مخرج مصري يدمج العقل والعاطفة بأعماله لتجسيد الواقع

بشارة: السينما تغيرت وباتت تستشرف ما يدور حولنا

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • المخرج المصري خيري بشارة-(أرشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- كان من أول أفلامه القوية التي سلطت الضوء عليه "العوامة 70" بمشاركة النجم أحمد زكي في العام 1982، تلاها "الطوق والإسورة" و"يوم مر يوم حلو"، حيث تميزت بواقعيتها الشديدة وفنيتها العالية المستوى، وكرسته كمخرج واقعي يستفيد من خبرته في مجال الأفلام الوثائقية حتى انتقل للروائية وغيرها.
المخرج المصري خيري بشارة الذي شارك مؤخرا في مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان في دورته الثانية، يرى أن السينما تغيرت اليوم، وباتت تبحث عن وعي أكثر وإجابات لما يدور حولنا.
وربط بشارة في تصريح إلى "الغد"، تأثير ثورة 25 يناير على الناس وصانعي الأفلام، بالأثر نفسه لحرب العام 1976، حيث "ظهر وعي بين أبناء الشعب، فكان البحث في الأسباب الكامنة للتغييرات المؤدية لذلك، ومن ثم إدراكهم بوجود خلل ما".
ويردف "هذا ما دفع للنكسة في ذلك الوقت، برغم قوة مصر وريادتها في العالم الثالث وأميركا اللاتينية، لترنو نحو الاستقلال والحكم القومي، وانهيار هذه الأجواء كلها بين يوم وليلة، ما شكل صدمة ودفع بالجيل الشاب ليفكر بالتغيير والبحث عن حياة أفضل يعيشون بها بواقع جديد".
ويضيف بشارة الذي كان أول فيلم درامي له "الأقدار الدامية" في العام 1982، أن الانتصار ليس كافيا، بل التحرر هو الدافع الرئيسي لإحداث تغيير شامل، مؤكدا أن التقدم لا يعني الحاجة لحمل السلاح اليوم، وأن الهزيمة التي يمكن أن تلحق بأي شعب تأتي من التخلف ورفض الاعتراف بالفساد ووجوده، وهذا أبرز معالم الثورة.

وكان بشارة بدأ رحلته السينمائية من الأفلام التسجيلية، حيث عمل مساعدا للمخرج عباس كامل في فيلم "أنا الدكتور" في العام 1976 والمخرج توفيق صالح في فيلم "يوميات نائب في الأرياف" 1969، ومساعدا للمخرج في "الصحراء والأحراش" و"صائد الدبابات" و"طبيب الأرياف" و"طائر النورس" و"تنوير"، وكلها سجلت حضورا في مهرجانات عالمية وعربية.
وحمل فيلمه الأول وهو "الأقدار الدامية" نوعا من الإحباط، نتيجة تسليطه الضوء على الأوضاع السياسية في مصر بعد حرب1948، وتطرقه للتناقض بين طبقتين، حيث لعبت نادية لطفي واحمد زكي ويحيى شاهين البطولة فيه، وطعم فيلمه بمشاهد تسجيلية لحرب فلسطين.
وانطلاقة بشارة كانت في فيلم "العوامة" بالسبعينيات، حيث ولّد شرارة البدء لواقع مختلف في السينما المصرية، عبر تيار السينما المستقلة في مصر، ليقدم نماذج مختلفة سلبية برفقة السيناريست فايز غالي، حيث عاينا هموم الشباب في تلك الفترة.
ومال بشارة في أفلامه إلى انتهاج أسلوب عدم خلق حالة من التعاطف مع بطل الفيلم، ليتيح للمشاهد أن يكون شخصا يطالب بالتغيير، ويرفض سلوكه ويحاكمه، وهذا بدوره ينعكس على المجتمع، من حيث مبدأ اللامبالاة والعيش على الهامش، لينشأ جيل مختلف يحاكم الفساد ويطالب بالتغيير والثورة على الواقع.
ويرى بشارة أن ثورة 25 يناير، سيست الشعب المصري، ودفعت الحراك العربي للنهوض والتغيير، بوجود قوى مضادة، فبدلا من اللجوء للمستقبل، كان للماضي تأثير كبير، منوها إلى أن التعلم من التاريخ أمر مهم، فهو ينبه لكوارث ويمكن من تفاديها، ما يزيد من المسؤولية عبر إعادة طرح الأسئلة التي ولدت نتيجة أحوال سابقة. وبشارة الذي قدم أيضا أفلاما متعددة حملت طابع الواقعية الكلاسيكية والميلودراما، كما في فيلم "الطوق والإسورة" و"يوم حلو ويوم مر"، اعتمد على خلق حالات وأجواء أكثر من الارتكاز على الحبكة الدرامية، لينتقل لأسلوب مختلف في الإخراج بأفلام غنائية بواقعية جديدة تسخر من الواقع الاجتماعي والتناقضات الحياتية.
وكان من أبرز أفلامه التي حملت طابع السخرية من الواقع في العام 1989 بفيلم "كابوريا"، بمشاركة النجم احمد زكي، وشكل تظاهرة في السينما المصرية آنذاك، للتحول السريع من نمط لآخر، وهذا ينطبق على فيلم "أيس كريم في جليم" مع النجم عمرو دياب ويسرا، و"أميركا شيكا بيكا" (1993)، "حرب الفراولة" (1994)، "قشر البندق" (1995)، "إشارة مرور" (1995).
وكل هذه الأفلام، كانت تنتقد المجتمع بقسوة، وتقدم شخصيات ووجهات نظر وتعتمد على المشاهد، كعامل لاكتشاف الخلل والتفكير بتغييره من خلال التركيبات التقليدية التي أدت لوضع نظام كهذا.
ويبين بشارة أن الأفلام اليوم، والتي قدمها هو وآخرون، تهتم بكرامة الإنسان والعيش بإنسانية، وتسير على نهج السينما المصرية التي قدمت صورا مختلفة، ولو بشكل غير مباشر، فاهتمت بحقوق الإنسان وقضاياه من خلال طرح أسئلة من الداخل، منوها إلى أن الفيلم الذي لا يطرح أسئلة ولا يخرج بتأثير على المشاهد، "فاشل"، مؤكدا أن الفن الحقيقي هو الذي يصبح أداة وعي وتفكير باتزان مع المحيط والعالم.
ولا يميز بشارة بين أبناء اليوم والأمس من الفنانين، مشيرا إلى أن النجم يكون نفسه ويصقل موهبته باختيار ما يناسبه، والتعرض لكافة العوامل التي تبني تكوينه الفني في مسيرة تتطلب قدرة على أداء عال، والتأثر بجمهور متعطش للتفكير ورؤية الأمور بشكل أوضح. أما عن سبب غيابه منذ مدة طويلة، فيذهب بشارة إلى أن عشقه للفن مهم جدا، مضيفا "لكن في الحياة أمور أخرى مثل العائلة والنفس، فالفرد يحتاج وقتا لنفسه، يجدد فيه طاقاته، مبينا أنه مستعد لإطلاق فيلمه الجديد" مون دوغ" برفقة ابنه روبرت بشارة، الذي كتب السيناريو برفقته. ويعد فيلمه هذا، التجربة الثانية في إخراج الأفلام الديجيتال بعد فيلم "ليلة على القمر"، وهو من بطولة رغدة وياسمين جيلاني وراندا البحيري وطارق التلمساني وجيهان راتب، وأنتج العام 2003، فيما عرض العام 2008.
ويبقى بشارة مخرج كغيره من العاملين في السينما، الذين تركوا بصمتهم في الفن الداعي للتغيير من خلال أسلوبه القائم على دمج العقل والعاطفة لتجسيد الواقع، والابتعاد عن المصادفات المبالغ بها إلى جانب الدراما التي تشاهد بكثرة في الإفلام التجارية.

israa.alhamad@alghad.jo

التعليق