ندوة في "فيلادلفيا" تؤكد أن الفلسفة تنتمي للطبقة الأعمق من الوعي الاجتماعي التاريخي

تم نشره في الأحد 4 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

عمان - الغد - قال د.هشام غصيب إن علينا أن نقرّ أن الفلسفة تنتمي إلى الطبقة الأعمق من طبقات الوعي الاجتماعي التاريخي، لافتا إلى أن الفلسفة هي الإيماءة الأعمق للوعي البشري، ومن ثم للذاتية البشرية، فالتحويل الذي يتكلم عنه هيغل، أي التاريخ بوصفه سيرورة تحول الموضوع إلى ذات، يصل أوجه في الفلسفة.
وأضاف غصيب، في ندوة أقامتها كلية الآداب بجامعة فيلادلفيا الخميس بمناسبة "اليوم العالمي للفلسفة"، أن من الضروري تحويل الفرد إلى ذات مفكرة، وفي مقدمة العمليات الاجتماعية في هذا الصدد هي العملية التعليمية.
وأقر "اليوم العالمي للفلسفة" بمبادرة من منظمة اليونسكو منذ العام 2002 من أجل دعم الفلسفة، وترسيخ مكانتها التقليدية، كي تتابع رسالتها العالمية في خدمة التنوع الثقافي، والسلام العالمي، وتعزيز التعاون الدولي بشأن المسائل المتصلة بتعليم الفلسفة.
وشارك غصيب في الندوة، التي أدارها أستاذ الفكر والحضارة في جامعة فيلادلفيا د.موسى برهومة، وحضرها عدد كبير من طلبة الجامعة وأساتذة كلية الآداب، وأعقبها نقاش مثير، د.توفيق شومر الذي عاين أوضاع المعرفة في العالم العربي، مشيرا إلى فقدان الأغلبية لحافز القراءة والمطالعة للموضوعات الفكرية والمعرفية الجادة.
وناقش هذا الأمر المقلق د.غصيب، مشيرا إلى أن التعليم الفلسفي ينطوي على الفرق بين تحويل الكتلة التاريخية إلى قطيع يؤمر ويوجه من خارجه وبين تحويلها إلى عامل ثوري للتغيير. فالتعليم الدغمائي يولد القطيع، فيما يولد التعليم الفلسفي كتلة من الذوات المفكرة الحرة، أي كتلة تاريخية ثورية. من ثم، فإن الروح الفلسفية تولد الذات الفردية المفكرة والفاعلة والذات الجمعية المفكرة والفاعلة.
وأضاف الرئيس السابق لجامعة الأميرة سمية، وأستاذ الفلسفة والفكر فيها، إن الروح الفلسفية تدخل جوهرياً في تشكيل ما أسماه أنطونيو غرامشي المثقف العضوي، أي التجسيد الفردي للوعي الجمعي أو الوعي الطبقي. فالمثقف العضوي ليس مجرد ذات مفكرة أو مجرد فرد فاعل، وإنما هو أيضا تجسيد لوعي اجتماعي أو طبقي. وبهذه الصفة فهو قوة اجتماعية ومنظم لجماعة أو كتلة تاريخية وقيادي فيها. فهو مدرك لتاريخيته وجوهره الاجتماعي ولجذوره الراسخة في المجتمع والتاريخ. وهو يدرك انتماءه الموضوعي لجماعة وطبقة وأمة، ومن ثم يدرك مسؤوليته الجمعية صوب الكل الاجتماعي التاريخي.
وتابع صاحب كتاب "هل هناك عقل عربي؟" أن موضوع فعل المثقف العضوي واهتمامه هو ليس ذاته بوصفه فرداً، وإنما هو هذا الكل الاجتماعي التاريخي. وعليه أيضاً، فهو يمثل الوحدة الجدلية بين الفردي والجمعي. وتدخل الفلسفة، بوصفها الصراع الطبقي على الصعيد النظري، حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي، لوي ألتوسير، في تشكيل المثقف العضوي. فالفلسفة بطبعها تغوص إلى أعماق الوعي، ومن ثم تتخطى سطحه الفردي صوب أساسه الاجتماعي التاريخي الجمعي. وعليه، فإنها تدخل جوهرياً في تشكيل شعوره التاريخي الاجتماعي، ومن ثم في تشكيل ذاته مثقفاً عضوياً.
وتناول غصيب، خلال الندوة، مشكلة العقلانية، أو بالأحرى مشكلة غيابها، في الوطن العربي اليوم، موضحا أن العقلانية العربية القديمة هُزمت في العصور الوسيطة وظلت مهزومة حتى وقتنا الحاضر. ويبدو لي أنه لا يمكن لنا تحقيق أي تقدم حقيقي على درب عودتنا إلى التاريخ بدون أن نعيد تملك العقلانية، ولكن بصيغتها الحديثة. ولا يمكن أن نفعل ذلك إلا عبر تملك العلم الحديث والفلسفة الحديثة.
أستاذ الفكر والفلسفة في جامعة فيلادلفيا د.توفيق شومر أكد أن الثقافة العامة لا تُصنع بشكل فردي. وهي بالضرورة لا يمكن أن تنتشر بعفوية، بل هي نتاج مجموعة من الممارسات التي تدفع بنوع معين من المعرفة إلى الواجهة، وتلغي غيرها من المعارف. وبحسب مهدي عامل فالفكر والثقافة اليومية هي التعبير الذي به تسيطر الطبقة البورجوازية على ساحة الفكر، بينما الفكر النقيض يصارع كي يظهر على الملأ. ولكن الفكر النقيض اليوم في حالة فقدان التأثير وفقدان الانتشار.
وأعاد شومر فعل التفلسف والفلسفة إلى جذوره في الثقافة العربية الإسلامية، مبيّنا أن هذا الفعل نشط بشكل كبير مع بداية الدعوة الإسلامية، وقد كان النشاط الفلسفي الأهم حينها هو علم الكلام. واستمر الفعل الفلسفي بالتطور والانتشار إلى أن أضحت الفلسفة من أهم العلوم، وكان الخلفاء يقربون الفلاسفة إلى مجالسهم، وهذا ما توضحه لنا بجلاء الروايات الفكرية المهمة التي يقدمها لنا أبو حيان التوحيدي في كتبه "الإمتاع والمؤانسة" و"الصداقة والصديق" و"المقابسات"، كما يمكن الاستدلال على ذلك من الكثير من كتب السير لتلك الحقبة.
لكن الفلسفة، بحسب صاحب كتاب "مهارات التفكير"، لم تبق في مكانتها، وعلى الأخص أن الواقع السياسي للمنطقة تغير. لكنه، رغم ذلك، يشدد على أنه لا يمكن للفرد أن يبتعد عن الفلسفة، كما لا يمكنه أن يبتعد عن السياسة. فكل موقف يتخذه الإنسان في حياته هو انعكاس لموقف فلسفي، والموقف الرافض للفلسفة هو بحد ذاته موقف فلسفي. وإن كان الفكر الذي سيطر في فضاء الحضارة العربية الإسلامية منذ القرن السادس الهجري هو ذاك الذي يمنع البحث الفلسفي ويعلق العقل، فهذا لا يعني أن النظر الفلسفي يمكن الاستغناء عنه.
ويؤكد شومر أن الفعل الفلسفي فعل راق، ويحتاج إلى ازدهار حضاري، فكلما ارتقى المجتمع على المستوى الحضاري ارتقت الفلسفة وتحولت لتكون في الموضع الأهم في حلقات الإنتاج المعرفية. وإذا أردنا كمجتمع عربي أن نعيد أمجاد الفكر العربي فهذا لن يكون بالانعزال عن الفكر الإنساني والفكر العالمي، إنما يكون بحركة النقاش والسجال مع هذا الفكر، وفي الوقت ذاته بتحول الفلسفة ولغتها لتكون لغة مفهومة لدى المجتمع المحيط، كي تنهض بمهارات التفكير ومهارات بناء المحاججة ومهارات الإقناع.

التعليق