراراتهم، فإذا أردت ان أنجب عشرة أطفال، فيجب ان اعمل لكفايتهم، وفي حالة قصرت الدولة فلا يكون العبء عليها وحدها، فأنا أيضاً مسؤول عن ذلك.
خامساً: ترسيخ مفهوم ان الفساد لا يخص الحكومات فقط، بل فهناك فساد خطير على مستوى الأفراد ابتداء من هدر الموارد العامة، واستعمال الطريق بشكل خاطئ، أو التهرب الضريبي، أو عدم دفع ما علي من التزامات، ومروراً باستعمال بطاقات التأمين الصحي بطريقة خاطئة مثلاً، وانتهاء بكل أشكال التهرب من الواجبات، وهذا يؤدي بالفرد ان يبدأ بتطهير نفسه من الفساد، ليطالب بقوة بمحاربة فساد المؤسسات، والحكومات. هذه بعض الأفكار التي لها علاقة بتغيير تفكير الناس نحو الدولة، وقد أثبتت التجارب المختلفة ان الاعتماد الكامل على الدولة يؤدي إلى التخلف، وعدم التطور، وان الأفراد الذين يدخلون في تحديات كبيرة، ويعتمدون على أنفسهم يتمكنون في النهاية من تحقيق ذواتهم، وهذا لا يعني انسحاب الدولة من الرعاية كاملة، بل ان توجهها بالحد الأدنى، وضمن معايير واضحة، ونزيهة، بعيداً عن حسابات شراء الولاءات.
* كاتب أردني

التعليق