"موسم مسرح الكبار": أحلام تأرجحت في أعمال مسرحية رصدت تناقضات الحياة وهموم الإنسان

تم نشره في الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً
  • مشهد من مسرحية "سيرة ذاتية" التي شاركت في موسم مسرح الكبار - (تصوير: محمد مغايضة)

سوسن مكحل

عمان- حمل موسم مسرح الكبار التابع لوزارة الثقافة ومديرية الفنون والمسرح، على عاتقه التحرر من القيود بشكل أكبر، واتضح ذلك من خلال التطرق الى العديد من المواضيع السياسية بكل جرأة؛ لاسيما عند تطرق بعض الأعمال المسرحية ضمن الموسم للحديث عن الثورات العربية والربيع العربي.
جمهور المسرح النوعي لم يقتصر الحضور فيه على المسرحيين أو المهتمين بالمسرح، فاستقبل المهرجان في عروض بعض المسرحيات أعدادا كبيرة من الجماهير الجديدة التي لم تتسع لها مدرجات المركز الثقافي الملكي بمسرحيه "الدائري- محمود أبو غريب" و"الرئيسي".
وعلى مدار تسعة أيام، تابع الجمهور الأعمال المسرحية المتنوعة، التي استطاعت أن تلمس الكثير من الواقع المعاش للمواطنين وتعكس قضاياهم بشكل أو بآخر، بالإضافة الى التطرق للمشاكل المسرحية والأوضاع السائدة فيه، وحتى مشاكل الفنانين أنفسهم.
وتتواصل فعاليات الموسم حاليا في توزيع الأعمال على مختلف مناطق المملكة حتى العشرين من الشهر الحالي، بالإضافة الى شمول الموسم برنامجا كاملا للندوات التقييمية لمسرحيات موسم الكبار التي عاينت الأبعاد المختلفة للعمل الفني من ناحية الجمال والسوية الفنية.
المهرجان بمظلته المحلية، وعبر مسرحية "بس بقرش" للمخرج محمد الإبراهيمي، قدم تحية عرفان وتقدير للفنان الراحل عن الساحة الفنية مؤخرا محمود صايمة، وهي بادرة كانت مميزة استقبلها الجمهور بالوقوف دقيقة صمت لروح الفنان الراحل.
وكانت القيمة الفنية بالنسبة للمتابع تختلف من عمل إلى آخر، وتسعى الى تكريس مفاهيم تتعلق بإنسانية البشر، ومنها الحب وحرية التعبير والكثير من الأمور التي ترتبط بالأوضاع الراهنة، بعيدا عن الافتراضية بالمسرح، ما جعل الأعمال تبدو قريبة وملامسة لأوضاع الجمهور.
وتطرقت مسرحيتا "الحادثة" لسوسن دروزة و"نهاية العالم ليس إلا" لنبيل الخطيب، الى تناقض الذات في شخصية الإنسان؛ فتحدثت الأولى عن حياة ممثلة رهينة ظروفها الشخصية التي لا تنطبق مع كونها فنانة نجمة، في حين ناقشت المسرحية الثانية الإنسان العائد الى أهله في تغيّر الأحوال وتناقض الذات والافتراض لبناء الفوضى التي يعيشها الأفراد في المجتمع.
فيما جسدت مسرحية "الميزان" لمخرجها حاتم السيد غياب العدل النسبي في المواضيع الاجتماعية كافة بسخرية بالغة، وتطرقت الى الأحداث السياسية التي جرت بالوطن العربي قديما وحديثا عبر كوميديا سوداوية استطاعت أن تلامس واقع غياب العدل عن حياة المواطن، بالإضافة الى أن "الميزان" هو العمل المونودرامي الوحيد ضمن عروض الموسم وبأداء الفنان بكر القباني.
في حين تناولت مسرحية موسيقى البداية، فكرة الانقسام عبر تجسيد حياة عاشقين تزوجا وشاءت الظروف أن تفرق بينهما، ويتمحور العمل حول إعادة صياغة مفاهيم "الوحدة" وعودة الأمور سواء العاطفية أو الاجتماعية وحتى السياسية الى مجاريها.
أما مسرحية "سيرة ذاتية" لمخرجها أحمد المغربي، فجسدت تفاصيل يعايشها المخرج المسرحي والفنان على خشبة المسرح، وتطرقت للحديث عن حب العمل الذي يتناقض مع الظروف الموائمة للمسرح في ظل عشق الممثلين والمخرجين وكتاب النصوص المسرحية في محاربة "تراجع" المسرح وبناية الأمل من جديد.
ومع أن الأعمال السابقة بدت في مجملها تتقاطع مع مسيرة الفنانين والأوضاع السياسية الاجتماعية، إلا أن العرضين المسرحيين للمخرجين محمد الإبراهيمي وفراس المصري حظيا بلفتة مهمة لتناولهما موضوعين مختلفين ملامسين لوضع المواطن الحالي.
فقدمت مسرحية "بس بقرش" حالة غياب الأحلام عن المواطنين، ومنها أنها تطرقت للحديث عن القصص المثيرة للاهتمام بالوطن العربي ومحليا، في مناقشتها للفساد والشبهات، وتوتر الأوضاع الاقتصادية والحديث عن الفقر بلغة مسرحية بعيدة عن التعمّق بمدارس المسرح المتعددة، وانطوائها على قدر عال من الكوميديا التي عاينت العديد من القضايا المحلية.
واكتظاظ مدرجات المسارح بالجمهور، أعطى صورة واضحة عن قدرة المسرحية على استقطاب فئات واسعة من المجتمع الأردني وتفاعلها مع عرض العمل، كونها سلطت الضوء على قضايا إنسانية واجتماعية عامة مثل الحب والقهر والظلم.
في حين شدت مسرحية "عشيات حلم- نقوش حورانية" الجمهور في عرضها المميز، الذي أدى بطولته الفنان أحمد العمري بدور الشاعر الراحل مصطفى وهبي التل "عرار"، وكان الحديث عن سيرة الشاعر قديما كمثال يحذى حذوه في عالم المبدعين حاليا.
وتبيّن خلال عمل "عشيات حلم" أن نص الكاتب مفلح العدوان كرّس نفسه ليناقش مختلف القضايا الاجتماعية الشائكة في عالم المبدعين من خلال شخصية الشاعر الغائب الحاضر "عرار"، وظهر ذلك في مناقشة الأمور الدينية والسياسية، وسلطتهما في حياة المبدع.
وتميز الموسم بتناوله أعمالا مسرحية لنصوص بكتابة محلية أو عربية، وقليلا ما استخدمت النصوص العالمية على الخشبة.
فجاء عمل المخرجة سوسن دروزة بالحادثة قائما على نص مرتجل من قبل المخرجة والممثلين أنفسهم، بالإضافة الى نص الكاتب الأردني مفلح العدوان في عمل "عشيات حلم"، ومسرحية "بس بقرش" للمخرج محمد الإبراهيمي الذي أعد النص وأخرج العمل، وعمل "سيرة ذاتية" للمخرج والكاتب أحمد المغربي، ومسرحية "الميزان" للمخرج حاتم السيد الذي اعتمد نص الكاتب السوري محمد سالم سليمة.
ومع أن الأعمال كقيمة فنية متفاوتة فيما بينها، إلا أن المسرح من عام إلى آخر يكشف فصولا ويضيف أخرى في كينونته، ما يوجب على المسرحيين الإتيان بما هو جديد، ومحاولة رصد الواقع المعاش على الخشبة، ما يسمح بأن يظل المسرح متألقا رغم ضعف الإمكانات والموازنات المخصصة له.

التعليق