فلنبدأ بالتعاون الاقتصادي العربي

تم نشره في الأربعاء 19 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً

إبراهيم شكري دبدوب*
الكويت - تحديات كبيرة ماثلة أمام العالم العربي اليوم. فالتحركات الشعبية التي أشعلتها العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي سادت طويلا، ستنتج بدورها بيئة اجتماعية واقتصادية جديدة. لكن بقدر ما كانت هذه العوامل واضحة المعالم ومحط إجماع من الكثيرين، بقدر ما تبدو البيئة الجديدة ضبابية ومليئة بالتحديات. في رأي، الآفاق ماتزال إيجابية، لكنها لن تتحقق وحدها. 
خلال العقدين الماضيين من الزمن، انضمت العديد من الدول العربية إلى مسيرة الإصلاح، ووضعت سياسات هادفة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحرير التبادلات التجارية وتفعيل الخصخصة وغيرها من السياسات الإصلاحية. لكن هذه السياسات لم تحقق غاياتها، بل جاءت بمعظمها غير فاعلة، وأحيانا كانت لخدمة فئة من المجتمع على حساب الشريحة الكبرى. وللمفارقة، وصلت معدلات البطالة خلال فترة "الإصلاح" إلى مستويات قياسية، ولاسيما بين الشريحة الشابة التي تشكل أكثر من نصف التكوين السكاني للمجتمعات العربية. وبمحصلة هذا "الإصلاح"، باتت المنطقة تصنف الأسوأ عالميا من حيث البطالة بين الشباب. والأسوأ من ذلك أن الفوارق الاجتماعية قد اتسعت إلى حد ابتلاع فئات واسعة من المجتمع. ليس من الصعب تحديد العوامل التي قادت إلى التغيرات الأخيرة في العالم العربي.
لكن نجاح هذه التغيرات في تحقيق تطلعات الشعوب العربية مرهون بنجاح الاقتصادات العربية في تجاوز مرحلة التحول التي تمر بها حاليا إلى اقتصادات منتجة ذات نمو مستدام. وذلك لا يقوم على نبذ الإصلاحات، بل على تصحيح مسارها. إن التحدي الذي يجمع  الدول العربية كافة اليوم هو تحفيز النمو الاقتصادي وتوفير فرص عمل منتجة على نحو يجاري النمو المتسارع في القوى العاملة الشابة. لقد فشلت معظم سياسات التوظيف السابقة التي تركزت بشكل أساسي على القطاع العام في حل هذه المعضلة. باختصار، إن نجاح الاقتصادات العربية في تجاوز هذه المرحلة الحرجة مرهون بشكل رئيسي بقدرتها على توفير فرص العمل.
هذا يقودنا إلى ما هو أكثر إلحاحا، ألا وهو الفوارق الاجتماعية الشاسعة بين شريحة صغيرة الحجم عدديا وأخرى تشكل الأكثرية المطلقة. وعلى الرغم من البرامج والإجراءات العديدة التي اعتمدتها دول عربية لمكافحة الفقر، ماتزال هذه الآفة منتشرة على نطاق واسع في المجتمعات العربية. إن ردم الهوة الاجتماعية بين مختلف الشرائح الاجتماعية لا يشكل إطلاقا دعوة إلى لجم القطاع الخاص وتقليص دوره، بل على العكس تماما، إنما هو دعوة إلى دعم القطاع الخاص وتنشيط دوره؛ لأنه الوحيد القادر على خلق فرص عمل جديدة، وهو الوحيد القادر على تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
في رأي، لا يمكن ترجمة هذه الضرورات على أرض الواقع من دون دعم فاعل للمجتمع الدولي. الاقتصادات العربية بحاجة حاليا لهكذا دعم لكي تمضي في مسيرتها الإصلاحية، من حيث الموارد المالية أو من حيث أطر العمل والممارسات الدولية والخبرات المطلوبة لتطبيق هكذا إصلاحات على أرض الواقع. وبالمجتمع الدولي لا أقصد الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية فحسب، وإنما الدول العربية أيضا القادرة على توفير هكذا دعم للدول الفقيرة. ولضمان تسريع وتيرة الإصلاحات، يمكن لهذا المجتمع الدولي أن يحدد حجم ووتيرة دعمه بسقف الإصلاحات المطلوبة وتيرة تنفيذها.
إن الحديث عن دعم المجتمع الدولي يفتح الباب واسعا على مشروع أخذ- ومايزال- حيزا من النقاش أكبر بكثير مما تحقق منه على أرض الواقع، وهو مشروع التكامل الاقتصادي بين الدول العربية. أقترح أن نبدأ بالتعاون الاقتصادي قبل القفز نحو "التكامل"، وليكن هذا التعاون مبنيا على إطلاق المشاريع التنموية المشتركة التي من شأنها أن تحرك الاستثمارات العربية البينية وأن تعزز النمو الاقتصادي، والمهم، أن توفر فرص عمل حقيقية ومنتجة. وواقع أنه لا تنقصنا الأموال المطلوبة لتمويل هذه المشاريع، يجعل من الأخيرة فرصا ضائعة، ولاسيما في هذا الوقت بالذات الذي يرزح فيه العالم تحت وطأة الأزمات المتعاقبة. صحيح أن الدول العربية قامت بخطوات تقدمية في السابق بإنشاء صناديق لتمويل المشاريع التنموية- إن مشتركة أو على نحو فردي- إلا أن الحاجة اليوم هي لتفعيل هذه الصناديق على نطاق إقليمي وزيادة مخصصاتها.
لا يكفي أن نحدد العوامل التي قادت إلى التغيرات في العالم العربي، بل أن نواجه ما أفرزته هذه التغيرات من تحديات ونساهم في إنتاج اقتصادات منتجة قادرة على توظيف أبنائها، وهذا هو الوقت لذلك. في رأي، بات التعاون الاقتصادي العربي- لن نقول التكامل- ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى، ويشكل المدخل إلى أي خطة مارشال عربية ننادي بها.


* الرئيس التنفيذي لمجموعة
بنك الكويت الوطني

التعليق