الاضطرابات في مصر.. من سيستفيد من الفوضى؟

تم نشره في السبت 3 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

تقرير خاص – (الإيكونوميست)  

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تمتع الباعة المتجولون سريعو البديهة في ميدان التحرير القاهري بحركة تجارية ثابتة، ولو أنها تتراجع، في بيع الأعلام والملصقات الثورية منذ أطاحت الاحتجاجات الحاشدة بنظام حسني مبارك في شباط (فبراير) الماضي. لكن تلك الهدايا التذكارية أخلت في الأيام الأخيرة مكانها لسلعة أكثر سخونة ومبيعاً. فمع نشر شرطة مكافحة الشغب سُحب الغاز الخانق المسيل للدموع على مدار الساعة، ومع انتفاخ كتلة الحشود المثابرة في ميدان التحرير مرة أخرى لتصل إلى مئات الآلاف، تبين أن سوق أقنعة الغاز الرخيصة صينية الصنع تنتعش بطريقة مجزية.
وعلى الناحية الأخرى، لا يبدو حكام مصر وأنهم ينتبهون إلى مثل هذه الحكمة الجديدة للشارع المصري. وعندما استولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الهيئة المكونة من 24 جنرالاً، على السلطة في أعقاب سقوط الرئيس مبارك، عبّر المصريون بشكل عام عن مشاعر الفرح والارتياح، ووعد المجلس العسكري بإجراء إصلاحات شاملة، وبعودة سريعة إلى الاستقرار، وبانتقال سريع إلى الحكم المدني المنتخب.وبدلاً من ذلك، ظل البلد ينتقل خلال هذه الفترة من أزمة إلى أخرى. ففي غياب أيّ أفق سياسي واضح، أو أيّ سياسات براغماتية واقعية وجريئة، تعثر الاقتصاد هابطاً إلى مستنقع راكد، حتى عندما مدد الجنرالات أجندتهم من أجل الديمقراطية من أشهر إلى سنوات، وألمحوا إلى أن من المتوقع أن يحتفظوا لأنفسهم بدور مهيمن حتى ذلك الوقت.
لم تكن هذه هي الثورة التي يشعر كثير من المصريين أنهم قاتلوا وعانوا من أجلها. وتقف مشاعر الإحباط جراء التعرض للخداع، والخوف من العودة إلى طرائق دكتاتورية السيد مبارك التي امتدت 30 عاماً، تقف وراء أحدث عودة دراماتيكية إلى الاحتجاجات في الشوارع. وعندما عادت شرطة مكافحة الشغب الموسومة بالوحشية التي ساعد في قدح زناد انتفاضة العام الماضي، إلى استخدام القوة القاتلة لطرد عدد قليل من المتظاهرين في ميدان التحرير يوم 19 تشرين الثاني (نوفمبر)، بناء على أوامر من الجنرالات وبمساعدة من الشرطة العسكرية، نفد صبر الثوريين المصريين المصابين بخيبة الأمل.
وخلال احتجاجات الأيام القليلة التالية التي بلغت ذروتها يوم 22 تشرين الثاني (نوفمبر)، نزل عشرات الآلاف من المصريين إلى ميدان التحرير في أكبر تجمعات من نوعها منذ الأيام الأخيرة لحكم السيد مبارك. ومرة أخرى، تركز غضب المحتجين على هدف إسقاط الرئيس. وفي هذه الفترة الانتقالية المؤقتة، كان الانقسام السياسي بين العلمانيين والإسلاميين، والرجعيين والتقدميين، قد منع قيام وحدة مماثلة حول هدف واحد. ولكن، وفيما كانت الاشتباكات مع قوات الأمن، ليس فقط في ميدان التحرير وإنما في عشرات المدن المصرية الأخرى أيضاً، تنتج حصيلة خسائر متصاعدة –حيث قتل 40 متظاهراً وجرح 3.500 في مصر في الأسبوع الذي أفضى إلى 23 تشرين الثاني (نوفمبر)، وفقا لوزارة الصحة- وجد الغضب طريقه إلى الواجهة مرة أخرى.
هتف الحشد الهائل في ميدان التحرير: "ارحل! ارحل!" وكان هذا الطلب موجهاً هذه المرة إلى المشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع المصري البالغ من العمر 76، ورئيس الدولة الفعلي الآن، في ترديد لصدى الهتافات التي حددت أقدار السيد مبارك. ومع ذلك، كان هذا التخصيص بلاغياً في معظمه. أما الرغبة الأوسع، والتي لا يتقاسمها الآن المتظاهرون في ميدان التحرير فحسب، وإنما تنتشر عبر طيف واسع من الرأي العام المصري، فهي أن يتخلى الجيش عن السلطة في أقرب وقت ممكن، والذي يظن كثير من الناس الآن أنه فقد شرعيته.
وفي ترجيع آخر لصدى مشهد الشتاء الماضي، استجاب الجنرالات للحدث المفاجئ بطرق يعتبر الكثيرون أنها تعرض القليل جداً، وتأتي متأخرة جداً. ففي انحناء لمطالب طويلة الأمد، والتي بدت كما لو انها نبتت فجأة، وعد المشير طنطاوي بإجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية حزيران (يونيو)، وبإطلاق سراح السجناء السياسيين، وبالسماح بإجراء تحقيق نزيه في انتهاكات قوات الأمن. وبينما أعاد تأكيد عزم الجيش على ترك الحكم في نهاية المطاف، أشار حتى إلى إمكانية ذهابه في وقت قريب، في حال عبر الناس عن هذه الرغبة في استفتاء. وفي تصرف أكثر قرباً، قبل استقالة مجلس الوزراء المدنيّ المعيّن، الذي يُنظر إليه على أنه أصبح ضعيفاً بسبب تدخلات المجلس العسكري. وأجريت المناقشات لتعيين ما توقع الكثيرون أن تكون حكومة جديدة تتسم بتمثيل أفضل للقوى السياسية المختلفة، ربما تحت رئاسة أحد المرشحين الرئيسيين للرئاسة.
وقد ذهبت بعض هذه التحركات بشكل ما باتجاه تلبية المطالب الشعبية. ومن الجدير بالملاحظة أن جماعة الإخوان المسلمين، التي تعتبر الطرف السياسي الأقوى في مصر، قد أعربت عن دعمها الحذر لهذه الإجراءات. ومع ذلك، وبرفضها الانضمام إلى التظاهرات في ميدان التحرير، عرضت جماعة الإخوان نفسها أيضاً لانتقادات حادة، فضلاً عن حدوث جولة أخرى من ارتدادات الشباب الذين يستلهمون العمل الثوري أكثر مما يستلهمون نهج قادة الحركة المعمرين. وقد رفض العديد من السياسيين البارزين، بمن فيهم محمد البرادعي، الحائز على جائزة نوبل للسلام، بوضوح قبول دعوة للقاء الجنرالات في محاولة لاستعادة الهدوء. وقال البرادعي إن الحلول ينبغي أن تأتي في هذا المنعطف من ميدان التحرير، لا أن يفرضها المجلس العسكري الحاكم الذي يجب أن يعود إلى ثكناته بدلاً من إدارة شؤون البلاد.
ومع ذلك، سيكون من الصعب على شعب مصر الذي ينشطر باطراد، التعبير عن رأيه من خلال الدوامة الماثلة في ميدان التحرير. ثمة خلافات كبيرة ما تزال قائمة بين القوى السياسية. وقد أصبح الكثير من الناس، وخصوصاً من الطبقة المصرية العاملة التي تواجه آفاقاً اقتصادية قاتمة، ينظرون باطراد إلى الاحتجاجات، وحتى إلى الطبقة السياسية عموماً، باعتبار أنها السبب في مشاكلهم بدلاً من أن تكون مصدراً للأمل.
في عالم مثالي، سيكون الجواب على مثل هذه المآزق هو إجراء انتخابات لإنتاج قيادة جديدة بولاية واضحة. وقد تقرر أن تفتتح الاقتراعات الأولى في مصر ما بعد الثورة يوم 28 تشرين الثاني (نوفمبر). لكن السياسة في الدولة العربية الأكثر سكاناً وتأثيراً تظل مقسّمة بين عشرات الأحزاب، ومستقطبة بشكل صارخ بين الاتجاهات العلمانية والدينية. وقد اختار المجلس العسكري، تحت الضغوط التي تحاصره من جميع الجهات، نظاماً انتخابياً معقداً حتى أنه يبدو كما لو أنه صمم لتوليد البلبلة والجدل بدلاً من فرز نتائج حاسمة.
سوف تقام انتخابات مجلس الشعب على ثلاث مراحل، عبر مناطق مختلفة، على مدى الأسابيع الستة المقبلة، تليها انتخابات مجلس الشيوخ الذي يُعرف باسم مجلس الشورى في مدة زمنية مماثلة. وقد وضعت أحداث العنف الأخيرة الحكمة من وراء إقامة هذه الانتخابات في هذه الآونة موضع الشك. ويبدو من المرجح أن ينتج هذا التصويت نتيجة منحرفة. وتتمتع جماعة الإخوان المسلمين الخبيرة سياسياً، الممولة والمنضبطة جيداً، بضمان الظهور بشكل قوي. كما خلق السلفيون الأصوليون لنفسهم شبكات ذات جذور قوية في أوساط الفقراء. وقد يبلي الرجال الأقوياء المحليون للحزب الحاكم السابق حسناً أيضاً، في حين يُحتمل أن يكون الخاسر الأكبر هو الأحزاب الجديدة التي تدافع عن روح الثورة في مصر. ولذلك، ثمة القليل من الغرابة في أن تكون هذه الأحزاب قد خرجت مرة أخرى إلى الشوارع مرة أخرى، وبقوة.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Egypt’s turmoil: Who will benefit from the chaos?

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق