إرث بريطانيا الإمبريالي قادها إلى عقد مدمر من الحروب

تم نشره في الثلاثاء 3 كانون الثاني / يناير 2012. 02:00 صباحاً
  • جنود بريطانيون وأفغان في مقاطعة هلمند الأفغانية - (أرشيفية)

سايمون جنكينز -(الغارديان)2011/12/27
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ما الذي "يريده" البريطانيون في العام المقبل؟ سؤال وجه ذات يوم إلى سفير لدى واشنطن على الراديو فأجاب: "ذلك أمر لطيف منك. صندوق فواكه محلاة يفي بالغرض". وتعد مثل هذه الردود المتواضعة راهناً من خارج السياق العام. وبينما ينزلق موسم الأمنيات الطيبة إلى موسم القرار في العام الجديد، فإن الدافع وراء إرشاد العالم حول كيفية التصرف يبدو غير قابل للتحكم به.
نستطيع أن نكبت الرغبة في التثاؤب خلال عظة ديفيد كاميرون عن القيم المسيحية، وادعاء إد ميليباند بأن الجيش في هيلمند يجعل بريطانيا "أمينة وسلمية وسعيدة". والأكثر إثارة للقلق هو إعلان وليام هيغ على الفيسبوك عن طموح عيد الميلاد بزيادة "الضغط الدولي على سورية، ودفع بورما في الاتجاه الصحيح، وتحسين الأوضاع في الصومال، وحماية حقوق النساء في الشرق الأوسط،" من بين أهداف أخرى رافعة للمعنويات.
قد تبدو الصيغ في مكانها أسفل رسوم بيت وبالميرستون، ولكن كيف يجب أن يكون صداها عند متلقيها المقصودين؟ ولك أن تتخيل وزير الخارجية الهندي يبعث للبريطانيين برسالة عيد الميلاد، والتي يدين فيها إدمانهم على ارتكاب الجرائم بالسكاكين، أو وزير خارجية اليابان وهو يعرب عن حزنه على البيوت البريطانية المحطمة، أو وزير الخارجية الباكستاني وهو يستنكر النزعة الطائفية في "ألستر،" واصفاً إياها بأنها "غير مقبولة". لكنني متأكد من أن هيغ سيرد عليهم بالقول: عليكم أن تهتموا بأموركم الخاصة.
في الأثناء، يبدو افتراض بريطانيا بدور الأسلاف في تمرير حكم على ما قاله كيبلينغ "قبائل أقل من دون القانون" قد أدمجت وراثياً. وقد يكون هيغ قد اقتبس أيضاً من "عبء الرجل الأبيض" كيف أن عليه "أن يملأ تماماً فم الجوعى/ وأن يقول للمرض وداعاً". حتى لو عنى ذلك مراقبة "فولي الكسول والوثني/ اجلب كل آمالك إلى لا شيء". وتضمنت جولته في الأفق التباهي "بإنقاذ الأرواح" في ليبيا، لكنه كان منفصلاً عن سورية. وانزلق وراء العراق وإيران وأفغانستان، مفضلاً المياه الوصفية الأنقى في السودان والصومال وبورما وحقوق النساء المسلمات.
 ولم يكن لأي من مناطق اهتمام هيغ شأن ذو صلة مع بريطانيا، ناهيك عن أن تكون من ضمن ملكوت السيادة في بريطانيا، كما أنها لم يسبق لها أن كانت لأكثر من نصف قرن. لقد ذهبت السلطة وغادرت الشرعية، ولغة الأمر الضمني فقط هي التي تتردد أصداؤها من خلال غروب ما بعد الامبريالية لوزارة الخارجية.
ذلك الصدى بعيد عن أن يكون غير ذي صلة. فقد وضع بالتأكيد شروط أكثر العقود كارثية في السياسة الخارجية البريطانية منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وقد مات جندي آخر في هيلمند في عطلة عيد الميلاد، حيث يستمر موت الجنود بلا هدف واضح حتى العام 2014. كما مات 100 عراقي آخر في تفجيرات بغداد نتيجة لعدم الكفاءة المقتسمة لبريطانيا في إعادة هيكلة العراق. وفي الأثناء، مات حوالي 5000 شخص في سورية وهم يصرخون في وجه المعايير المزدوجة التي أطاحت بالنظامين في العراق وليبيا الغنيين بالنفط، لكنها تترك سورية تواجه عقوبات فارغة المحتوى، وتعرض خطاباً سياسياً فارغاً على نحو أكبر.
طيلة هذا العقد الأخير، لم تهدد السيادة القومية البريطانية عن بعد من جانب أي دولة أخرى. لكن حكومتها تبنت موقفاً متغطرساً وغالباً قتالياً حيال الكثير من أجزاء العالم الإسلامي. وقد أرسلت قوات بريطانية إلى حروب تم خوضها نتيجة سوء حكم وبغير جدارة، ما ترك المدن البريطانية في حالة إنذار سرمدي خوفاً من الإرهاب. ومن الصعب التفكير في أي مكسب لمصالح بريطانيا الخارجية جاءت من هذه الحروب، باستثناء صفقة نفط متوقعة في ليبيا.
 ويعود السبب، في جزء منه، إلى التزام السيدة ثاتشر بفكرة "العناق الوثيق" مع واشنطن في السنوات الأخيرة من الحرب الباردة. وقد انتقل العناق وتحول إلى احتضان انتحاري، نظراً لأن معظم الأخطاء اللاحقة قد تفرعت عن المبالغة في رد الفعل الأميركي على هجمات 11/9، ما أفضى إلى اختلاق ذرائع كاذبة وحروب لتغيير الأنظمة وزعزعة الاستقرار. ومهما كانت شرور النظامين البعثي والطالباني، فإنها لا تستطيع تسويغ هذا الفقدان الضخم للأرواح والتشتيت والتدمير. واليوم، ترانا نسمع نفس اللغة الحربية تجاه إيران. فهل نعتقد فعلاً بأن أمن المنطقة أو قدر الشعب الإيراني يمكن أن يتحسنا عبر عمل عسكري بريطاني أو أميركي؟ لقد أزاح التدخل في ليبيا دكتاتوراً بكلفة صغيرة نسبياً. ولكن، كيف يكون عمل الناتو التخلص من الدكتاتوريين في إفريقيا وآسيا؟
مع انتهاء التهديد النووي، فإن اللجوء المنبعث مجدداً للحرب كرد في السياسة الخارجية يبدو وأنه يغوص عميقاً في النفسيتين البريطانية والأميركية. وقد ثبتت البرامج التلفزيونية كأنها القوائم الأفضل بيعاً على الحربين العالميتين. ويستهلك البريطانيون قصص الرعب والوحشية الماضيين. ونحن نجد العذر في العزف على وتر الخنادق وهتلر ويوم القيامة والهجوم المباغت، كتحذير لكل جيل بأن هذه هي "الحروب التي خيضت لوضع حد لكل الحروب". ومثل قصف هيروشيما وناغازاكي، فهما تصوران على أنهما مثالان رادعان ضد استخدام هذه الأسلحة المرعبة مرة أخرى.
وأبدأ بالاستغراب؛ إذ يشير استعداد الغرب للجوء إلى العنف في أعقاب الحرب الباردة إلى شيء أكثر خطورة. فالدعاية المترافقة راهناً مع القمع السياسي في أي مكان في العالم هي بمثابة ذريعة قائمة لحرب النخب العسكرية في الناتو والأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا. ولا يكاد يمر يوم بدون أن يصور عمل كوني مرعب لأعين المتدخلين في الغرب على أنه ينطوي على مطلب "بعمل شيء ما حياله".
إن الشفقة هي رسالة نبيلة. لكن أثرها لا ينم عن حكمة دائماً. وبينما تتأمل نتيجة الحرب العالمية الثانية، حذرت حنا آريندت من أن الشفقة يمكن أن "تمتلك قدرة أكبر على الوحشية من الوحشية نفسها". وهي تصبح الذريعة والمسوغ الحاضر في كل مكان. وكم هي المرات التي استخدمت فيها وحشية صدام أو طالبان كمسوغ لتبرير الأعمال العدائية الغربية في العراق وفي أفغانستان؟ ويتساءل مراسل لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): كم من السوريين يجب أن يقتلوا "قبل أن نفعل شيئاً؟" والشيء هو، بطبيعة الحال، الرد بالحرب المرغوبة دائماً.
 ينظر معظم المواطنين إلى الحرب وكأنها اصطدام سيارة وحدث عشوائي غير عقلاني يقع وحسب. وهم لا ينظرون إليها كنتيجة لعملية سياسية يكونون هم، باعتبارهم ديمقراطيين، طرفاً فيها. وقد تعزى الحرب مع ذلك إلى الشفقة مغلفة بلغة النزعة الإنسانية، لكنها أصبحت شفقة طارئة موجهة إعلامياً ومستغلة. وثمة الكثير من الناس الذين لديهم مال تحت الخطر، لكنه يذهب وراء صندوق الإغاثة الطارئة للأمم المتحدة.
من هنا ، فإن الشك في أن الهاجس الذي يوجد لدى العديد من البريطانيين من الذين يتوافرون على ماضٍ عنيف أو وحشية حالية، لا يردعهم عن المخاطرة في تكراره، وإنما يفعل العكس من ذلك. إنه يجعلهم مستعدين، وغالباً متلهفين، للمزيد. ولا يبدو المسار من النزعة التدخلية الحميمية من موسم الميلاد (من عشية عيد الميلاد إلى ما بعد عيد رأس السنة) لوزير الخارجية إلى الدشم وقتل الطائرات من دون طيار والتفجيرات الانتحارية وتدمير العقد الأخير، على أنه في الاتساع الذي قد يتراءى لنا فيه. إن هذا التدخل ليس قائماً على "عبء الرجل الأبيض" بنفس القدر الذي يعتبر فيه منبع إثارته المريضة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:Britain's imperial echoes have led it to a ruinous decade of wars

التعليق