كيف بقي الأسد في السلطة.. وكيف سيحاول الاحتفاظ بها؟

تم نشره في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2011. 01:55 مـساءً
  • متظاهرون سوريون يطالبون بإسقاط النظام - (أرشيفية)

توني بدران - (فورين أفيرز) 1/12/2011
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في 12 تشرين الثاني (نوفمبر)، علقت جامعة الدول العربية عضوية سورية بشار الأسد. وكان المسؤولون الأتراك أكثر صخباً: فبعد عشرة أيام من صدور قرار جامعة الدول العربية، دعا رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان الأسد صراحة إلى "إنزال (نفسه) عن هذا الكرسي"، متهماً إياه بأنه "جبان". وفي الأسبوع الماضي فقط، فرضت الجامعة العربية عقوبات على النظام، بما في ذلك تجميد أصوله، وإنهاء التعاملات كافة مع مصرف سورية المركزي، ووقف التعامل المالي مع الحكومة السورية. وقد امتنع العراق عن التصويت، و"نأى" لبنان بنفسه عن هذا القرار.
الآن، مع ذلك، ما يزال الأسد متمسكاً -وكان كذلك طوال الفترة التي تقارب السنة. وقد اعتمد على الدول الحليفة، وخصوصاً إيران وروسيا، في وقف الإجراءات الدولية، أملاً في كسب الوقت لإخماد ثورة المتظاهرين بنفسه. ورغم أن يده تصبح أضعف يوماً بعد يوم، فإنه سوف يستمر في نهجه. فذلك هو كل ما لديه.
كانت إيران هي الحليف الاستراتيجي للنظام منذ العام 1979. ولأكثر من ثلاثة عقود، عمل الحليفان معاً مع وكيل طهران، حزب الله، لمواجهة وموازنة الدول العربية الموالية للولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، كانت سورية بمثابة رأس الحربة لإيران، وجسرها إلى شرق البحر المتوسط، وخط الإمداد الرئيسي لحزب الله. وتبعاً لذلك، عبر الطرفان على حد سواء عن دعم قوي للرئيس الأسد خلال الأزمة الحالية، وليس من المرجح أن ينقلب أيّ منهما عليه في المستقبل.
إذا كان "لبنان وإيران هما رئتنا الاقتصادية"، كما قال مسؤول سوري مؤخراً، فإن "روسيا هي درعنا السياسية". وفي واقع الأمر، أحبطت روسيا مشروع قرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أوائل تشرين الأول (أكتوبر)، والذي كان يفترض أن يدين سورية بممارسة "انتهاكات خطيرة ومنهجية لحقوق الإنسان"، واقترح إجراءات محتملة -عقوبات اقتصادية بشكل رئيسي- ليتم النظر فيها ضد نظام الأسد. وتأمل الولايات المتحدة وفرنسا في إعادة النظر في القضية قريباً (حتى أن فرنسا دعت إلى إنشاء "منطقة آمنة لحماية المدنيين"، رغم أن الاتحاد الأوروبي لم يؤيد هذا الموقف)، وربما تحاولان الاستفادة من نشاط الجامعة العربية الجديدة للقيام بذلك. لكن لا توجد أيّ دلائل على تغيير في موقف موسكو. وفي الواقع، دانت روسيا قرار جامعة الدول العربية، واتهمت الولايات المتحدة بالتحريض على العنف في سورية وعرقلة الحوار.
بالنسبة لروسيا، تشكل الضغوط الغربية والتركية على سورية تعدياً على مجال نفوذها التقليدي. وفي الواقع، كانت علاقات موسكو العسكرية القديمة وطويلة الأمد مع دمشق قد مكنتها من ممارسة النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وما وراءها. وعلى سبيل المثال، غالباً ما تهدد روسيا بتقديم أسلحة متطورة لسورية من أجل انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة وإسرائيل. فيما تتيح سورية لروسيا أيضاً موطئ قدم في منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال منشأة صيانة بحرية مشتركة في ميناء طرطوس السوري. وفي العام 2008، كان هناك حديث حتى عن ترميم وتوسيع الميناء لاستيعاب وجود بحري روسي دائم، ولو أن شيئاً من ذلك لم يتحقق منذ ذلك الحين. وهكذا، لم يكن ينبغي أن يكون مفاجئاً أن تعلن موسكو بعد أن تحركت جامعة الدول العربية ضد الأسد، أنها سوف تستمر في الالتزام بجميع عقود التسلح مع الحكومة السورية، وأنها سترسل سفناً حربية لإجراء إصلاحات في سورية هذا الصيف (وكذلك في بيروت وجنوة وقبرص). وقد حاولت الدعاية السورية تحوير الأنباء لتبدو وكأن روسيا تقوم برسم "خط أحمر" حول سورية. لكن الروس كانوا، مع ذلك، أكثر دهاء: فقد صرحت مصادر عسكرية في موسكو لوكالة أزفستيا أن هذا التحرك كان مقرراً قبل عام، وأنها ليست له أي صلة مع الأزمة الجارية في سورية.
وحتى يفقد الأسد الثقة في الكرملين، فإنه يجب أن لا يخشى الأمم المتحدة. ولكن، هل يجب عليه أن يتخوف من حلف شمال الأطلسي (الناتو)؟
يتوقف الجواب على تركيا والولايات المتحدة. ففي بداية الأزمة، أخرت أنقرة الولايات المتحدة عن تبني سياسة تغيير النظام في سورية رسمياً. كان اردوغان صديقاً شخصياً للرئيس الأسد، وكان يخشى من الاضطرابات على حدود بلاده. وطوال فصلي الربيع والصيف، حاول رئيس الوزراء التركي التوسط في التوصل إلى حل سياسي للأزمة، لكن الأسد أبعده باستمرار. والآن، تدرك أنقرة أن الأسد ليس له مستقبل وقد وضعت ثقلها -مترددة قليلاً- وراء الانتفاضة.
مما لا شك فيه أن اردوغان قد تبنى سياسة واضحة قوية ضد الأسد. فقد وافقت تركيا أيضاً على التوافق مع بعض العقوبات التي فرضتها جامعة الدول العربية، وقدمت ملاذاً لقائد وعدد من ضباط الجيش السوري الحر، وهو مجموعة من المنشقين عن قوات الأسد، والتي كانت قد منعت قوات الأمن التابعة له من استعادة السيطرة على مدينة حمص الحيوية، من بين مناطق أخرى. وقد أشار وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى أنه في حال استمرت عمليات القتل، فإن أنقرة لن تستبعد التدخل المحدود لأسباب إنسانية. ويرجح أن يكون النموذج الأكثر احتمالا هو اقتطاع منطقة آمنة على طول الحدود -وهي ما تشير إليها دعاية النظام السوري أنها نوع من بنغازي سورية، مشيرين إلى قاعدة الثوار في ليبيا في وقت سابق من هذا العام.
ومع ذلك، فقد أحجم الأتراك عن وضع أقدامهم على الأرض. وسوف يرغب الأسد في إبقاء الأمور بهذه الطريقة. ويعتقد النظام السوري بأنه ما تزال لديه ورقتان ليلعبهما ليمنع أنقرة من التدخل النشط: الحرب الجارية التي تشنها الحكومة التركية ضد حزب العمال الكردستاني؛ وعدم رغبتها في الدخول في أزمة مع إيران.
ويقوم الأسد بإعادة العلاقات مع حزب العمال الكردستاني، ويسمح للجماعة بإقامة قواعد في الأراضي السورية، وهو أمر كان محظوراً في إطار اتفاق سلام أبرم في العام 1998 مع تركيا. كما كانت إيران تستخدم حزب العمال الكردستاني ضد تركيا أيضاً. وفي آب (أغسطس)، يقال إنها ألقت القبض، ثم أفرجت عن القائم بأعمال زعيم المجموعة أثناء عمليات في جبال قنديل. ويقرأ الأتراك هذه الخطوة بأنها رسالة للاستغناء عن دمشق. وعلاوة على ذلك، ووفقاً لصحيفة لو فيجارو الفرنسية، فإن الأسد سمح لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري؛ التابع لحزب العمال الكردستاني، بالعمل في المناطق الكردية في سورية. وفي المقابل، يُقال إن الحزب وافق على عدم المشاركة في الاحتجاجات إلى جانب المعارضة السورية العربية.
لكن الورقة الكردية ليست قوية، فيما يرجع بشكل أساسي إلى أنه لا يجري استثمار الأكراد السوريين أنفسهم في بقاء الأسد من الأساس. وفي الوقت نفسه، وخلال زيارته لقطر في تشرين الأول (أكتوبر)، حذر داود أوغلو من أن سورية يجب أن تتذكر الماضي، في إشارة إلى تهديد تركيا بغزو سورية في العام 1998 بسبب دعمها لحزب العمال الكردستاني. وقد أرسلت أنقرة تعزيزات إلى الحدود، وهو ما كان كافيا لإقناع دمشق بالتوقيع بسرعة على اتفاق لوقف جميع أشكال الدعم لحزب العمال الكردستاني.
وفي شرحه للظروف التي ربما تقرر تركيا التدخل بناء عليها بنشاط، أشار كبير مستشاري اردوغان للسياسة الخارجية، إبراهيم كالين، إلى أن ذلك لن يحدث قبل أن "يشرع مئات الآلاف من الناس... بالهجرة إلى تركيا". وإذا كان الأتراك لم يقرروا في الواقع انتهاج سياسة أكثر تشدداً، فإنهم سيرغبون أولاً بضمان تفويض دولي ودعم قوي من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لأن أنقرة لا تريد مواجهة انتقام سوري وإيراني محتمل وحدها.
ومع ذلك، وحتى مع أن فرنسا تطرح فكرة إقامة "ممرات إنسانية"، فإن بقية أعضاء حلف شمال الأطلسي لا يفعلون ذلك. وقد أحجم اللاعب الأكثر أهمية؛ الولايات المتحدة، عن التدخل المباشر. وبدلاً من ذلك، تدعو واشنطن إلى إرسال مراقبين دوليين وتعميق الضغوط الاقتصادية والسياسية. وكان التصريح الوحيد البارز حول ما يمكن أن يعجل في التدخل قد صدر عن ممثل الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي إيفو دالدر. فخلال حديث له يوم 7 تشرين الثاني (نوفمبر) في مجلس الأطلسي، قال إنه وضع ثلاثة شروط للنظر في إمكانية التدخل في سورية: "ضرورة واضحة، ودعم إقليمي، وأساس قانوني للعمل". وسارع إلى إضافة أن أياً من هذه الشروط لا ينطبق على سورية. ومن غير الواضح ماهية ما يصفه بأنه "ضرورة واضحة"، ولو أن سيناريو كالين عن موضوع مئات الآلاف من اللاجئين ربما يشكل تلميحاً. وتتضمن الإشارة إلى "أساس قانوني للعمل" الحصول على تفويض من الأمم المتحدة، وهو ما لا يرجح أن يحدث قريباً، نظراً لتمتع روسيا بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. والنتيجة هي أن كل لاعب سيداور حول الموضوع، حيث الولايات المتحدة تنظر إلى جامعة الدول العربية وتركيا لتولي القيادة، فيما يتوقع أن يظل الأخيران ينتظران أن تصبح الأمور أسوأ بما يكفي حتى يتدخل الآخر.
الآن، وأكثر من أي تدخل دولي وشيك، تتمثل مشكلة الأسد الأكبر في عدم قدرته على استخدام الوقت الذي اشتراه له حلفاؤه، والذي دفع ثمنه أعداؤه المتقلبون، لإحلال السلام واستعادة السيطرة الكاملة على الشارع من دون استخدام العنف بالقدر الذي يستدعي التدخل الخارجي في نهاية المطاف. ومع فشل الجهود المبذولة لإبعاد الفصائل المحلية عن بعضها بعضا، ظل الأسد يلعب لعبة ضرب كل طرف على رأسه وإعادته إلى حفرته على مستوى البلاد كلها مع المتظاهرين ومع العدد المتزايد من المنشقين عن الجيش. وقد عملت الاستراتيجية التي تصبح أكثر دموية باطراد على تضييق دائرة أصدقاء الأسد -في الداخل والخارج. ويتبقى له عدد أقل من الحلفاء داخل سورية يوما بعد يوم، وحتى الاعتمادية على روسيا وتردد الولايات المتحدة ربّما يصبحان في النهاية موضع اختبار في حال تعاظمت حصيلة الموت في سورية. ويكاد يكون من المؤكد أنها ستفعل.
وحتى مع ذلك، فإنه ليس لدى الأسد أيّ خيار آخر سوى الاستمرار في تجريب أنماط من كتاب الألعاب القديم. وفي أواخر أيلول (سبتمبر)، كان قد نُقل عن السفير السوري لدى الولايات المتحدة؛ عماد مصطفى، اعترافه بأن النظام سوف يواجه عزلة دولية خانقة. ومع ذلك، يقال إن مصطفى أضاف أن سورية سوف تدير وجهها شرقاً إلى روسيا والصين والهند على مدى العقد المقبل حتى ينسى العالم قمع النظام الوحشي. وعندئذ، وربما بعد عشر سنوات مقبلة، سوف تسعى كل عواصم العالم إلى التقارب مع دمشق. لكن المشكلة في هذا السيناريو هي أن معظم العواصم العالمية لم تعد ترى إمكانية نجاة الأسد من هذه الأزمة في أي مكان يقترب من طول هذه الفترة الزمنية.


* طوني بدران: زميل بحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: How Assad Stayed In Power-And How He'll Try to Keep It

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق