فلسطين: نهاية دورة أوسلو

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • وزير خارجية السلطة الفلسطينية رياض المالكي قبل تقديم خطابه في مقر اليونسكو في باريس -(أرشيفية)

حوار: ألكسندرا شوارتبرود*
- (ليبراسيون) 9/11/2011

ترجمة: مدني قصري

لا تملك فلسطين بعد حصولها على عضوية في اليونسكو أي فرصة للاعتراف بها من قبل الأمم المتحدة، سواء في الأسابيع أو حتى الأيام المقبلة، بسبب اعتراض الولايات المتحدة الصريح على ذلك. في هذا الحوار، يوضح لنا جوليان سالينغ؛ المختص في الشؤون الفلسطينية، رهانات هذه القضية بالنسبة للقيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
* أحدث الخطاب الذي ألقاه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في الأمم المتحدة فرحا عارما في رام الله، لكننا لم نر هذا الفرح لدى كسب التصويت في اليونسكو، لماذا؟
- الفلسطينيون كانوا يعلمون أن هذا التصويت لن يغير في ظروف حياتهم شيئا، وأن هذا التصويت قبل كل شيء تصويت رمزي ليس إلا. كان هذا بمثابة نجاح للسلطة الفلسطينية التي تعلم أنها لن تحصل على وضعها القانوني كدولة عضو في الأمم المتحدة. وكانت هذه السلطة إذن في حاجة إلى انتصار ما... وما أستخلصه أيضا من هذا التصويت هو أنه لم يكن هناك سوى 107 أصوات قالت "نعم"، فيما كان محمود عباس يدعي بأنه قد "ضمن" 130 صوتا! وباختصار أقول إن الشعب الفلسطيني ليس مغفلا. أما عن الفرحة في رام الله، فلا ينبغي أن نخدع أنفسنا في هذا الصدد؛ إذ لا بد من التوضيح أنه عندما كان عباس يتحدث في الأمم المتحدة، كانت الأمور مرتبة مسبقا بما فيه الكفاية: يوم عطلة للموظفين، وحافلات مؤجرة جاهزة، انطلاقا من المدارس.
* ما الذي يغيره قرار اليونسكو؟
- تستطيع اليونسكو أن تتيح الاعتراف بتراث ثقافي فلسطيني، وبحماية الأماكن المقدسة التي بات يهددها الجدار، أو المستوطنات، ومساءلة الاستغلال السياحي لجزء من هذه المواقع التي يؤمّنها الإسرائيليون في الوقت الحالي. لكن، كل هذا يبقى على صعيد الصراع، موضوعا هامشيا. وحالة "الانتشاء العابرة" انتهت الآن؛ لأن الولايات المتحدة الأميركية أكدت من جديد أنها ستفرض حق النقض في منظمة الأمم المتحدة. وهي بقطع تمويلها عن اليونسكو لمعاقبتها على اعترافها بفلسطين، تريد أن تبين أنها مستمرة في دعم إسرائيل. وباعتقادها بأن الثورات العربية سوف تغير مجرى الأمور، ارتكبت السلطة الفلسطينية خطأ فادحا. لقد فقد الأميركيون شريكا ذا وزن في المنطقة في شخص مبارك، ولذلك، فليس الوقت مواتيا لأن يفقدوا حليفهم الرئيسي الآخر: إسرائيل.
* هل الثورات العربية تؤثر أيضا على الفلسطينيين؟
- بالطبع. لا غرابة في أن يكون آخر رئيسَي دولتين يساندان مبارك هما محمود عباس ونتنياهو. فمنذ بضعة أعوام ومبارك يساعد إسرائيل على تحقيق "أمنها" في قطاع غزة. وبالتوازي مع ذلك، كان يدفع نحو عدم تهميش محمود عباس لصالح حماس. وهكذا، فقد محمود عباس، إذن، دعما مؤكدا، وكذلك الأمر بالنسبة لحماس بسبب هشاشة بشار الأسد ونظامه. وقد صار هؤلاء وأولئك ضعفاء بسبب الديناميكيات الإقليمية التي كانت لها أيضا انعكاسات على الأراضي المحتلة. وقد شهدنا ظهور التعبئة الشعبية من جديد في الضفة الغربية وغزة للمطالبة بالمصالحة بين حماس وفتح: "لقد تخلص التونسيون والمصريون من قائدَيهم. وإذا استمررتم في الاحتراب، فسوف تلقون المصير نفسه!".

* هل كان عباس يرغب في دعم موقفه الداخلي، من خلال قضية اليونسكو والأمم المتحدة؟
- كان من الشروط الضمنية لاتفاق المصالحة المبرم في شهر أيار (مايو) في القاهرة بين فتح وحماس، أن لا تعترض حماس على خطة محمود عباس في الأمم المتحدة. لكن عملية المصالحة لم تتقدم على الأرض. لقد قالت حماس إن عباس يوظف مساره في الأمم المتحدة لكي يستعيد شرعيته، ويعود لانتقادها من جديد.
* ما الذي يريده عباس على وجه التحديد؟
- إنه يمثل جزءا من القيادة الفلسطينية التي راهنت منذ ثلاثين عاما على حل الدولتين، القائم على مبدأ التفاوض مع إسرائيل، تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة. وقد تحقق هذا الرهان مع اتفاقيات أوسلو التي وقّعها محمود عباس شخصيا، وهو ما ينساه الكثيرون في غالب الأحيان. لقد أنشئت السلطة الفلسطينية لإدارة الفترة الانتقالية، في انتظار إنشاء دولة فلسطينية. لكنْ هذا الانتقال كلما دام فترة أطول كرست السلطة الفلسطينية حقها في الوجود القائم على الاستمرار في "عملية السلام". وعلى هذا النحو، تشكلت طبقة اجتماعية فلسطينية، ونوع من النخبة (مفاوضون، وزراء، مستشارون، إلخ) وآلاف من الأشخاص الذين لا يعيشون إلا على عملية السلام التي أضحت "مصنعا" حقيقيا لو أخذنا أيضا في الحسبان كل المنظمات غير الحكومية التي تقتات على حساب هذه العملية.
*هل يؤمن الفلسطينيون بفكرة أن الدولة الفلسطينية قابلة للتحقيق؟
- لا، وما أبعدهم عن مثل هذا الاعتقاد! ولهذا السبب كانت خطة عباس مع الأمم المتحدة هي آخر رصاصة يطلقها. في داخل منظمة التحرير نفسها، الكثيرون يقولون إن الأمر انتهى وانطوى. إن إنشاء دولة فلسطينية لم يعد ممكنا في رأيهم، لأن أسس الدولة المستقلة لم تعد قائمة: فالمستوطنات متواصلة على الأرض، والولايات المتحدة الأميركية تساند إسرائيل بلا أي تحفظ. والبعض يشتغل في الوقت الحالي على فكرة بعث حل الدولتين، فيما يدفع البعض الآخر نحو الفكرة السارية منذ السبعينيات من القرن الماضي، وهي فكرة الحل الإقليمي للمسألة الفلسطينية، ذات الصلة مع الأردن، وهي الفكرة التي باتت تساندها الهزات في المنطقة. وهكذا، رأينا في شهر أيار (مايو) خلال انتفاضات النكبة، لاجئين فلسطينيين يسيرون من لبنان وسورية نحو إسرائيل. وفي ذلك ما يفسر موجة العنف التي ردّ بها الإسرائيليون على هذه المسيرات. ففي رأيهم أن إضفاء الطابع الإقليمي على المسألة الفلسطينية كارثة حقيقية لا محالة.
* تبدو فلسطين شبه متأكدة من أنها ستحصل على وضعها كدولة عضو في الأمم المتحدة، فما الذي يمكن أن تجنيه من هذا الاعتراف؟
- الشيء الوحيد الملموس إلى حد من الحدود هو إمكانية تقديم القادة الإسرائيليين أمام العدالة الدولية لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية. لكن هذا قد يكون مجرد حلم ليس إلا. كيف يمكن للقادة الفلسطينيين أن يفكروا في فعل ذلك وهم يداعبون هدف إعادة بعث المفاوضات مع إسرائيل؟ إنهم في وضعية محرجة، حتى وإن كسبوا نقاطا على الصعيد القانوني. كما أن أغلبية أعضاء القيادة في السلطة الفلسطينية يرغبون في الاستمرار في العمل بمنطق أوسلو إلى النهاية؛ لأن استمرارهم في السلطة مرهون بذلك. ثم إن الذين ما يزالون في الحركة الوطنية الفلسطينية يؤمنون -على غرار محمود عباس، بأن تفعيل عملية السلام من جديد ما يزال ممكناً، ليسوا سوى قلة قليلة. لا أحد يؤمن بذلك اليوم!
وهناك أيضا الحركة التي تقف من حول سلام فياض، الذي يقول: "لا بد من التقدم من خلال إقامة البنية التحتية على الأرض من أجل بناء علاقة قوة بحكم الأمر الواقع، وهي الاستراتيجية التي سبق وأن أظهرت فشلها، لأننا لن نخرج عن إطار الاحتلال. ليس غريبا إذن أن تشق فكرة إعادة التفكير في إعادة بناء الاستراتيجية وبلورة هيئات الحركة الوطنية الفلسطينية من جديد، طريقها مرة أخرى وتفرض نفسها على أرض الواقع. ظني أن قضية الأمم المتحدة سوف تدعم إرادة إعادة البناء والهيكلة هذه. مهما جرى في نيويورك من أحداث، فستكون هذه الأحداث الدليل على فشل استراتيجية عباس. إنها تظهر الهوة الكبيرة التي ما تزال قائمة بين النوايا المعلن عنها من قبل المجتمع الدولي، والواقع على الأرض.
إننا الآن أمام وضع متأزم تتخبط فيه الحركة الوطنية الفلسطينية، في نهاية دورة أوسلو، في مرحلة قد تدوم طويلا. اللهم إلا إذا؛ بالنظر إلى السياسة التي تمارسها إسرائيل، واللامبالاة التي يبديها المجتمع الدولي، صنع الفلسطينيون، آجلا أم عاجلا، الوسائل القوية التي يُسمعون بها صوتهم للعالم. فقد يمنحهم ما يجري الآن في البلدان العربية المجاورة الأمل من جديد، ومعنى للتعبئة الجماعية.

*أستاذ في العلوم السياسية ومختص في الشؤون الفلسطينية. آخر إصداراته: "البحث عن فلسطين: فيما وراء وَهْم أوسلو".
*نشر هذا الحوار تحت عنوان: Palestine : la fin du cycle d’Oslo

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق