من سيتفوق على أميركا؟

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

سيمون جونسون*
واشنطن- يقول فولتير إن الإمبراطورية الرومانية سقطت "لأن كل الأشياء تسقط". ومن الصعب أن نجد حُجة مقارعة لهذه الحجة التي تُعَد بمثابة بيان عام لانحطاط الأشياء: فدوام الحال من المحال. ولكنه في نهاية المطاف حجة غير مفيدة. على سبيل المثال، قد يكون من المفيد عندما نتأمل في سطوة أميركا وهيمنتها على العالم اليوم أن نعرف متى ستنحدر أميركا، وما إذا كان بوسع الولايات المتحدة أن تفعل أي شيء لتأجيل ما لا مفر منه.
كان المعلقون المعاصرون للإمبراطورية الرومانية يائسين منها لعدة مئات من السنين قبل انهيارها في نهاية المطاف. ولكن هل تتمكن أميركا من تأمين تمديد مماثل لهيمنتها؟
في محاولة لتوفير البنية الأساسية اللازمة لمناقشة هذه المشكلة، جاء كتاب أرفيند سوبرامانيان الجديد تحت عنوان "الاحتجاب الكامل: الحياة في ظل هيمنة الصين الاقتصادية" بمثابة مساهمة كبرى في هذا الصدد. (من منطلق الشفافية الكامل: سوبرامانيان وأنا زميلان في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ولقد عملنا معاً في قضايا أخرى).
يسعى سوبرامانيان بصورة خاصة إلى وضع مؤشر للهيمنة الاقتصادية يعمل كوسيلة لتركيز المناقشة في أي مكان حيث يرغب الناس في التفكير في التغييرات الطارئة على الزعامة الاقتصادية العالمية. ولا حاجة بنا إلى الإلمام بعلوم الاقتصاد حتى نفتتن بهذا الكتاب: فهو يدور حول السلطة بوضوح وبساطة.
إن الحقائق الأساسية غير قابلة للجدال. فالمملكة المتحدة كانت القوة الاقتصادية المهيمنة على العالم منذ بداية عصر التصنيع في أوائل القرن التاسع عشر. ولكنها فقدت هيمنتها وتفوقت عليها الولايات المتحدة تدريجيا، ومنذ العام 1945 على الأقل كانت الولايات المتحدة صاحبة الزعامة بين اقتصادات السوق على مستوى العالم بلا منازع.
فقد تفوقت الولايات المتحدة على المملكة المتحدة من حيث الإنتاج الصناعي بحلول نهاية القرن التاسع عشر، ولكن ذلك لم يكن كافياً لترجيح كفة الميزان لصالحها. فلم تتحول الهيمنة الاقتصادية إلا عندما ابتليت المملكة المتحدة بعجز ضخم في الحساب الجاري أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية ـ فاضطرت إلى الاقتراض بكثافة من أجل تمويل جهودها الحربية، وكانت وارداتها أعلى كثيراً من صادراتها. وانتهى قسم كبير من الاحتياطيات العالمية من الذهب إلى يد الولايات المتحدة.
ولقد ساعد ذلك في تقويض دور الجنيه الإسترليني دولياً ودفع الدولار الأميركي إلى الصدارة ـ خاصة بعد مؤتمر بريتون وودز في العام 1944، حيث تم الاتفاق على إمكانية احتفاظ الدول باحتياطياتها بالدولار الأميركي إلى جانب الذهب.
ولكن في وقت أقرب إلى زمننا هذا، حَلَّ الدور على الأميركيين لكي يبتلوا بعجز هائل في الحساب الجاري، حيث اشتروا من بقية العالم بما تجاوز ما كسبوه من بيع السلع والخدمات في الخارج. وفي هذا الصدد، يبدو الأمر وكأن الولايات المتحدة محكوم عليها بتكرار الخطأ الذي ارتكبته بريطانيا.
وفي الوقت نفسه ارتفع نصيب الفرد في الدخل في بلدان الأسواق الناشة ـ كما ارتفع دور تلك البلدان. وبصورة خاصة، تبنت الصين على مدى العقد الماضي أو ما إلى ذلك استراتيجية استلزمت الاحتفاظ باحتياطيات ضخمة من الحساب الجاري وتكديس الاحتياطيات من النقد الأجنبي، والتي تؤكد التقارير الآن أنها تجاوزت 3 تريليون دولار أميركي. والواقع أن الحجة الأكثر استفزازاً بين الحجج التي ساقها سوبرامانيان تزعم أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة بالفعل من حيث الهيمنة الاقتصادية ـ ولكننا لم نُفِق بعد على هذا الواقع الجديد.
الواقع أن السرد خلاب وبارع الرواية؛ ولكن هناك الكثير مما يستحق أن نناقشه. على سبيل المثال، هل انحدرت بريطانيا لأن الولايات المتحدة لم يكن بالإمكان منعها من الصعود، أم كان ذلك راجعاً إلى مشاكل داخل الإمبراطورية البريطانية وداخل بريطانيا ذاتها؟
قبل بضعة أعوام، كان هناك من اعتبر أن اليابان تمكنت من التفوق على الولايات المتحدة. وأوروبا أيضاً كان من المفترض أن تنافس على الهيمنة الاقتصادية العالمية. والآن قد يبدو أي من الزعمين منافياً للعقل. ففي كل من الحالتين، أفلت زمام نظام الائتمان، بفضل الإفراط في تقديم القروض للقطاع الخاص في الثمانينيات في حالة اليابان، والإفراط في الاقتراض الحكومي أثناء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في حالة منطقة اليورو.
وعلى نحو مماثل، ما يزال من غير الواضح ما إذا كان مسار التنمية في الصين قد يظل سلسا. ذلك أن الاستثمارات الثابتة في الصين تقترب من 50 % من الناتج المحلي الإجمالي ـ وهو رقم قياسي عالمي بكل تأكيد. والآن تشهد معدلات الائتمان المقدم للشركات المملوكة للدولة والأسر الصينية نمواً سريعاً ومستمرا. أليست هذه نسخة أخرى مماثلة لما أدى إلى انحراف مسار النمو في اليابان؟
عندما نتحدث عن القضية الرئيسية فيما يتصل بالقدرة على إصدار "عملة احتياطية" يرغب المستثمرون والحكومات في اقتنائها، فإن سوبرامانيان كان مصيباً عندما زعم أن الصين لديها العديد من المتطلبات الأساسية. ولكنها ما تزال تفتقر إلى بعض العناصر الرئيسية، بما في ذلك حقوق الملكية الكاملة النضوج. وإن كنت تشعر بالقلق إزاء قدرتك على إخراج أموالك في الأوقات العصيبة من البلد الذي تستثمرها فيه، فإن الصين لا تُعّد مكاناً جذاباً تحتفظ فيه باحتياطياتك.
إن التحديات الخارجية تتسبب أحياناً في انهيار الدول. ولكن المشاكل الكبرى تكون في كثير من الأحيان داخلية ـ عجز النظام عن تحقيق النمو، وتلاشي شرعيته، وشروع الناس في التوجه نحو المخارج (أو على الأقل إخراج أموالهم).
إذا تفوقت قوة مهيمنة أخرى على الولايات المتحدة في أي وقت، فإن هذا سوف يكون راجعاً في الأرجح إلى السياسة المختلة وظيفياً وفقدانها لتماسكها الاجتماعي. وقد تهب الصين لشغل ذلك الفراغ، ولكن هذا بعيد تماماً عن كون الصين قادرة على إخراج أميركا من مضمار السباق بلكزة من كوعها.


*كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي سابقا.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق