العام الماضي والعام التالي في الشرق الأوسط الكبير

تم نشره في الاثنين 2 كانون الثاني / يناير 2012. 03:00 صباحاً

باتريك سيل - (ميدل إيست أونلاين) 27/12/2011
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
سوف يذكر المؤرخون أن العام 2011 هو العام الذي انتفض فيه العرب ضد دكتاتورييهم. وقد ظلت أطروحة "قوة الشعب" تعبر عن الغضب ونفاد الصبر والجسارة على نحو يبعث على المفاجأة -وفوق كل ذلك، نبض الشباب، حيث شكلت الانفجارات الديمغرافية المحرك للربيع العربي.
وتحكي الأرقام القصة. فقد أفضت معدلات الخصوبة العالية في عموم العالم العربي إلى تضاعف عدد السكان في فترة حياة المرء، لا بل ليصبح ثلاثة أضعاف وحتى أربعة، وهو ما أفضى بالتالي إلى أجهزة خدمية حكومية منتفخة على نحو مفرط، وإلى تضخم كبير في أعداد الطلبة، وإلى زيادة التوقعات والآمال المكبوتة، كأمر محتم.
وفي بلد بعد آخر، نجم جيل جديد ضخم من الشباب المتعلم -أو شبه المتعلم- الذي انتقل إلى حياة الرشد والبلوغ ليكتشف فقط أنها لا توجد وظائف متوفرة له. ومن هنا، لم يجد هؤلاء الشباب وسيلة للوصول إلى السلع الاستهلاكية التي يجري عرضها على نحو ملفت للأنظار على شاشات التلفزة، ولا مأوى مناسباً للسكن، ولا إمكانية للزواج في سن معقولة مبكرة، ولا فرصة بحياة أفضل. وكان استشراء البطالة هذا هو الزناد الذي قدح شرارة نار الثورة في العالم العربي.
وكأمر محتم، كانت أهداف هؤلاء الشباب المكبوت هي القطط السمينة والرأسماليين المقربين من دوائر الحكم، الذين تسلقوا من الهوامش إلى مراكز القوة. ويطالب الثائرن العرب بوضع حد للفساد وبتوزيع أكثر عدلاً للثروة. إنهم يريدون حصتهم من الكعكة القومية.
ولم تكن أكثر من خطوة قصيرة وحسب، توجب عليهم قطعها من هناك للشروع في تحدي الأنظمة السياسية التي عاشوا هم وأباؤهم في ظلها وعانوا: العائلات الحاكمة المتغطرسة والمنفوخة، وشبكاتها من الزبانية والحاشية؛ وأنظمة الحزب الواحد المبتذل؛ والقوات الأمنية الوحشية التي تفرض القيود القاسية؛ والافتقار الكلي للحريات الأساسية. وثمة الكثير من الكلام عن الثوريين الذين يريدون العزة والكرامة - أي الاحترام الذي ينبغي أن تكنه الحكومات لمواطنيها، والذي ما يزال غائباً في العالم العربي على نحو محزن.
عندما تنقلب الآلام الاقتصادية إلى سياسية، تبدأ الأنظمة في التغضن والانكماش. وبدفع من طبيعتها المحضة، تجنح الثورات لأن تكون عنيفة وتدميرية. ومتى ما جرى إسقاط الأعمدة البشرية والمادية لدولة ما، فإنها تخلق فراغاً يصعب غالباً ملؤه. ويمكن تدمير بيت في غضون ساعة واحدة، لكن بناءه ربما يستغرق شهوراً، إن لم تكن سنوات. وينبغي أن تكون المرحلة التالية من الثورات العربية بالتأكيد مخصصة -وهي البطيئة، والتي ستمر بشكل حتمي ومؤلم ببدايات زائفة عديدة- لتصميم وخلق المؤسسات الجديدة للدولة، والتي ستحل محل تلك التي يجري اكتساحها الآن وهدمها.
وسوف يمضي كل بلد عربي على هديه الخاص. وكلما كانت الثورة أكثر عنفاً وطولاً، كانت عملية إعادة الإعمار أكثر صعوبة -كما ستكتشف عنه بلدان مثل سورية واليمن بلا شك. ذلك أن لكل بلد تاريخه الخاص، وبناه السلطوية الخاصة ومميزاته الفريدة الخاصة به. لكن ثمة فكرة واحدة تبدو حاضرة في ثورات العام الماضي وربما يكون من الممكن وصفها أفضل ما يكون بأنها رغبة عميقة في التعبير للإعراب عن الهوية العربية والإسلامية للشعوب المحلية الخالية من أي وصاية ونفوذ ثقافي وسياسي أجنبي.
في عموم الشرق الأوسط الأكبر -من تونس إلى أفغانستان والأماكن العديدة الواقعة فيما بينهما- يستشعر المرء الثورة ضد المحاولات الأجنبية لفرض النموذج المجتمعي الغربي على العالم الإسلامي، سوية مع الإذعان للمصالح الاستراتيجية الغربية. وقد نكون نشهد راهناً فصلاً جديداً -وربما نهائياً- في نضال العرب الطويل ضد الإمبريالية الغربية، والذي كان قد بدأ بعد الحرب العالمية الأولى، لكنه عانى من الهزيمة في العشرينيات والثلاثينيات (من القرن الماضي) فقط ليتعرض لمزيد من الكبت مرة أخرى مع نجوم إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية -والدكتاتوريات العربية التي تبعت ذلك.
راهناً قيد التطور، ثمة مرحلة جديدة مشهودة من النضال. أليس هذا ما يفسر النجاح الانتخابي المشهود الذي حققته الأحزاب الإسلامية؟ إن هذه الأحزاب هي التي كانت قريبة من العامة لأنها دأبت على تقديم الخدمات الاجتماعية التي غالباً ما فشلت الدولة في تقديمها. لكن قبولها الكبير لا بد وأن يكون قد نجم عن دفاعها عن التقاليد الإسلامية -الاجتماعية والثقافية والدينية- وكذلك الرغبة في التعبير عن هوية قومية موثقة وراسخة.
لا نعلم بعد كيف سيتصرف الإسلاميون في الحكم. هل سيتبنون الأنموذج التركي من الإسلام المصطف مع الديمقراطية العلمانية، أم أنهم سينزلقون وراء إلى التشددية السلفية؟ مهما كان الجواب، فإنني أشك بأن هدفهم الرئيسي سوف يكون الحاكمية الجيدة، وليس الديمقراطية الليبرالية على الغرار الغربي.
وفي هذه الأثناء، من المرجح أن يستمر تراجع نفوذ أميركا وسمعتها في العام المقبل. وسيكون هذا نتيجة حتمية لأخطاء السياسة الخارجية الكبيرة لواشنطن. وقد اضطلع المحافظون الجدد المؤيدون لإسرائيل في إدارة جورج دبليو بوش بقدر كبير في إطلاق حملة تدمير وتفكيك العراق. وللتذكرة، فإن إسرائيل لطالما أرادت إضعاف العراق بشكل دائم، وتراها هي المستفيد الرئيس من حرب العراق. وفي الوقت الحالي، تتولى نفس القوى تسويق وتسعير المواجهة الأميركية الحالية مع إيران والتخلي المخزي عن الفلسطينيين. وينبغي أن يضاف تورط أميركا المكلف في أفغانستان ومشاكستها مع الباكستان المجاورة، واستخدامها الطائرات من دون طيار (الدرونز) لتنفيذ عمليات قتل مستهدفة ذات شرعية مشكوك فيها، إلى هذا الكتالوج من حالات الفشل.
يجب على العالم العربي -سواء تحت حكم قادة جدد أو قدماء- أن يتولى الآن المسؤولية عن المشكلات الكبيرة التي يواجهها. وثمة ثلاث مسائل تتطلب انتباهاً واهتماماً عاجلين:
أولاً، الحاجة إلى حماية الاقتصادات المصرية واليمنية من الانهيار؛ ثانياً، الحاجة إلى جسر الفجوة في الانقسام السني-الشيعي من أجل حماية المنطقة من مزيد من الحروب الأهلية؛ وثالثاً، الحاجة إلى استخدام كل قطعة من الروافع ووسائل الضغط العربية، وكل أوقية من التحمس الثوروي لمساعدة الفلسطينيين في سعيهم الذي طال أمده من أجل الحصول على الدولة المستقلة.
في سياق السعي لتحقيق هذه الأهداف المهمة، ثمة دور حيوي تضطلع به دول الخليج تحت القيادة السعودية؛ فهي تشكل القطب الجديد للثروة والتعليم والحكومة المستقرة والنفوذ الدولي العربي. وهناك الكثير مما هو متوقع منها، ولعل اتحاداً للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي -كما اقترح مؤخراً العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز- سيكون لديه الكثير للنهوض به على هذا الصعيد. بل إنه قد يقدم النموذج لأوروبا المنقسمة.
* كاتب بريطاني بارز عن الشرق الأوسط. أحدث كتاب له هو "النضال من أجل الاستقلال العربي: رياض الصلح وصانعو الشرق الأوسط الجديد"، (مطبعة جامعة كامبريدج).

*نشر هذا المقال تحت عنوان:This Year and Next in the Greater Middle East.

التعليق