هل أصبحت أوروبا ألمانية الهوى؟

تم نشره في الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

فردريك لومتر - (لوموند) 2011/12/2

قد يشعر هنري كيسنجر؛ وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية الأسبق، بالسعادة اليوم، بعد أن صار لأوروبا رقم هاتف يمكن أن يطلبه في النهاية، وهو رقم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فسواء تعلق الأمر بتعيين رئيس البنك المركزي الأوروبي، أو بمساندة رئيس الوزراء اليوناني، أو بإصدار سندات اليورو، تكون الكلمة الأخيرة دائما لأنجيلا ميركل. فبحكم وزنها في أوروبا، وبحكم الصحة الجيدة التي يتمتع بها اقتصاد بلادها، فإن ألمانيا قادرة اليوم حتى على فرض وجهات نظرها، حتى وإن خالفت بذلك، كما يقول منتقدوها، قواعد الديمقراطية نفسها.
فبسبب تحفظاتها في العام 2010 على مشروع إنقاذ اليونان، أو حول مضاعفة سلطات البنك المركزي الأوروبي، يُنظر اليوم إلى أنجيلا ميركل، في أفضل الحالات، كـ"يورو متردد"، وفي أسوأ الحالات كـ"يورو مُرتاب". والواقع أن ذلك غير صحيح البتة. أما كونها "يورو قليل الحماسة"، فتلك حقيقة مؤكدة على أي حال. وتقضي أنجيلا ميركل عطلتها في بيروت وفي "تيرول"، ونادراً ما تقضيها على شاطئ المتوسط، لكنها إنْ لم تكن أوروبية بالقلب، فإن هذه الفيزيائية هي أوروبية بالعقل!
والحال أن كل الذرائع تعمل لصالح اليورو: التاريخ -شعار "أوروبا هي السلام" ليس فقط بلاغة كلامية في أوروبا الوسطى-، والاقتصاد -60 % من صادرات ألمانيا تذهب نحو الاتحاد الأوروبي-، والسياسة -"إذا فشل اليورو فسوف تفشل السيدة ميركل"، ثم الديموغرافيا على الخصوص. فعندما أُنشئت الجمهورية الفيدرالية كان 20 % من سكان العالم أوروبيين. واليوم، هناك 7 % فقط يقضّون مضجع المستشارة. ولكي تفرض ثقلها على العالم غدا، فإن ألمانيا -التي تستعد الآن لأن تصبح بلد المسنين بامتياز، ليس لها من خيار آخر غير المراهنة على أوروبا.
وأقل ما يمكن قوله في هذا الشأن إن الاتحاد المسيحي الديمقراطي لا يعوزه الطموح إلى أوروبا ما بعد غد. فبفضل إجماع جيدٍ صادقَ النوابُ الديمقراطيون المسيحيون، خلال مؤتمر الاتحاد المسيحي الديمقراطي، في منتصف شهر تشرين الثاني (نوفمبر) على انتخاب رئيس اللجنة الأوروبية في الاقتراع العام، ودافعوا عن البرلمان الأوروبي، في مساعيه من أجل الحصول على حق المبادرة، بل وقد وافقوا على إمكانية تقديم البنك المركزي الأوربي الدعم المالي للولايات المتحدة الأميركية.
كيف نفسر المسافة الفاصلة بين هذه النداءات الفيدرالية الجميلة، وفظاظة ألمانيا في المفاوضات الحالية؟ يُفسَّر ذلك بلا شك، بعدم الفهم المتبادل. فيحثما يأخذ باقي البلدان على برلين رغبتها في فرض "أوروبا ألمانية"، فإن واقع الألمان يقول إنهم مقتنعون بعكس ذلك تماما. فعند سماع ما يقولون نكتشف أنهم قد وقعوا في الفخ فعلا!
فمن أجل إقناعهم بالاستغناء عن "الدوتش مارك"، كان الرئيس الفرنسي الأسبق؛ فرنسوا ميتران، وشركاؤه، قد وعدوا بأن أوروبا سوف تكون وطنا لا يقل فضيلة عن وطن لوثر. فالبنك المركزي الأوروبي الذي لا يقل استقلالية عن "البوندسبنك" ليس له سوى هدف واحد، وهو مكافحة التضخم. ولذلك فإن على بلدان منطقة اليورو أن تتفادى أي عجز مفرط في الموازنات.
لكن بعد مرور عشرين عاما على معاهدة ماستريخت، ماذا يلاحظ الألمان؟ يلاحظون أن البلدان الأخرى لم تحترم التزاماتها وتعهداتها، رغم استفادتها خلال كل هذه السنوات، بمعدل الفائدة المنخفض، الناتج في جزئه الأكبر عن جهود ألمانيا التي عرفت، رغم ثمن عودة الوحدة، كيف تبعث الثفة في الأسواق، وتحفزها بلا انقطاع.
لا شك أن لهذا البرهان عيوبه -فألمانيا ليست دائما بلدا فاضلا كما تدعيه لنفسها- لكن في عين المكان، كل الناس يؤيدون هذا التحليل. ولذلك السبب، فحتى وإن أعربت المعارضة عن تأييدها لسندات اليورو، فإن أنجيلا ميركل مدعومة حتى في قلب اليسار، عندما تُظهر عزمها  وإصرارها إزاء الأوروبيين. فموقفها واضح كل الوضوح، لاسيما وأن هذه المرأة، الأقوى في أوروبا، خاضعة في قلب التحالف، لضغوط عديدة تقلص إلى حد كبير هامش المناورة عندها.
الواقع أن المستشارة الألمانية ليست في حاجة لأن تفرط في إظهار طبيعتها حتى تبين أنها مُفاوِضة شرسة. ففي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2010، وبمناسبة إلقائها لواحدة من خطبها المهمة، في مدينة بروج، كشفت أنجيلا ميركل عن فكرها العميق قائلة: "ليس التناغم هدفا في حد ذاته، فالنقطة الحاسمة تتمثل في بناء أوروبا على أسس متينة"، حتى وإن اقتضى الأمر إذلال المنافقين، بالحرص، على سبيل المثال، على أن يذهب صندوق النقد الدولي إلى روما ليتحقق من أن إيطاليا قد وفت حقا بتعهداتها، التي وعد بها سيلفيو برلسكوني.
فألمانيا تعرف أن الظروف الحالية من الصعب أن تكون في صالحها، وهي تلعب من أجل أن تحصل من شركائها على ثورة ثقافية حقيقية في أوروبا، ليس من أجل خلق "أوروبا ألمانية" كما يفهم الناس في كثير من الأحيان، وإنما من أجل أوروبا قوية ومتينة.
وهكذا، فإن ألمانيا التي يرهقها هاجس تناقضاتها المؤسساتية، تُولي بلا شك، القليل من الأهمية للنقاشات الجارية في باقي البلدان الأوروبية. وبرفضها الاعتراف بأهمية تقديم التنازلات التي تشترطها، فهي تقتل في المهد أي محاولة للنقاش؛ مثل القاعدة الذهبية للتوازن المالي، أو مراقبة الموازنات الوطنية من قبل محافظ أوروبي.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Merkel et l'"Europe allemande"

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق