بدون أميركا.. سوف يتضاءل كثيراً عمل اليونسكو المهم

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

هيربي هانكوك *
 (الواشنطن بوست) 3/12/2011
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
لا أستطيع أن أتخيل عالماً من دون موسيقى وفن وسينما ورقص ومسرح وكتب. وسوف يكون ذلك وجوداً قاتماً بلا ألوان، مع القليل من التعاون والتواصل بين المواطنين. ذلك أن الفنون هي الغراء الذي يجمعنا معاً، وهي التي تحيك النسيج الثقافي لحياتنا، وهي التي تنثر البذور لإنتاج الخبرات الابتكارية المشتركة عالمياً.
وسط الأوقات الصعبة التي نعيشها اليوم -حيث تمس الحاجة إلى العقول المبدعة لحل مشاكلنا الجماعية- أفضت عملية السلام المتوقفة بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلى إيقاع ضحية غير متوقعة، واحدة أهتم بها شخصياً بعمق: اليونسكو.
عندما قامت أكثر من 100 دولة بالتصويت على عضوية فلسطين في منظمة اليونسكو في تشرين الأول (أكتوبر)، طلب قانون الولايات المتحدة إلغاء كل التمويل الأميركي لمنظمة اليونسكو. وقد منع ذلك الولايات المتحدة من دفع استحقاقاتها للعام 2011، والتي تشكل 22 % من ميزانية الوكالة. ومن دون وجود هذه الأموال، سوف تضطر منظمة اليونسكو إلى خفض برامجها، وربما خسران كوادر ووظائف لا تقدر بثمن. وسوف يضر هذا القانون بالولايات المتحدة كذلك، لأن بلدنا سوف يخسر نفوذه على عمل اليونسكو، والذي يتضمن تعيين مواقع التراث الثقافي، وتشجيع التسامح، وحماية حرية الإعلام وتشجيع الإبداع.
تقدم اليونسكو برامج محو الأمية في مناطق النزاع، والتي تساعد الناس على تطوير مهارات التفكير النقدي اللازمة لمكافحة التطرف العنيف. ومن دون توفر الأموال اللازمة، سيكون هذا واحداً من العديد من البرامج التي سوف تتأثر سلباً. وبالإضافة إلى ذلك، لن يكون لدى الفتيات في باكستان برنامج اليونسكو للتعليم الأساسي؛ ولن يكون هناك برنامج دعم وسائل الإعلام الحرة والتنافسية في العراق؛ وسوف تضعف تونس ومصر؛ وسوف يتوقف برنامج تعليم القراءة والكتابة لضباط الشرطة في أفغانستان؛ وسوف يتضاءل نشاط تدريب الصحفيين في المنطقة العربية.
ومع ذلك، ثمة العديد من الأميركيين الذين يهزون أكتافهم غير مبالين، في حين يحتفل آخرون بما يعتقدون بأنه القصاص العادل للأمم المتحدة. غير أنني أعتقد شخصياً وبقوة، بأن من الضروري أن نبقى منخرطين ومشاركين. إن اليونسكو تساعد على ضمان أن يبقى عالمنا حنوناً، حماسياً ومليئاً بالحياة.وعلى سبيل المثال: أقرت منظمة اليونسكو مؤخراً يوم 30 نيسان (أبريل) ليكون اليوم العالمي للجاز. وهذه فرصة لنشر إنجيل موسيقى الجاز، ورسالته للسلام والتعاون، وسماته الأميركية الفريدة من نوعها. وتحت يافطة اليونسكو، نخطط لإقامة حفلات وأحداث تعليمية وثقافية، من نيو أورليانز ونيويورك إلى ريو دي جانيرو وجوهانسبرغ وموسكو وبكين وما بعدها، وبالتالي خلق أرضية مشتركة بين حلفاء استثنائيين.
إن للجاز جذوره الممتدة إلى أواخر القرن 19، عندما بدأ العبيد الأفارقة المحرومين بتطوير أشكال جديدة من الموسيقى. وكانت جهودهم عفوية وعاطفية وارتجالية -وأصبحت العمود الفقري لموسيقى الجاز الحديثة. وقد كانت هذه الموسيقى بمثابة حجر الزاوية في مسيرتي المهنية، والأنغام التي شكلت قوة حياتي، والأصوات والألحان والنوتات التي ساعدت على تهدئة روع الملايين من الأرواح والسمو بها.
وباعتباري سفيراً للنوايا الحسنة لليونسكو، فإن لدي التزام المساعدة في تبديد الجهل والتضليل الشائع عن الثقافات والأديان والأعراق الأخرى، التي تقف حواجز أمام التواصل والعمل الجماعي. إن الناس يحتاجون إلى معرفة أن لدينا من القواسم المشتركة مع بعضنا بعضاً أكثر بكثير مما بيننا من الاختلافات.
وأنا لست جديداً على اليونسكو أو على السياسات التي تدوّم حول هذه الوكالة من وكالات الأمم المتحدة. فقد بدأ انتمائي إليها منذ 10 سنوات، بينما كنت أعمل على مشروع يوم الفلسفة الدولي قبل إعادة الرئيس جورج دبليو بوش الولايات المتحدة إلى المنظمة في العام 2003. وبعد فترة وجيزة، عندما تم تعيين السيدة الأولى لورا بوش سفيرة فخرية لليونسكو لمحو الأمية، لاحظت لورا أنه "بقيادة اليونسكو، يمكن أن تتحقق الحرية في جميع أنحاء العالم، مع الوعد بتوفير التعليم للجميع".
إن الموسيقى هي عنصر أساسي في حياتي، وأنا أقف برهبة أمام قوتها. وخلال العقود الطويلة من خبرتي، رأيت كيف يمكن للتفكير الابتكاري أن يحقق المعجزات، وأن يحدث ثورة في حياة المجتمعات ويؤثر فيها بشكل إيجابي، وكيف يمكن للموسيقى والفن والعلم والإيمان بالناس أن تُحدث تغييرات قوية في إنسانيتنا.
ويمكن لليونسكو أن تساعد على تعزيز الموسيقى كأداة لبناء السلام، فضلاً عن جوانب أخرى من الثقافة، مما يمكّن المجتمعات النائية والمتباعدة من العمل معاً لمصلحة جميع الأمم.
هذا هو السبب في أن مشاركة الولايات المتحدة في اليونسكو والأمم المتحدة يجب أن تستمر. وهذه في الواقع هي لحظة التحدي: فبعد أن فازوا بمقعد في اليونسكو، أصبح الفلسطينيون مؤهلين للانضمام إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية، المسؤولة عن حماية حقوق المؤلف والعلامات التجارية ومكافحة القرصنة. وقد أعرب القادة الفلسطينيون كذلك عن الاهتمام بالحصول على عضوية في منظمة الصحة العالمية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والرابطة الدولية للطيران المدني، التي تقوم بتنسيق الأمن الدولي لشركات الطيران.
بعد ولايتها الحالية، سوف يكون مطلوباً من الولايات المتحدة وقف مستحقات المساهمة المهمة المقدمة لكل هذه المنظمات كذلك، وهو ما من شأنه أن يجبر بلدنا على النكوص عن العالم. وفي الوقت الذي نواجه فيه تحديات تهدد وجود البشرية نفسه -التغيرات في الظروف المناخية، وانتشار الأوبئة والأمية- فإن حل هذه القضايا سيتطلب بذل جهود مكثفة من القادة والمواطنين من جميع الدول، وسوف يتطلب وجود عالم حيث يعيش الناس في وئام للتغلب على هذه العقبات التي تقف أمام بقائنا جميعاً على قيد الحياة. في هذه الأوقات الحاسمة، ثمة حاجة ملحة لعمل اليونسكو أكثر من أي وقت مضى.


*عازف لبيانو الجاز وملحن. وهو رئيس معهد مونك ثيلونيوس لموسيقى الجاز. وقد سمي سفيراً للنوايا الحسنة لليونسكو في تموز (يوليو) الماضي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Without the U.S., UNESCO would be greatly diminished

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق