السلفية في مصر (3)

تم نشره في الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً

أسامة شحادة*

حديثنا اليوم هو عن الدعوة السلفية في الإسكندرية، التي تعد مرجعية وحاضنة حزب النور السلفي، والذي حصل على ما يقارب من 25 % من مقاعد البرلمان المصري مؤخراً (بالتحالف مع حزب الأصالة وحزب البناء والتنمية، لكن غالب المقاعد لحزب النور).
وهنا يجب أن نفرق بين الدعوة السلفية في مصر والتي تضم التوجهات السلفية كافة التي تلتقي على الأسس السلفية، وهي التوحيد والاتباع وبين الدعوة السلفية بالاسكندرية، والتي هي جماعة مخصوصة ولها كيانها التنظيمي الخاص بها ولها آراء خاصة بها في بعض القضايا دون بقية المكونات السلفية في مصر.
تكونت الدعوة السلفية بالإسكندرية من مجموعة من الطلاب الجامعيين (بين عامي 1972 - 1977) الذين تأثروا بجهود جماعة أنصار السنة المحمدية بالإسكندرية، وحين دخلوا إلى الجامعات في زمن السادات الذي سمح بالعمل الإسلامي كانوا في طليعة ما عرف بـ "الجماعة الإسلامية" في الجامعات التي كانت تعج بالنشاط الطلابي اليساري. وهم يعتبرون أنفسهم امتداداً لجهود مؤسسي جماعة أنصار السنة المحمدية كالشيخ حامد الفقي، والعلامة أحمد شاكر، والشيخ عبدالعزيز النجدي أحد العلماء السلفيين الذين سكنوا الإسكندرية. وحين خرج الإخوان من السجون في السبعينيات من القرن الماضي انقسمت الجماعة الإسلامية في الجامعات المصرية، والتي كانت توجهاتها سلفية إلى ثلاثة تيارات: فبعضهم انضم إلى جماعة الإخوان مثل عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح وإبراهيم زعفراني ومحمد حبيب، وقسم ثانٍ تبنى خيار العنف واحتفظ بالاسم "الجماعة الإسلامية" مثل كرم زهدي وناجح إبراهيم وعصام عبد الماجد، في حين استمر البعض على الخط السلفي مثل: محمد إسماعيل المقدم، وأحمد فريد، وسعيد عبد العظيم، ومحمد عبد الفتاح، وياسر برهامي وأحمد حطيبة، وأسسوا ما عرف بالمدرسة السلفية العام 1977م والتي تحولت لاسم الدعوة السلفية العام 1984م.  وأسست الدعوة السلفية في العام 1986 "معهد الفرقان لإعداد الدعاة" لتكوين الشباب وتربيتهم التربية السلفية وقد كان منهج المعهد أقوى من مناهج الأزهر وقد سُلم للأوقاف سنة 1994 لكنه أغلق لعجز الأوقاف عن إدارته، وقد تخرج من المعهد الكثير من الدعاة الذين انتشروا في عدد من المحافظات ونشروا الدعوة السلفية في مصر، وهو ما ظهرت نتائجه في القدرة على سرعة تكوين حزب النور وتجميع الطاقات والكفاءات وتقديم مرشحين في غالب الدوائر الانتخابية، والحصول على نسبة مذهلة والفوز في وقت قصير جداً كانت أبرز نتائج الانتخابات المصرية الأخيرة.
وكان للدعوة السلفية بالإسكندرية مجلة شهرية تنطق باسمها تسمى "صوت الدعوة" أوقفتها السلطات نهائيا سنة 1994م، بعد أن تعرضت لضغوطات كثيرة أثرت على انتظام صدورها. ولم يقتصر نشاط الدعوة على العمل العلمي الشرعي بل كان لها نشاط اجتماعي من خلال لجنة الزكاة التي كانت ترعى الفقراء والأيتام في مناطق الإسكندرية المختلفة.
ولإدارة هذا العمل الكبير تم إنشاء هيئة عامة سنة 1984م تتكون من الدعاة البارزين الذين تم انتخابهم من قبل أفراد الدعوة السلفية، والتي بدورها - وعبر الاقتراع السري المباشر - اختارت مجلس إدارة ورئيساً لقب بـ "القيم"، وضم المجلس الشيخ "محمد عبد الفتاح أبو إدريس"، والشيخ "ياسر برهامي" نائبًا، وعضوية كل من: الشيخ محمد إسماعيل، والشيخ أحمد فريد، والشيخ أحمد حطيبة، والشيخ سعيد عبد العظيم، والشيخ علي حاتم. وقد اعتمدت الأغلبية في اتخاذ القرارات وعند التساوي يرجح الطرف الذي فيه "القيِّم". وقد أجبرت السلطات الأمنية الدعوة على حل هذه الهيئة العام 1994 بعد حملة اعتقالات واسعة لرموزها وكوادرها، وهذا التضييق على الجماعة مع عدم جدوى العمل السياسي العام في حقبة مبارك هو سبب عزوف الجماعة عن المشاركة في اللعبة السياسية البرلمانية آنذاك.
وبعد ثورة 25 يناير 2011، قامت "الدعوة السلفية" بالإسكندرية بتأسيس جمعية "الدعاة" (رفضت وزارة التضامن الاجتماعي قبول اسم جمعية الدعوة السلفية) لتنظيم هيكل الدعوة الإداري والذي أصبح يتكون من: مجلس أمناء يضم الشيوخ المؤسسين للجماعة، وهم: الشيخ محمد إسماعيل المقدم، الشيخ محمد عبد الفتاح (أبو إدريس)، الشيخ أحمد فريد، الشيخ سعيد عبد العظيم، الشيخ ياسر برهامي، الشيخ أحمد حطيبة، مهمته تقويم العمل من الناحية الفكرية.
وكذلك مجلس شورى مكون من 203 أعضاء روعي في تشكيله التوزيع الجغرافي للمناطق التي للدعوة وجود فيها، وتمثيل الأنشطة النوعية، والشرائح العمرية، والشرائح الفنية. واختير الدكتور محمد يسري إبراهيم رئيسا له.
وانتخب مجلس الشورى، مجلس إدارة جديداً للجمعية يتكون من: الرئيس العام وهو الشيخ أبو إدريس، والشيخ ياسر برهامي نائبًا أولا، والشيخ سعيد عبد العظيم نائبًا ثانيًا، إضافة إلى 12 عضوا آخرين.   من هذا الاستعراض التاريخي السريع ندرك سبب انفصال هؤلاء الدعاة عن العمل من داخل جماعة أنصار السنة المحمدية، فهؤلاء الدعاة كانوا شبابا ذوي طاقة وحيوية في الوقت الذي كانت "أنصار السنة" قد سمح لها بالعودة سنة 1971م – بعد ضمهم للجمعية الشرعية- كما أن القائمين على أنصار السنة بالإسكندرية كانوا غير قادرين على مجاراة شباب متحمس ومن خلفية أكاديمية، إلا أن بعض شيوخ أنصار السنة مثل الشيخ محمد صفوت نور الدين – والذي أصبح رئيس الجماعة لاحقاً – كان على علاقة طيبة بهم لما كان يتمتع به من سعة أفق وقدرة على تفهم وجهة نظرهم، كما أن التباين في بعض وجهات النظر ساهم في تمايز الجماعتين.  وتتميز الدعوة السلفية بالإسكندرية بعدة ميزات وهو ما ينطبق على حزب النور الذي انبثق من قاعدتها الشعبية، منها:
1 - غلبة الروح الشبابية على الدعوة قيادة وأفراداً، فأكبر شيوخها يبلغ عمره 60 سنة وهو الشيخ محمد إسماعيل المقدم، ورئيس حزب النور عماد عبد الغفور في منتصف الخمسينيات، وكذلك سائر شيوخ الدعوة السلفية ورموزها وأيضاً  فإن كثيرا من قادة ومرشحي حزب النور من الشباب، بل أصغر مرشح للانتخابات كان أحد مرشحي حزب النور، وهو ما يشرح قدرة الدعوة والحزب على تحقيق هذا الحضور الواسع والفوز السريع الذي يحتاج جهداً وطاقة كبيرة. 
2 - التأهيل العلمي الأكاديمي في مختلف التخصصات، فقيّم الدعوة أبو إدريس مهندس، والشيخ محمد المقدم طبيب نفسي، وياسر برهامي جراح أطفال لكنهم درسوا العلوم الشرعية في الأزهر تالياً، والشيخ سعيد عبد العظيم وأحمد فريد طبيبان، وعبد المنعم الشحات مهندس، ومحمد يسري رئيس مجلس الشورى يحمل شهادتي دكتوراه في الشريعة والهندسة، وغالب مرشحي حزب النور هم من أساتذة الجامعات وحملة الشهادات العلمية المختلفة، ويستوي في ذلك الرجال والنساء فمثلا إحدى مرشحات حزب النور تحمل درجة الدكتوراه وتعمل بهيئة الطاقة النووية، علماً بأن حزب النور قدم 60 مرشحة وهو أكبر عدد من المرشحات على مستوى الأحزاب. وبالتأكيد ستساعد هذه الخلفية الشرعية والعلمية في الاستجابة الواعية والحكيمة للتحديات العصرية بوعي وأصالة، وستكشف الأيام عن قدرة هذا التيار على تقديم اجتهاد إسلامي عصري منضبط شرعياً. 
3 - تاريخ من العمل والجهد التراكمي يصل لـ 40 سنة في في قطاع الدعوة والعمل الإجتماعي والعمل الوظيفي، فيه الكثير من الخبرات والتجارب والعلاقات، مكنت الدعوة وحزب النور من تكوين حزب ووضع هيكله الإداري وبرنامجه وتنظيم حملة انتخابية ضخمة بميزانية متواضعة، كما أن هذا التاريخ الطويل للدعوة هو ما مكنها من تقديم الكثير من الكفاءات والطاقات لحمل فكرها ومنهجها والانتشار الواسع لوجودها الذي يغطي مصر كلها حتى المحافظات البدوية، ما يشكل حاضنة شعبية للمشروع من جهة ووعياً تاماً بنبض الشارع عبر تواصل طويل مع احتياجات الشارع وطموحاته.

  
* كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اتفق معك (توفيق مصيري)

    الجمعة 13 كانون الثاني / يناير 2012.
    تصور منطقي وتحليل جيد وفقك المولى لرضوانه ووفق إخواننا في مصر لما فيه صلاح الدين والدنيا