روح

مسامحة النفس والمغفرة لها: دعوة إلى النظر بواقعية للمشكلة

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • المواجهة والاستعداد للتغير يساعدان على مسامحة النفس -(أرشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- لحظات من تأنيب الضمير والألم والشعور اللامتناهي بالذنب واللوم وجلد الذات، التي نختبرها حين لا نقدر على المغفرة لأنفسنا عن أمر فعلناه، ومسؤوليتنا بتسببنا بمشكلة كبيرة ومصاب لمن حولنا، يعوق تقدمنا، ويتركنا هناك محاصرين في تلك اللحظة، التي وقع فيها الحدث، لتمضي الأيام، والشعور يزداد سوءا أكثر فأكثر.
إن لم نقدر على المغفرة لذاتنا، فلا أحد غيرنا سيفعل ذلك من أجلنا، ولن نكون قادرين على متابعة السير من أجل شفاء أرواحنا من الألم والمسؤولية، ما يولد مشاعر سلبية تؤثر على صحتنا ونفسيتنا وذاتنا، وتدفعنا إلى الخلف، بدلا من التقدم، حيث نصبح غير قادرين على البدء من جديد، ونفقد الرغبة في تجربة أمور كثيرة، وحتى القدرة على الحب والعطاء، لنصبح منعزلين ومحصورين في قوقعة غير مرئية، وكأننا قنبلة على وشك الانفجار من الألم والغضب، ومهما حاولنا فلن نغير شيئا، إن لم نتوقف عن تحميل أنفسنا المسؤولية بشكل درامي.
فحين لا نغفر، نفقد القدرة على الرؤية بوضوح، وتضيع بوصلة الأمان في داخلنا، ونشوه كل أمر جميل، فالغفران مثل النظارات التي تتيح لنا رؤية الجانب الجيد والسعيد والبريء الصادق في الحياة، ومن لا يملك القدرة على المسامحة والمغفرة، فهو محمل بثقل وعبء كبيرين، يمنعان صاحبه من الاستمتاع بالحياة، ومن لا يغفر لنفسه لن يملك القدرة على المغفرة للآخرين أبدا، ففاقد الشيء لا يعطيه؛ بحسب موقع oprah، وهذه هي ديناميكية الغفران.
بينما حين نغفر، وبحسب المستشار الروحي والنفسي غاري زوكاف، فإننا نخفف الحمل عن كاهلنا، وتخف أثقالنا التي نحملها، وتصبح النظارة التي نرتديها أكثر وضوحا، بحيث ترينا الأشياء الجميلة، ونتحرر من كل الجهات، والمغفرة لا تتعلق باستحقاق ذاتك أو الآخرين لذلك، فكلاهما يستحق المغفرة، والأمر كله يتعلق فيما إذا أردت أن تمضي بقية أيامك مثقلا بحالتك هذه، وتشعر بالأسى على نفسك، أم تريد العيش بوضع طبيعي، وتبتسم من جديد.
كل شيء يتطلب وقتا؛ فمسامحة الآخرين على أمر اقترفوه بحقنا، تأخذ وقتا وتمضي الأيام حتى نتقبل ما حصل، ولكن يجب أن لا نقف عند تلك اللحظة، ونعيش الألم مرات ومرات، بل نجعله عبرة لنتفادى ما حصل ونكون أكثر حذرا، وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على أنفسنا، فنحن حين نتحمل المسؤولية، وندرك ما فعلنا، نصبح في حقيقة الوضع بواقعية أكثر، وندرك أنه مهما فعلنا فلن نغير ما حصل، ولكننا نستطيع تغيير القادم حتما.
فنحن لا نريد أن نكون تعساء حتى بقية حياتنا، بحسب زوكاف، والأمر يبدأ بخطوة صغيرة هي خلق صلة جديدة مع ذاتنا، وكأنها علاقة جديدة نبدؤها من الصفر؛ حيث نعطي الفرصة للشفاء، والرغبة به كافية للانطلاق ولو ببطء، فالسرعة لن تجعلنا أفضل، فكل شيء يأخذ وقتا، وهذا هو الوضع الطبيعي، لنحدد المسار الذي نريده، وهكذا تمضي الأيام ببطء، فيما نحن نفكر بأنه آن الأوان للتحرك والتغيير.
فما من فرد كامل ولا يخطئ، ولكن تعاملنا مع الأخطاء وتقبلنا ما يحصل من نتائج وتحملنا للمسؤولية، هي ما تجعلنا أقوياء أو ضعفاء، قادرين على المضي قدما في حياتنا، أو الوقوف عند كل حدث والندب والندم وتصعيد الأمور، بحيث تبدو الحياة وكأنها توقفت عندنا، علما أن الحياة لا تنتظر أحدا، وما يمضي من أيام لن يعود، والخاسر الوحيد هو نحن في هذه الحالة. لا بأس من الحزن والشعور بالندم، ولكن إلى متى، فالندم دافع للتعلم لا للتوقف، وهو دافع لتوخي الحذر، وهنا يأتي دور إعادة فتح القلب والعقل مرة أخرى والأبواب كافة للحياة، بعد مواجهة أمر مؤلم، وهو خيار في كيفية تأطير ما حدث واستيعابه، فهو يسمح لك بالقول "أنا مستعد للنظر في طريقة أخرى لضبط الأمور".
ويأتي حب الذات في المرحلة التالية للمغفرة للنفس، فالذنب مصطلح، بعد الوصول إلى مرحلة الاستعداد وتقبل ما حصل، ينبغي رميه في سلة المهملات، والتخلص من كل السلبيات السيئة، بحيث يكون هذا عاملا حاسما للخروج من دائرة الذنب ولو قليلا.
فنحن لا نتوقف عن الشعور بأننا ارتكبنا خيانة كبرى وجريمة نستحق الموت من أجلها، ونخلد فيها عن ذاتنا، وبدلا من ذلك، يجب أن نعانق أنفسنا، وندرك أنه ما من مصيبة، إلا وستزول وهي امتحان يقوي النفس، ويزيد من النضوج، وحتى أنه يمنحنا حكمة أكبر على فهم الحياة بشكل أعمق بعد هذه التجربة العميقة.
ولتكن المواجهة هي السلاح الأكبر لصد هذا الشعور الذي يسمى بعقدة الذنب؛ فمعظم الناس، بحسب زوكاف، لديهم اعتقاد خاطئ، بأن عمق الحزن يعكس اهتمامنا وندمنا على حب فقدناه وعزيز أزعجناه، وحتى سوء اقترفناه، ولا تعد خيانة لكل من نهتم بهم عند المضي قدما في الشعور بالألم وتجاوزه، وهي ليست خيانة وتقليلا من هول الواقعة، بل الواجب محاولة إزالة أي غموض يكتنف ما حصل ويلفه، ويوضح دوافعنا، وإن بدت لغيرنا خاطئة، ولكنها جاءت في تلك الظروف، وهي خيار اخترناه لما أقدمنا عليه، وكانت النتيجة مدمرة ربما أو خاطئة، بحيث انعكست على من حولنا، وسببت لهم خسائر إلى جانب الخسائر التي تكبدناها. فمحاولة التوضيح وإزالة أي غموض يكتنف الشعور بالذنب، تساعد على فهم الخوف، الذي يدفعنا للتوقف عن الحركة ويشلنا.
ولكن كل هذا لا يحدث إن لم نمنح أنفسنا الإذن بالشفاء والتعافي، فهذا جزء من مسامحة الذات وإدراك أنه ما من داع للمضي قدما في هذا العقاب، وحتى معاقبة من حولنا على تصرفاتنا التي تؤلم من يهتم لأمرنا، فحالنا هذه لن تسرهم أبدا، ومجرد تقبل فكرة التقدم والتغيير هي دعوة لطرد الألم وشفاء جروح القلب، للتمكن من منح مشاعر نقية وصافية، وليست ملوثة وحتى غير واضحة.
وللخروج من الحالة التي نعيشها، يكون للعلاقات التي ننشئها دور كبير في تغيير البيئة المحيطة، وممارسة أنشطة مختلفة لا تذكرنا أو تربطنا فيما حصل، فمن الممكن أننا نمسك أنفسنا ونمنعها من توقع أمور واقعية، ونرسم دوما توقعات مبالغ بها لا علاقة لها بالصحة، فأنت بحاجة لتقرير، إن كنت تريد العيش بألم، أو تريد بداية جديدة بميحط مختلف، يساعدك على العيش بوضع طبيعي.
يبقى القول إن مسامحة النفس والمغفرة لها، لا تعنيان التنصل من واقع أخطائنا، بل هي دعوة للنظر إلى الحقيقة كما هي، ومعرفة أن كل أمر وخطوة نقدم عليها، يجب التفكير بكل عواقبها، فلا شيء يحصل بمحض الصدفة، وهذا جزء من النضوج العقلي والعاطفي، والألم دوما مرتبط بقوة الفرد وثقته بنفسه والتخلص من سلبيات الخيارات الخاطئة، وتحمل المسؤولية وجلد الذات لن يغيرا ما حصل، بل سيعقداه، فلنكن رؤوفين مع أنفسنا وحازمين في الوقت ذاته حتى لا نكون أطفالا.

israa.alhamad@alghad.jo

التعليق