لماذا تغير الانتخابات المصرية اللعبة على حساب ميدان التحرير؟

تم نشره في الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً
  • محتجون يحملون رفيقهم المصاب أثناء الاشتباكات الأخيرة مع قوات الأمن في ميدان التحرير - (أرشيفية)

توني كارون - (مجلة تايم) 28/11/2011
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
الرسالة التي تنطوي عليها الانتخابات التاريخية المصرية التي بدأت مؤخراً بإقبال حشود ضخمة على التصويت في مدينتي القاهرة والإسكندرية المليئتين بالاحتجاجات، تقول ببساطة: إن المستقبل السياسي المباشر لمصر لن يصاغ في ميدان التحرير أو من جانب الثوار الذين فقدوا في الأسبوع الماضي 40 من رفاقهم بسبب العنف الذي استخدمته القوات الأمنية. ولن يقوى المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الذي كان قد سهل أمر الإطاحة بالرئيس حسني مبارك في شباط (فبراير) الماضي على إضفاء الاستدامة على مطالبه باحتكار صنع القرار في الفترة الانتقالية. وعبر خلق جمعية منتخبة ديمقراطياً -بغض النظر عن مدى الشق الذي تحدثه قوانين الانتخابات المبهمة التي وضعها المجلس الأعلى للقوات المصرية المسلحة ومدى فترة محدوديتها التي قد تكون عليها وفق خطة المجموعة- فإن العملية الانتخابية التي قد يستغرق استكمالها شهوراً تخلق في واقع الحال صوتاً سياسياً تعلو شرعيته للتحدث عن المصريين على أصوات المجلس العسكري وميدان التحرير على حد سواء. وذلك قد يفضي، وعلى نحو معمق، إلى تغيير قواعد لعبة السلطة في مصر خلال الشهور المقبلة.
وكان ناطق بلسان المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية قد حذر في الأسبوع الماضي من أن "مصر ليست ميدان التحرير وحسب"، متعهداً بأن تمضي الانتخابات قدماً رغم الدعوات التي وجهت لتأجيلها، ومن أجل أن يتنازل العسكريون عن السلطة فوراً لصالح "حكومة إنقاذ وطني" مدنية مقبولة لدى الأطراف في ميدان التحرير. حتى أن الثورويين كانوا قد عرضوا منصب رئيس الوزراء على الدكتور محمد البرادعي الفائز بجائزة نوبل للسلام، والذي كان مديراً عاماً للوكالة الدولية للطاقة النووية، والمرشح راهناً للانتخابات الرئاسية المصرية، والذي ذكر أنه قبل العرض وتعهد بالتنازل عن محاولته خوض الانتخابات الرئاسية.
لكن لم تكن لميدان التحرير أي وظيفة فعلية ليعرضها خارج سياق الخيال السياسي المحموم الذي سعّر جذوة المعركة الشجاعة والدموية التي خاضها الثورويون للتمسك بالأرض، وحيث عمقت كل إصابة جديدة من شعور المحتجين بشرعيتهم الخاصة وأحقيتهم في صياغة مستقبل بلدهم. ومع ذلك، تجسدت الحقيقة الكئيبة في أن معظم القاهرة كانت قد ظلت صامتة على الجوانب خلال "الثورة الثانية" في الأسبوع قبل الماضي، وأن أعداداً ضخمة من القاهريين أقبلت وبتحمس على المشاركة في الانتخابات التي كانت قد رفضت على نطاق واسع من جانب أولئك المحتشدين في الميدان، باعتبار أنها غير ذات صلة أو أنها ستكون ذات نتائج عكسية.
ويتحدى الإقبال على الانتخابات في الأسبوع قبل الماضي وحده الصورة القائلة إن مستقبل مصر سيتقرر وفق نتيجة المواجهة بين ميدان التحرير والمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، حيث يدعي كلا الجانبين بأنه يتمتع بالشرعية الشعبية المؤيدة لادعائه بتوجيه الفترة الانتقالية لما بعد مبارك. وقد ادعى العسكريون أنهم يمثلون "الغالبية الصامتة"، وتعهدوا بأن لا يذعنوا إلى حشد "يهتف بشعارات". أما الذين يقودون مظاهرات ميدان التحرير، فقد طالبوا بإبعاد المجموعة العسكرية التي تحتفظ من الناحية الأساسية بالأسس الأوتوقراطية القمعية لنظام مبارك، مصرّين على تسليم السلطة إلى حكومة مدنية تنتقيها القوى السياسية المعارضة، وعلى أن "الآن ليس الوقت المناسب لإجراء الانتخابات".
لكن هناك خيارات أخرى كانت معروضة: فقد كانت احتجاجات الأسبوع قبل الماضي قد بدأت في الحقيقة على نطاق أكبر بكثير كتظاهرة سلمية دعت إليها حركة الإخون المسلمين للتظاهر احتجاجاً على خطط العسكريين الرامية لخندقة سلطاتهم الخاصة أمام أي حكومة منتخبة حديثاً. وفي الأثناء، ظلت مجموعة أصغر بكثير -بقيادة مجموعات ليبرالية علمانية متنافسة مع المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية وحركة الإخوان المسلمين لتأطير أجندة ما بعد مبارك؛ متوارية وراء من أجل "أعيدوا احتلال الميدان"- تواصل الضغط لتسليم دفة الأمور لحكومة مدنية منتقاة. واتخذت السلطات القرار بإخلاء هذه المجموعة بالقوة بعد أن أطلقت الموجة الأخيرة من الاشتباكات.
إلى ذلك، تعرضت حركة الإخوان المسلمين إلى انتقاد شديد من جانب المجموعات الليبرالية لفشلها في دعم الاحتلال المتجدد لميدان التحرير، حتى أن العديدين من أعضاء التنظيم تساءلوا باستنكار أكثر قوة عن تردد القيادة في تحدي الحملة العنيفة للطغمة العسكرية. وقد اتهمت المجموعات الليبرالية الإخوان المسلمين بـ"الانتهازية" بسبب إصرارهم على المضي قدماً في الانتخابات، لما يعود في جزء كبير منه للتوقع الكبير بأن سكون حزب الحرية والعدالة التابع للحركة الكاسب الأكبر في الانتخابات. لكن من الطبيعي أن يكون باستطاعة الإخوان المسلمين أن يتقدموا بالشكوى نفسها ضد مطلب الليبراليين لتأجيل الاقتراع الذي يرجح أن يهمشوا فيه؛ إذ تفتقر معظم الأحزاب الليبرالية إلى هوية سياسية واضحة، والأكثر، إلى تواجد الجذور الشعبية والآلية التنظيمية التي بنتها حركة الإخوان المسلمين في مجتمعات الطبقة العاملة رغم عقود من القمع.
على أنه من الطبيعي أن تكون حركة الإخوان المسلمين في مواجهة تحديات عديدة من الداخل (حيث تمثل بالكاد هوية سياسية متماسكة لها)، كما أنها تشارك الليبراليين رغبتهم في وضع حد لحكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، والحد من سلطات العسكريين في مصر ديمقراطية. لكنها تحتفظ بشكل واضح بفكرة مختلفة جداً حول كيفية وضع أسس الشرعية لحكم مدني. ومع أنها قد تكون خادمة للذات (وما الأنظمة السياسية التي ليست كذلك؟)، فإن حركة الإخوان المسلمين تصر على وجوب انتقاء حكومة مدنية من جانب الناخبين، لا من جانب نخبة سياسية. كما من المسلم بأنه خادم للذات على نحو مساوٍ، أن الليبراليين يريدون تسليم السلطة إلى حكومة يقرها شرعياً ميدان التحرير للإشراف على الانتخابات في موعد مستقبلي ما.
وكانت القيادة العسكرية التي يبدو أن هدفها هو تفادي الإشراف المدني والمحافظة على دور "وصاية" وضعته لنفسها على الفترة الانتقالية، وحتى على حكومة مستقبلية منتخبة، قد وافقت في الأسبوع قبل الماضي خلال مباحثات مع الإخوان المسلمين وأحزاب أخرى، على تقديم موعد الانتخابات الرئاسية -ومعها احتمال التسليم لحكم مدني- حتى الربيع المقبل. (وكان الجنرالات قد خططوا أصلا للقيام بهذا فقط في العام 1913). وحتى في ذلك الوقت، طلبت من الأحزاب القبول بتكليف رئيس وزراء سابق من عهد الرئيس المخلوع مبارك -كمال الجنزوري- برئاسة الحكومة، وهو اختيار رفضه المتظاهرون بشدة وغضب.
في الأثناء، لم تستشرف خطط المجلس العسكري البرلمان الذي يجري انتخابه راهناً في الاقتراع الذي بدأ يوم الاثنين قبل الماضي كجسم حاكم، وإنما كجمعية تأسيسية يكون الغرض منها ببساطة صياغة دستور جديد -تحت "إرشاد" المجلس العسكري، ومع مدى كبير مرافق من الداخل لتدخل العسكريين. لكن قادة الإخوان المسلمين قالوا في الأيام الأخيرة إن بإمكان برلمان منتخب أن يصبح نقطة التركيز في جهد جديد للحد من الحكم العسكري. ورغم رفضهم المشترك لمطلب الميدان الداعي لتسليم السلطة الفوري لحكومة مدنية غير منتخبة، فإن الإخوان المسلمين والعسكريين يتشاركون بالكاد في الأجندة نفسها -تزعم نظريات المؤامرة بالعكس، مع ذلك. وكانت خطوة تحوطية على وجه التحديد ضد احتمال تحقيق انتصار إسلامي في صناديق الانتخابات التي بدأها الجنرالات، وسط دعم من الليبراليين، بكتابة المبادئ "فوق الدستورية" التي ترمز لقوة فيتو الأمر الواقع التي أطلقت زناد احتجاجات الأسبوعين الأخيرين.
كما أن جماعة الإخوان المسلمين، من جهتها، تحب أن ترى السلطة وقد انتقلت إلى حكومة مدنية منتخبة. ومع ذلك، فإنهم على تلك الجبهة قد يكونون أكثر صبراً مقارنة مع بعض منافسيهم الليبراليين -عقود الخبرة التي يتمتعون بها في ظل الجبروت (الجزمة العسكرية الثقيلة) للرجال الذين يرتدون الأزياء الخاكية، والذين علموا الإسلاميين قواعد خوض اللعبة الطويلة، وزرعوا فيهم الحذر الغريزي.
سوف يحجب التصويت الذي بدأ مؤخراً مرة أخرى الأطراف الثوروية في الميدان، ليس لأنها ببساطة مضت قدماً بمشاركة الجماهير الأكثر شعبية من أولئك الذين يحتجون في الشوارع، وإنما -طالما لم تتم سرقة الانتخابات- تؤسس شرعية غير قابلة للتحول للمجلس التشريعي الناجم. ويستطيع الجنرالات بسهولة استبعاد الدعوات لتسليم السلطة إلى "حشد يهتف بالشعارات". وإنما ببساطة، وبموجب انتخابه ديمقراطياً، فإن البرلمان المنتخب حديثا يستطيع أن يدفع بقوة أكثر ضد مطالبة العسكريين بالسلطة.
وكان ملاحظاً، وفق كل الاعتبارات، أن الحشد في الميدان كان أصغر على نحو درامي يوم الأحد الذي سبق الانتخابات قياساً مما كان عليه خلال اشتباكات الأسبوع الذي سبقه. وكانت "الثورة الثانية"، حتى في أوجها أصغر بكثير، من حيث الحجم، قياساً مع أحداث شباط (فبراير) التي أفضت إلى خلع مبارك. وقد فشل ميدان التحرير في استقطاب الدعم الجماهيري -والرافعة التي تخص مجتمعات بأكملها من منتمي الطبقة العاملة وأعضاء من الضباط وصف الضباط من العسكريين- المنضمين إلى جهد الشعب الرامي لقلب الطغمة.
كما أن التحذير الذي حدا بالإخوان المسلمين إلى التحوط في إلقاء رهاناتهم على احتجاجات ميدان التحرير الأخيرة قد يعكس وعياً بحقيقة أن معظم المصريين العاديين بدوا وأنهم يتوافرون على شهية ضئيلة لاندلاع موسم جديد من الفوضى. وقد وجدت استطلاعات الرأي العام أن معظم المصريين يبدون تلهفاً إلى عودة النظام فيما بعد مبارك، مع مستويات عالية من الدعم للعسكريين، حتى لو أن ذلك يأتي مصحوباً بخيبة أمل واسعة النطاق من إشرافهم. ومع ذلك، فإن فكرة أن غالبية المصريين سيشعرون براحة أكثر مع حكومة مدنية غير منتخبة يرأسها البرادعي الذي يظل مثل الكثيرين من الساسة الليبراليين غير معروف نسبياً، قياسا مع ما يشعرونه مع المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة، سيظهر أنه تفكير أمنيات متى ما اتضح كيف تنتخب الأحزاب الليبرالية.
وعليه، وبينما قد يكون الإخوان المسلمون فقدوا الدعم في الميدان نتيجة لردة فعلهم على الاحتجاجات الأخيرة، فإن من المرجح أكثر أنهم عوضوا عن ذلك من دعم مئات الآلاف من المصريين العاديين الذين اصطفوا في الطوابير من أجل التصويت. ويبدو، في الأثناء، أن الإسلاميين يفهمون أن الحركة السياسية قادرة على حشد وتنظيم الدعم الشعبي الأقوى الذي سيحمل اليوم الأنظمة السياسية فيما بعد مبارك.
ذلك هو الدرس الذي ربما يتعلمه العديد من أولئك الذين يتمسكون بميدان التحرير على حسابهم الخاص.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Why Egypt's Election is a Game-Changer at the Expense of Tahrir Square

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق