السنّة يبسطون سلطتهم على الإقليم

تم نشره في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:01 مـساءً
  • محتج في ميدان التحرير القاهري - (أرشيفية)

جيرار شالياند* - (ليبراسيون) 2011/12/2
ترجمة: مدني قصري
الصعود السياسي المذهل للإسلاميين، الراديكاليين وغير الراديكاليين، في كل من مصر وتونس، وفي ليبيا، وحتى في المغرب، هو ظاهرة تنظر إليها العربية السعودية كانتصار مزدوج: انتصار الإسلام النضالي، وانتصار السنة.
ففي أعقاب الأزمة البترولية الأولى (1973)، سعت العربية السعودية، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية (التي كانت تحارب الشيوعية)، إلى تفعيل نضال تيار السنة في المنطقة. هذه السياسة التي تأسست على مقاعد المدارس، وفي فضاءات الوعاظ الراديكاليين، ما لبثت أن أثبتت على الأرض فعاليتها تدريجياً، من غرب أفريقيا إلى إندونيسيا، وقد تبلورت لفترة معينة حول أفغانستان تحديدا. وكان الدعم اللامحدود الذي حظي به المحاربون الأفغان ردا من السعوديين على التحدي الكبير الذي أطلقته الثورة الخمينية في اتجاه الولايات المتحدة الأميركية وضد السنة على السواء.
ليست موجة الحركة الإسلاموية الحالية في الحقيقة مثارا لأي دهشة، إلا أنها ينبغي أن توضع في سياق إسلامي خالص. فالعملية الثورية لا تنحصر في الاتصالات بواسطة الهواتف المحمولة التي تتيح للجنود المشاة الذين كانوا بالأمس معزولين إلى حد من الحدود، بأن ينسقوا تحركاتهم فيما بينهم. كما أنه لا ينبغي أن نخلط بين الانتفاضات الشعبية والعمل التعبوي السياسي المتواصل عبر الزمن. فالإسلاميون على اختلاف توجهاتهم ما فتئوا يحصلون على فوائد جمة، من أعمال نضالية جادة. وهذا العمل يقوم به، منذ عدة عقود كثيرة، مناضلون مخلصون. ويذكرنا هذا النوع من النشاط الاجتماعي والسياسي أيضا بتقنيات الثوار الذين كانوا ينتمون في الماضي للماركسية اللينينية. إن الإسلاميين يحققون انتصارات انتخابية مؤكدة، لأنهم منضبطون ومنظَّمون. فهل سينهجون سياسة الاعتدال في تونس؟ الإشارات التي تلوح في الآفاق تبدو مبشرة بالخير نسبيا. وقد شهدت البلاد نمواً اقتصادياً ملحوظاً منذ سنوات طويلة، وتمثل الطبقات الوسطى فيها جزءا مُهمّا من السكان. وأخيراً، فإن عدد سكان البلاد قليل نسبيا، وهي قريبة جغرافيا من أوروبا الغربية. ولذلك، لن تعزوها المساعدات وأشكال الدعم المختلفة.
وفي مصر يعيش الوضع الاقتصادي ظروفا رديئة للغاية. وقد سعى الجيش الذي يمثل نقطة الارتكاز في الدولة لأن يتحكم في عملية الاحتجاج، وفي الضغط الذي يمارسه الشارع. أما المواجهة التي انفجرت بين الجيش والشارع (بتياراته المختلفة)، فسوف تنتهي في النهاية لصالح الإسلاميين، ولفائدة حركات إسلامية أخرى. وأولئك الذين انتفضوا باسم الحرية والعدالة الاجتماعية سوف لا يلقون سوى الإحباط والخيبة.
أما ما أعلن عنه أحد القادة في ليبيا التي لم تجْر فيها أي انتخابات، بأن مؤسسات النظام المقبل سوف تحكمها الشريعة الإسلامية، وبأن تعدد الزوجات سوف يكون مشروعا، فأمرٌ يطرح أسئلة كثيرة، حتى وإن لم يكن ما أعلن عنه هذا القائد عن نية مقصودة حقا. فالشريعة قائمة على مبدأ فرض عقيدة دينية هي التي تحكم مجموع الحياة المدنية. الدين والمدينة متداخلان (منزلاً ودولة). وتعدد الزوجات أمر بديهي، وعصمة الطلاق في أيدي الذكور فقط.
وأخيرا، فإن الأقليات الدينية، في زمن تمجيد الهويات، تتعرض اليوم لمزيد من الضغوط، على عكس ما كان سائدا في الماضي في أرض الإسلام. وكذلك كان الشأن بالنسبة للأقباط في مصر، والمسيحيين في العراق.
وأما التحركات التي قامت بها الجاليات الشيعية في منطقة الخليج، فقد توقفت بالقوة من أجل الحفاظ على الوضع القائم. وقد حدث هذا من دون أي احتجاج من قبل دعاة الديمقراطية في الغرب، لأن أي انقلاب يحققه الشيعة ضد الحكم القائم قد يكون، ولو بطريقة غير مباشرة، في صالح إيران في النهاية.
وفي سورية، انطلقت السلطة التي تهيمن عليها أقلية علوية في عملية قمعية واسعة لم تتمكن منذ شهور عديدة من السيطرة على المعارضين، وخصوصا السنة منهم، والإسلاميين أحيانا. وليس أمام هذه السلطة المصرّة على عدم الاستسلام خيار آخر سوى الاستمرار في الاستعمال المفرط للقوة. وسوف يستمر اللجوء إلى القوة لفترة طويلة مقبلة.
أما تركيا السنية، التي ظلت لأمد طويل مقر الخلافة الإسلامية، فإنها تسعى لأن تلعب دورا حاسما في المنطقة، باستنادها إلى الدعم العربي، ودعم الغربيين، بل وحتى دعم منظمة الأمم المتحدة، من خلال مساهمتها في إنشاء منطقة عازلة آمنة على التراب السوري. وسوف تستعمل هذه المنطقة الآمنة كقلعة منيعة للمعارضين السوريين، وسوف تسمح لهم على هذا النحو بتهديد النظام تهديدا كاملا، والمساهمة في إسقاطه في النهاية. ومن خلال هذه الاحتمالات، سوف تكون سورية مسرحا لأعمال عنف أقوى بكثير من تلك التي شهدناها خلال الشهور الماضية.
وبدعم من دول خليجية، وبرضا الولايات المتحدة الأميركية، يجري الآن في سياق معاصر مسلسل جديد من الصراع، كان قد بدأ منذ قرون بين القوتين العظميين ذاتي تقاليد الدولة في آسيا الغربية: تركيا وإيران. فسقوط العلويين، مع ما يترتب عن ذلك السقوط من تبعات في لبنان وغزة، سوف يعوّض الهيمنة الحديثة للشيعة في العراق. هناك إذن، إعادة تشكيل جيو-سياسي مُهم يرتسم الآن في المنطقة، وسوف يؤدي إلى إضعاف إيران، ويفيد في النهاية كل الذين يتمنّون احتواءها.

* اختصاصي في الشؤون الجيو-سياسية والصراعات المسلحة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Le sunnisme étend son pouvoir régional

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق