ماجد السامرائي: كثرة الشعراء ضللت الرؤية النقدية

تم نشره في السبت 29 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

سليم النجار

عمان - يرى الناقد ماجد السامرائي أن ما يسترعي اهتمامه بما يكتب عن النقد أنه "لا علاقة لها بالنص المكتوب، وإنما لها علاقة بالنظرية واستعراض المواقف النقدية للنقاد الغربيين، ومحاولة إخضاع النص المقروء لها" معتبرا "أن هذا العمل النقدي، لا يؤسس لنظرية نقدية عربية، ولا تنفع المكتوب عنه".
ويشير الى سمة أخرى "التي تبدأ من النص ويسميها بـ(القراءة)، أي أن النص هو الذي يعطيك مفاتيح هذه القراءة النقدية، وبالتالي يعمق الفهم للنص"، رائيا أن "هذا الاتجاه يتبلور الآن في أعمال تدعو إلى التفاؤل بمستقبل النقد العربي".
ويذهب السامرائي الى أنه "على الرغم من أن عددا من النقاد والمبدعين يقولون إن العصر الحاضر، عصر الرواية، وليس عصر الشعر" فإنني أخالف هذا الرأي، وأصحابه، لأن المسألة لا تقاس بهذه السهولة، ولا ينظر لها بهذا الاستخفاف"، فالشعر تاريخ وامتداد، وهذا الامتداد يتطور ويقدم في كل مرحلة صورة، قد تكون متميزة عن سابقتها.
ويرى أنه "ربما يكون ما جعل البعض يذهب للقول إن العصر هو عصر الرواية، وليس عصر الشعر، هو "هذه الكثرة المخيفة، بعدد من أدعياء الشعر، وممن لا يمتلكون من أسسه ومقوماته شيئا، وبما أفسد ذوق القارئ والفن الشعري"، موضحا أننا إذا نظرنا للواقع الشعري، بصورة دقيقة نجد أن هناك شعراء كباراً في واقعنا، الشعري الحاضر، لا يقلون موهبة أو عطاء شعرياً عمن عرفنا من شعراء، ولكن الكثرة، غير الموهوبة ضللت الرؤية النقدية.
ويعتبر السامرائي أن "الرواية بلا شك فن متقدم، وقدمت أسماء ومنجزات، أستطيع أن أعتبرها كبيرة في عالم الرواية، وما يجعلنا نراها كذلك هو أن الذين أفسدوا واقع الشعر، لم يفسدوا واقع الرواية، وإن كان هناك الآن موجة من السهولة والاستسهال، لكتابة هذا الفن الصعب".
ويعتقد السامرائي بوجود روائيات متميزات، غير مغفل في الوقت ذاته أنه "دخلت على هذا الفن أسماء لا تمتلك من مقومات الكتابة فيه، وما ينبغي أن تمتلك، وما يجعل هناك خشية على هذا الفن، كخشيتنا على الشعر، حين دخله مَن لا يمتلكون من مقومات الكتابة فيه شيئا".
ويضيف "كان الناشر العربي ينشر الكتاب ويدفع للكاتب أو الشاعر، "أما اليوم فالكثير من الناشرين لا يهمهم المستوى الفني للكتاب المنشور، وليسوا معنيين بالمستوى الإبداعي للنص، بل المستوى المادي، وهو المعيار لنشر الكتاب"، لافتا الى "وجود كم كبير منشور، ونوع ضئيل من ناحية الأهمية والقيمة، فيما ينشر اليوم".
ويستذكر كيف كان الناشر في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لا يطبع من الكتاب أقل من ثلاثة آلاف نسخة، بما ذلك دواوين الشعر، للشعراء الشباب، الذين ربما ينشرون أول مرة، مبديا أنه يسمع اليوم من الناشرين أن أي كتاب لا يطبع منه أكثر من (1000) نسخة، وتتنازل الكتب الأخرى عدداً إلى ربع هذه الكمية".
ويعتقد أن هذه الظاهرة تمثل حالة بؤس ثقافي، "لا ندري إلى أين سيصل بنا الأمر، ولكني لست متفائلاً" رابطا ذلك بأزمة قراءة، وأزمة ثقافة، "وأحياناً تجد بين طلبة الجامعات مَن لا يقرأ، إلا الكتب المقرّرة، وتجد أيضاً بين المثقفين مَن لا يتابع ما ينشر وهناك كثيرون ينظرون إلى مَن يكتبون على أنهم غير مثقفين كما ينبغي وهذه ظاهرة خطيرة".
ويستذكر جريدة الثورة في العراق حيث كانت تنشر صفحة ثقافية يومية، ثم تطورت إلى صفحتين، وكذلك جريدة الجمهورية، إضافة إلى ملاحق إضافية، مشيرا الى أنه كان مشرفاً على صفحة "آفاق" فيها والتي كان يكتب فيها شهرياً ما يقارب المائة مبدع بين قاص وشاعر وناقد وناثر.
ويضيف أنها كانت تضم "صفحات أسبوعية متخصصة، ثم استحدثت في الصفحتين صفحة أسبوعية خاصة بالأقلام الجديدة والتي أطلق عليها "أصوات" وهما صفحتان "تخرج" منها كتاب هم اليوم مشهورون".
ويستذكر أنه في باب الملحق الثقافي في صحيفة الجمهورية، في الستينيات من القرن الماضي قد خرج العديد من الأسماء الإبداعية من بينها محمد خضير مثالا؛ "وقد كانت الصحافة الثقافية مدار حوار مستمر حول قضايا التجديد وقد أسهم في هذا الحوار شعراء هم اليوم علامات بارزة وكبيرة في الشعر الحديث".
ويضيف السامرائي، أنه يمكن ذكر أسماء عديدة لمن يمثلون مختلف الأجناس الأدبية لحميد سعيد، سركون بولص، سامي مهدي، فاضل العزاوي، عبدالرحمن الربيعي، غازي العبادي، وجليل القيسي، معتبرا أن "اللافت في هذا السياق، أنه كان هناك متابعات نقدية، لما ينشر لنصوص إبداعية في الصفحات الثقافية، ولم تكن الحركة النقدية مقتصرة على بغداد فقط، بل كانت منتشرة في العديد من المدن العراقية".
وعن علاقته بالأديب الراحل جبرا إبراهيم جبرا يقول إنها "بدأت عن طريق الصدفة، التي حققت لنا اللقاء، وكان ذلك في مطلع شبابي، وفي مطلع كتاباتي أيضاً، وجدت من هذا الأديب الكبير اهتماماً وعناية، ليس بي وحدي، وإنما بجميع من يعرف"، واصفا جبرا بأنه "كان معلماً، ولكنه لا يستعمل سطوة المعلم، وإنما يتعامل مع الكلمة التي يقرأها، أو التي يكتبها، بروح المعلم المبدع".
ويستذكر أنه قال له مرة "أريدك أن تتجاوز في المقال الجديد الذي تكتبه، ما كنت كتبت قبله"، معتبرا هذه الإشارة "ظلت وما زالت تلازمني، كلما أخط القلم في يدي، وأشعر أنها فراشة، تحط على يدي، وتذكرني بما ينبغي عليّ أن أفعل".
ويتابع عن علاقته بجبرا "بعد هذا أصبحنا أصدقاء، بل أزعم أنني أقرب أصدقائه إليه، وقد أفدت من رؤيته للإبداع، ومن طريقته للتعامل مع الإبداع، ومن الحب الذي يسبغ على ما يقرأ، ولمَن يقرأ الشيء الكثير".
ويكشف السامرائي بحكم علاقته به وبثقة مطلقة "ما أُهدي كتاب لجبرا، من أي كاتب كان، وإلا قرأه".

culture@alghad.jo

التعليق