الانتخابات الجديدة في المغرب: هل هي كسابقتها؟

تم نشره في الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • مغربي يدلي بصوته في الانتخابات الأخيرة هناك -(أرشيفية)

دافن مكاردي* - (فورين بوليسي) 28/11/2011

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كان الأسبوع الماضي لحظة حاسمة بالنسبة للديمقراطية في الشرق الأوسط: فقد حارب المصريون لاستعادة ثورتهم بإقامة تظاهرات ضخمة، وقبلت الحكومة البحرينية الاستنتاجات التي توصل إليها تقرير صريح غير موارب عن سجلها في حقوق الإنسان؛ ووقع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح مؤخراً على الاتفاقية للتنازل عن السلطة. لكن، وفي تأكيد أكثر هدوءا من الربيع العربي، أجرى المغرب انتخابات برلمانية مبكرة يوم 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والتي تسلط الضوء، في وقت لم تكن فيه حاسمة على نحو خاص، على إنبائنا بقدر واف عن المناخ السياسي في البلد: إن المسار الراهن للإصلاح الذي بادرت إليه الملكية ليس جريئاً بمقدار كافٍ لإرضاء المطالب بديمقراطية، فيما ينظر إلى الأحزاب السياسية على أنها غير قادرة على إحداث التغيير بنفسها.
ومثل البقية في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، كان المغرب قد ووجه باحتجاجات شعبية في وقت سابق من هذا العام. ومع ذلك، وباختلاف عن الحكام الآخرين الذين ردوا على التظاهرات بالقوة ورفضوا تقديم تنازلات حتى سبق السيف العذل، سارع الملك محمد السادس إلى التعهد بإجراء إصلاحات دستورية، مستبقاً المحتجين، ومقوضاً تأثيرهم بشكل فعال. وقد رأى الناشطون السياسيون في إجراء العاهل المغربي ما هو أكثر قليلاً من محاولة الملك، واستراتيجية صحيحة لتنفيذ تغييرات سطحية ترضي الجمهور من دون تغيير البنية الأساسية للسلطة في البلد. وفي الحقيقة، وبينما يمكن الدستور المعدل البرلمان ورئيس الوزراء، فإن السلطة المطلقة تظل بأيدي الملك. ورغم ذلك، يظل الملك يحظى بشعبية كبيرة في صفوف الشعب، كما أن الاستفتاء الدستوري الذي جرى يوم الأول من تموز (يوليو) الماضي، والذي اعتبر استفتاء على الملك وليس على تفصيلات حزمة الإصلاح، قد أقر من جانب 98 % من المقترعين. ومع ذلك، فإن مجموعات حقوق الإنسان والمعارضة تشكك في شرعية التصويت، مستشهدة بضغوط مورست من قبل المساجد والمسؤولين المحليين من أجل التصويت بنعم، وبالدعاية الإعلامية والافتقار إلى تثقيف الناخب، والتزوير المزعوم في الأصوات.
المغرب الذي طالما نظر إليه على أنه واحد من أكثر البلدان اعتدالاً وتقدماً في العالم العربي، يخاطر راهناً بالسقوط خلف المنحنى، مع اكتساح الحركات الديمقراطية للمنطقة. وكانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة القادمة على أعقاب الاستفتاء الدستوري، بمثابة أول اختبار لما إذا كان المغاربة يستمرون في الوثوق في طريقة الملك الداعية إلى الإصلاح التدريجي. والأهم من نتائج الانتخابات، أنه يُنظر إلى إقبال الناخبين على التصويت على أنه المؤشر الحقيقي إلى ما إذا كان الجمهور المغربي قد اشترى عرض النظام. وبينما دعت حركة 20 شباط (فبراير) ذات القيادة الشابة، شأنها شأن عدة أحزاب يسارية وإسلامية، إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية، ونظمت احتجاجات في المدن الرئيسية في الأيام التي سبقت الانتخابات، شجعت الحكومة بنشاط المواطنين على التصويت عبر حملات باليافطات في كل مكان، وإعلانات خدمة عامة متلفزة. ومع تحقق نسبة اقتراع بلغت 45 %، يبدو أن عموم السكان يقعون في مكان بين هذين الجانبين المتطرفين، ولا يقدمون دعماً صريحاً لحركة 20 شباط (فبراير) التي تظل مجموعة انتشار تحظى بشعبية مقتصرة على المدن الرئيسية، لكنها أيضاً ليست شغوفة بالمشاركة في عملية سياسية لا يرجح أن تفضي إلى جلب تغيير فعلي.
وفي المدينة الساحرة مكناس التي تعود إلى العصور الوسطى -وهي خامس أكبر مدينة في المغرب- حيث كنت قد سافرت في آخر يوم من الحملة ويوم الانتخابات، كانت هناك بالكاد أي إشارات تدل على الانتخابات. وكانت المساحات المخصصة للشعارات واليافطات السياسية فارغة تماماً، كما لم تكن هناك أي احتجاجات تدعو للمقاطعة أو حشود سياسية رئيسية في الشوارع. ويبدو أن هذا الافتقار إلى التحمس والنشاط السياسي يصنع مشكلة في طول البلاد وعرضها. وقد عرضت الحكومة معدل الإقبال البالغ
45 % على أنه إشارة إلى تحمس الناخبين، أو على أنه يشكل على الأقل تحسناً في معدل الإقبال المنخفض تاريخياً، والذي بلغ 37 % في انتخابات العام 2007. لكن هذه الأرقام يمكن أن تكون مضللة، نظراً لأنها تشير إلى نسبة الناخبين المسجلين، كما أن عدد المقترعين المسجلين قد نقص من 15.5 مليون في العام 2007 إلى 13.5 مليون اليوم. وبالإضافة إلى ذلك، يتوقع المرء أن تكون مشاركة الناخبين أعلى بكثير من نسبة 45 % في انتخابات تؤشر على بدء حقبة جديدة في البلد، خصوصا إذا ما قورنت بنسبة الإقبال البالغة 51.6 % في العام 2002، ونسبة  58.3 % التي سجلت في انتخابات العام 1997.
ربما يكون الأكثر إثارة للقلق هو العدد العالي من الأصوات غير الصالحة -ما يصل إلى 30 % من كل الأصوات المقترعة في بعض مراكز الاقتراع- والتي تمثل شكلاً آخر من الاحتجاج على الوضع الراهن. ورغم أن الأصوات الملغاة كانت تشكل موضوعاً أيضاً في انتخابات العام 2007، إلا أن نسبة الأصوات الفاسدة كانت في هذه المرة أيضاً موجودة بشكل مكثف وباعث على الصدمة. فقد علم الكثير من الناخبين أوراقهم بحرف x أو بخربشة على كل الصفحة. وفي إحدى أوراق الانتخاب المعلّمة التي وقعت عليها، كانت كل أسماء الأحزاب مشطوبة اسماً باسم، حيث كتبت بدلاً منها عبارة "حزب الحمير" بشكل بارز.
وفي الحقيقة، وفي حوارات كنت قد أجريتها مع أناس في الشارع ضموا محللين سياسيين وتنظيمات مجتمعية مدنية، بدا أن هناك كمية كبيرة من الامتعاض من الأحزاب السياسية، وخصوصا في صفوف الشباب. وفي نظام حيث تذهب الولاية والولاء للملك ولنخبة القصر، يضمن الانتصار في الانتخابات، بالإضافة إلى فوائد أخرى، أن يكون للأحزاب حافز ضئيل وحسب لتطوير برامج تعزز الاحتياجات الأوسع للمواطنين. وقد اشتكى لي العديد من الناس من أن قادة الأحزاب يعترفون فقط بوجود الناس خلال الحملة الانتخابية، ثم ينسون احتياجاتهم بسرعة بعد أن يرتقوا إلى السلطة. ورغم أن الأحزاب وعدت مراراً وتكراراً بتغيير مرشحيها في وجه فوضى التصويت، فإن الممثلين الفاسدين نفسهم يعودون للترشح سنة بعد أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، فإن سياسات القصر تلعب غالباً بالأحزاب ضد بعضها بعضا بغية ضمان الخنوع. وفي هذه الانتخابات، هناك ثمانية أحزاب سياسية لا تتشارك سوى في النزر اليسير من الأيديولوجية العامة، والتي رصت صفوفها بطريقة خرقاء لخلق ائتلاف "G8" الذي يتهم بأنه محاولة ملكية لموازاة حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل (الذي انتهى به المطاف إلى حصد إجمالي أعلى الأصوات). وقد قوت الإصلاحات الدستورية، على نحو هامشي، دور البرلمان في مواجهة الملك، لكن عدم الكفاءة وعدم القدرة لدى الأحزاب التقليدية على التصدي للملك تعيق إحداث التغييرات الديمقراطية الإيجابية.
وكان البعض قد شعر بالأمل في إمكانية أن تُحدث الأحزاب السياسية تغيراً فعلياً من خلال دمج المبادئ المضمنة في الدستور الجديد في تشريع معين. لكن القوانين الانتخابية التي صدرت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تشير إلى أن الأحزاب ستبدد الفرص المستقبلية لتحسين النظام. وكانت القوانين الانتخابية قد صيغت مبدئياً من جانب وزارة الداخلية، ومن ثم تمت إعادة النظر فيها في جلسات خلف أبواب مغلقة مع زعماء الأحزاب المتخندقين، ما أبعد ممثلي المجتمع المدني وأعضاء الأحزاب. ولذلك حافظ إطار العمل الانتخابي الناجم على العديد من نقاط الضعف التي وسمت القوانين السابقة. واشتمل ذلك على نظام تقسيم مقاطعات غير متكافئ، وتمثيل نسبي لنظام متبق هو الأضخم، والذي يعيق أي حزب عن الحصول على عدد وافر، ويشجع شراء الأصوات، بالإضافة إلى قائمة منفصلة لحصة النساء تهمش النساء المرشحات داخل الأحزاب. وكما شرح لي رجل شاب بمرارة، فإن "هذه الإصلاحات هي مثل وضع مساحيق تجميل على فتاة غير جميلة أصلاً. انتظر واستعد لذلك، وستجدها فتاة بشعة! إنه ليس تغييراً فعلياً". وقد كان انتصار حزب العدالة والتنمية في الانتخابات بمثابة اختبار لهذه الرغبة في حدوث تحول أكمل من جانب أولئك الذين اختاروا أن يصوتوا. وقد ركّز حزب المعارضة المعقول الوحيد، حزب العدالة والمساواة، حملته على خطاب معاد للفساد، مقرون باقتراحات سياسة أصيلة. وتتطلب الإصلاحات الدستورية من رئيس الوزراء أن يأتي من أكبر حزب في البرلمان، ما يعني أن حزب العدالة والمساواة سيتولى هذا المنصب. لكن قدرة حزب العدالة والمساواة على تحقيق تحول راديكالي مقيدة بعاملين. أولاً، على ضوء نظام التمثيل النسبي السالف الذكر، والذي أفضى إلى قدوم برلمان مكسر، فإن حزب العدالة والمساواة الذي له 27 % من المقاعد، سيحتاج راهناً إلى تشكيل ائتلاف مع الأحزاب الأخرى -على الأرجح تلك التي في ائتلاف الكتلة الديمقراطية- المتعاونة مع القصر. ثانياً، رغم حقيقة أنه تخلى عن انتماءاته الراديكالية منذ عقود، فإنه ينظر إلى الحزب بعين الشك من جانب النظام وحلفائه، وقد ترتب عليه أن يتخذ موقفا حذرا لإظهار أنه يرغب بالعمل من داخل النظام. ويعكس هذا التغيير في قيادة الحزب في العام 2008 من سعد الدين العثماني، الذي يريد ملكية برلمانية، إلى عبدالله بنكيران الذي يريد المحافظة على ملكية قوية، يعكس هذه الحسبة.
يظهر الإقبال المنخفض الوتيرة، ونجاح حزب العدالة والمساواة، أن المغاربة يريدون تغييراً أصيلاً، وأنهم لن يُستغفلوا بمحاولات سطحية لكسب ودهم. لكنه من الواضح أن مثل هذا التغيير ذي المغزى لن يأتي من القصر. ومع الفساد المستشري بشكل وبائي، وتراجع جودة الرعاية الصحية والإسكان، وزيادة مستويات تفشي البطالة، يعاني المغاربة من القضايا نفسها التي تقض مضاجع العالم العربي. وفيما تراهم لا يريدون أن يسيروا بانحدار في مسار الثورة، وما لم تتخذ الأحزاب السياسية حصة أكثر من العملية السياسية وتتصدى للنظام، فإن المغاربة المظلومين قد يجدون أنه لا مكان لهم للتوجه إليه سوى الشوارع.
*مشاركة أبحاث رفيعة المستوى في المشروع حول ديمقراطية الشرق الأوسط. وكانت قد شاركت مؤخرا في مهمة مراقبة دولية للانتخابات البرلمانية في المغرب.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Morocco's new elections, Just like the old elections?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق