2011.. عام سيئ بالنسبة لأشرار العالم

تم نشره في الأربعاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • صحيفة تحمل خبر مقتل ابن لادن في باكستان في وقت سابق من هذا العام -(أرشيفية)

ريتشارد هاس * - (الواشنطن بوست)

ترجمة: علاء الدين أبوزينة
كان هذا العام سيئاً كثيراً بالنسبة للأشرار. وكان ممن غادروا الساحة السياسية -أو غادروا خشبة المسرح تماماً- أسامة بن لادن، و"القائد العزيز" لكوريا الشمالية كيم جونغ إيل، وثلاثة من قادة العرب: الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، والمصري حسني مبارك، والليبي معمر القذافي.
وليس هناك الكثير مما يربط هذه المغادرات معاًً. فقد مات بن لادن، الذي قتلته قوات البحرية الأميركية في باكستان في شهر أيار (مايو)، بما يمكن وصفه بأنه أسباب غير طبيعية، لكنها غير مفاجئة. بينما مات "كيم" إثر إصابته بنوبة قلبية في الأسبوع الماضي، لكنه ظل يعاني من صحة متدهورة منذ أصيب بجلطة دماغية قبل عدة سنوات. وكان يمكن أن يموت أيٌّ من الرجلين عند أيّ نقطة خلال السنوات القليلة الماضية -لكنه صادف أن كان 2011 هو العام الذي شهد نهاية أقدارهم فحسب.
وعلى العكس من ذلك، فقد القادة العرب جميعاً مواقعهم (أو حياتهم) بسبب الظروف السياسية الفريدة. وقد تمّ إسقاطهم من قبل مواطنيهم في نوع من الانتفاضة؛ من الانفجار الذي أحدثه الإذلال والإحباط الجماعي المرتبط بعدم وجود صوت سياسي وبغياب الفرص الاقتصادية.
لم يكن الأمر يتعلق كثيراً ببائع فاكهة تونسي وحيد، والذي أثار انتحاره ثورة إقليمية، أو بوسائل الإعلام الاجتماعية كأداة تنظيمية للثورة. لكن الجواب الأمين الصادق هو أن التغيير التاريخي يحدث عندما يلامس الشرر مادة مشتعلة. وكانت الحرب العالمية الأولى ستندلع في غياب اغتيال الأرشيدوق فرديناند، كما كانت حرب فيتنام ستنشب بلا شك من دون وقوع حادث في خليج تونكين. سوف تنفع أي شرارة عندما يكون هناك ما يكفي من الخشب الجاف. وبعد عقود من سوء الحكم، كان الشرق الأوسط ناضجاً للتغيير.
إن السؤال الأكثر صلة وأهمية ليس "لماذا حدث ذلك؟" بقدر ما هو "وماذا إذن؟" أيّ فرق ستحدثه كل هذه المغادرات؟ إننا إذا نظرنا إلى الوراء، فسنرى أن العام 2011 كان عام انتقال كبير -لكنه لم يكن عام تحول كبير.
في حالة بن لادن، الجواب هو: لن يتغير الكثير. فحتى قبل مقتله، كانت الأحداث قد طغت على زعيم تنظيم القاعدة. ولم تكن تلك التجمعات والحشود التي خرجت إلى الساحات والميادين العامة في القاهرة وغيرها من مدن الشرق الأوسط تتلقى الإلهام منه أو من منظمته الإرهابية. كان بن لادن مدمراً، وليس خالقاً، وقد شكل موته علامة على الطريق أكثر من كونه نقطة انعطاف وتحول. وليست العدمية من نوع الأشياء التي يمكن أن تعد إرثاً.
تعنى اللامركزية التي تميز الإرهاب اليوم أن هناك، فيما وراء بن لادن، آخرين ممن سيواصلون التخطيط والتمويل والتنفيذ للأعمال الإرهابية لسنوات وربما عقود مقبلة -أو إلى أن يفقد الإرهاب شرعيته وتتوقف الحكومات والمجتمعات عن دعمه والتسامح معه والتغاضي عنه.
أما بالنسبة للزعيم الكوري كيم، فإنه يترك وراءه دولة ستالينية بالية عفا عليها الزمن. وفي المدى القصير، يبقى من غير الواضح ما إذا كان ابنه سوف يكون قادراً على توطيد السلطة -أو ما إذا كان سيلجأ إلى العنف ضد كوريا الجنوبية في محاولته القيام بذلك. وإذا فعل، فإنه سيخوض مغامرة هائلة، لأن من المؤكد تماماً أن كوريا الجنوبية سوف تردّ عسكرياً.
السؤال الأكبر هو مصير كوريا الشمالية. فذلك البلد ليس أكثر من حطام بجيش، وأسلحة نووية، وسكان يعايشون المتاعب والمعاناة منذ فترة طويلة. وسوف تكون الصين، بوصفها مصدراً مهماً للوقود والغذاء، فضلاً عن كونها بوابة التجارة لكوريا الشمالية، هي العامل الرئيسي الذي يحدد مستقبل ذلك البلد. وتخشى الصين من احتمال أن يؤدي عدم الاستقرار في الشمال إلى تدفق اللاجئين إليها، وإلى نشوب الصراع على شبه الجزيرة. بل ويخشى القادة الصينيون أكثر من ذلك من توحيد كوريا تحت سيطرة سول، وفي داخل المدار الأمني للولايات المتحدة. وهكذا، فإن من المرجح أن يستمر الصينيون في دعم كوريا الشمالية، حتى بينما يشجعون على ضبط النفس ويحثون على درجة من الإصلاح الاقتصادي.
وماذا عن الدول العربية التي تخلصت من حكامها السلطويين؟ سوف يساعد هنا التخلي عن عبارة "الربيع العربي". فالربيع فصل تجدُّد قصير بطول ثلاثة أشهر، لكن ما يجري في العالم العربي ربما يحتاج إلى عقود ليتكشف، وليس من الحتمي مطلقاً أن يكون ما سيسفر عنه موضع ترحيب.
بقدر ما يمكن أن تكون الإطاحة بنظام قمعي صعبة، فإن من الأصعب بكثير وضع شيء أفضل وقابل للديمومة في مكانه. ويحفل التاريخ بحالات القادة المخلوعين الذين كان حلفاؤهم المباشرون أو النهائيون بسوئهم نفسه أو أسوأ. وتتبادر إلى الذهن أمثلة السوفيات الذين خلفوا القياصرة؛ وكذلك آيات الله الذين جاؤوا بعد الشاه في إيران أيضاً. فمع كل عيوب المخلوعين، يظل من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- القول إن البديل جعل المواطنين في تلك البلدان أو في البلدان المجاورة أفضل حالاً.
كما تقترح تجربة العراق توخي الحذر أيضاً. فقد أدت الإطاحة بصدام حسين إلى تصاعد الصراعات الطائفية والحرب الأهلية. وقد هدأت الأمور، لكن مستقبل العراق ما يزال معلقاً في الهواء. وحتى الآن، وكما أظهر العنف هناك في الأسبوع الماضي، ليس من المضمون بأي شكل أن ذلك البلد سوف يصبح طبيعياً. ويمكن بالقدر نفسه من السهولة تخيل قيام الفتنة الطائفية، والحكم الاستبدادي، أو ببساطة قيام بلد مختل يتميز بأعمال العنف المتكررة وبوجود حكومة مركزية ضعيفة.
ونحنُ لا نعرف إذا كان هذا سيحدث في تلك الدول الشرق أوسطية التي أطاحت بحكامها الذين استقروا في السلطة منذ فترة طويلة في العام 2011. وقد أجرت تونس انتخابات برلمانية نزيهة وسلمية نسبياً، مع أداء قوي للأحزاب الإسلامية؛ وتبقى الطريقة التي سوف تحكم بها هذه الأحزاب غير واضحة. وتواجه ليبيا التحدي المتمثل في بناء المؤسسات الوطنية؛ لأن مثل تلك المؤسسات لم تكن موجودة. وتعقّد المستقبل هناك الاحتكاكات القبلية وتوافر الأسلحة؛ في حين تجعل إمكانية استغلال عائدات النفط الآفاق المستقبلية هناك أكثر وعداً.
سوف تكون مصر هي أكثر الاختبارات أهمية. فهي موطن لأكثر من ربع سكان العالم العربي، والتي تخدم كنموذج ينظر إليه المسلمون السنة في كل مكان. والآن، من الواضح أن الإسلاميين من مختلف المشارب سوف يهيمنون على سياستها، حتى في الوقت الذي يبدو فيه الجيش متردداً في التخلي عن سلطته أو امتيازاته. في حين أن الليبراليين الشبان الذين ساعدوا على بدء الاضطرابات السياسية يتوافرون بالكاد على نفوذ قليل. وهناك يتدهور الاقتصاد بسرعة، نظراً لفقدان السياحة والاستثمار، إلى جانب الاضطرابات المستمرة.
تشكل الديمقراطية هدفاً نبيلاً للمنطقة بكل تأكيد. لكن الخارجيين سوف يكونون حكماء إذا وضعوا على الأقل القدر نفسه من التركيز على حماية الديمقراطية وتأسيس متطلباتها المسبقة -سيادة القانون، وصياغة دستور بضوابط وتوازنات حقيقة، وخلق مجتمع مدني قوي، وتوفير أسواق مفتوحة- بقدر ما يضعون من تركيزهم على الانتخابات. ويجب على الحكومة الأميركية أن تبيّن بوضوح ما الذي تتطلبه العلاقة الوثيقة مع واشنطن في مجال السياسة الخارجية؛ بما في ذلك ضرورة أن تكون أي حكومة جديدة معارضة للإرهاب بنشاط، وأن تبرهن على وجود رغبة في العيش في سلام مع إسرائيل. وينبغي على المسؤولين والمراقبين الأميركيين أن يؤكدوا هذه الأولويات وأن لا يحجموا عن توجيه الانتقادات عندما تكون مبررة؛ وينبغي جعل المساعدات مشروطة بتنفيذ ثم احترام إصلاحات سياسية واقتصادية معيّنة.
كل ذلك يدفع إلى جهة الانتظار والتوقع. فما يزال من الممكن أن يحلّ مستقبل يخالطه الإرهاب العالمي المتواصل؛ وكوريا شمالية مغلقة وعسكرية النزعة، وشرق أوسط غير ليبرالي ومتعصب -وسوف تكون هذه كلها أموراً مألوفة تماماً. وفي المقابل، يمكن أن يتبين أن المستقبل قد أصبح مختلفاً وأفضل، لكن الأمر سيستغرق أكثر من مجرد تغيير في القمّة لجعل ذلك يحدث.
*هو رئيس مجلس العلاقات الخارجية، والمدير السابق لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية. وهو مؤلف كتاب "حرب الضرورة، حرب الاختيار: مذكرات حربين عراقيتين".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: For the world’s bad guys, 2011 was a dangerous year

التعليق