"وشم وحيد" للقرش: رواية تغييرية صريحة مهداة إلى شهداء ثورة يناير المصرية

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

بيروت- في "وشم وحيد".. الرواية التي صدرت أخيراً للكاتب المصري سعد القرش، ثورة مستمرة على الظلم وازدراء الإنسان، ودعوة صارمة إلى تقويم ما اعوج أو استوحش من التصرف البشري الذي يظهر من خلال التحكم بمصائر الناس.
إلا أنَّ الثورة في الرواية هي ذات مدى طويل وكفاح مستمر، وقد لا تؤتي ثمارها للمناضلين إلا بعد زمن، وربما جاء التعويض في شكل أجيال جديدة تولد من رحم العذاب.
تدور الرواية وتجري الأحداث مع بطلها "وحيد" خلال حفر قناة السويس. المشروع كبير ووراءه مصالح كبرى، ومن يعمل فيه مثل وحيد وأبيه يتحمل السياط والعذاب والموت بدون دفن يليق بالإنسان وكرامته.
في الدين الاسلامي تشديد على ان اكرام الميت دفنه. وفي القصص الاسطوري اليوناني القديم تواجه "انتيجوني"، أو "انتيجونا"، العذاب والالام الرهيبة لأنَّها رفضت أن تترك جثة اخيها دون دفن كما أمر قريبها الحاكم الطاغية.
السؤال هنا هو هل نترك الميت بدون دفن فنرتاح أم نتحدى القانون الظالم والحاكم الطاغية وندفنه فيحكم علينا بعذاب لا مثيل له. انتيجوني اختارت الدفن مع ما يستتبعه ذلك من العذاب وفي الوقت نفسه استسلمت لقدرها بعناد. بطل سعد القرش اتخذ القرار نفسه لكنه لم يستسلم لقدره، بل بدا كأنه يسعى إلى كتابة هذا القدر بيده هو.
حمل جثة أبيه من مكان إلى مكان هربا من الطغاة الذين قرروا رمي الجثة وغيرها من الجثث في الفلاة بدون دفن حقيقي لائق. وقد كافح الظلم وارتكب القتل دفاعا عن النفس في سبيل هذا الهدف. الأثر الديني في هذا الموقف أكيد ويبدو مسلما به لكن العنصر الدرامي لا يقل عنه قوة بالنسبة إلى ذلك العمل الروائي.
الدفن هنا فعل محبة وفعل انتصار على الظلم واللاانسانية.
في الإهداء نقرأ ما كتبه سعد القرش قال ابن بطوطة حين زار مصر "يستبد العسكر والشعب يئن تحت وطأة الحكم ولا يهتم الاقوياء بذلك. والعجلة تدور". إهداء خاص إلى شهداء ثورة كانون الثاني (يناير) 2011 في مصر.
تبدأ الرواية على الشكل التالي وبتأثير في النفس وكثير من الايحاءات عبر وصف الحدث. "حمل وحيد اباه. رفعه بين يديه ودفء الحياة لم يتسرب تماما من الجسد الهزيل. لم يصدق ما جرى. حدثته نفسه ان اباه مجهد اتعبه العطش وحمل الرمال مع آلاف لا يعرف لهم حصرا ممن يحفرون القناة".
ابعد الميت عن الشغل. كاد وحيد يقتل صاحب اللسان البارد... لم يبال وحيد بأمر "المقدم". عز عليه ان يكون الجسد في مقطف من الخوص واحتمل سوطا لسع ظهره وهو يضع اباه برفق في العربة. ذهب به بعيدا ابعد بقليل من المكان المخصص لدفن من يموت من العمال.
ايقن وحيد ان اباه مات. عليه ان يهرب بالجثة الى مكان لا تصل اليه عيون الحرس ليتمكن من العودة الى "الوزير"، ويدفنه هناك فترتاح روحه ويرجع وحيد نفسه الى بلد سمع به ولا يحتفظ له بملامح.
الا ان الذهاب الى اوزير فردوسه المفقود صعب بل مستحيل.
قال المقدم "فرغه من العلق يا بهيم وادفنه تحت رجليك". لكن وحيد رمى حفنة رمل في عينيه وبعد عراك ادرك انه مقتول لا محالة. لم يفرق المقدم بين الجثتين. انزل عليهما اللعنات والضرب بقوة حركت بقايا الروح في جسد وحيد.
سقط المقدم بين يدي الشاب "خنقه بالسوط ونزع جلبابه وروحه وحمل اباه وتسلل الى الصحراء".
ومن هنا تطول المعاناة والمغامرات والالام وتتجدد قوة الصراع في نفس وحيد الذي قرر السعي بكل ما فيه من قوة للوصول الى "افندينا" وقتله انتقاما لابيه ولاخرين.
دفن اباه بمساعدة رجل طيب اطلق عليه اسم الشيخ ابراهيم فكان جديرا بهذ الاسم.
وأخذ ابراهيم يعمل على وحيد وينصحه. اوصاه بالحكمة المتمردة على طريقة غاندي ونصحه بالتدرب على الصبر "وأعطاه نولا صغيرا وعلمه كيف يغزل الصوف حتى تمر الايام الاخيرة ويتمكن من اخذ جثة ابيه في الشتاء ويرجع الى قريته امنا".
السيل العرم الذي نتج عن اعمال الحفر ضرب المنطقة وأخذ زوجة الشيخ ابراهيم ومواشيه. وقرر الشيخ ابراهيم الانتقام من "افندينا".
جاء هذا سببا قويا دافعا لوحيد للسعي الى قتل "افندينا"... لديه أسبابه الخاصة وها هو الآن صديقه الشيخ إبراهيم يكلفه عمليا بالانتقام من الخديوي. الاثنان سينتقمان من الباشا. وقد جرى القبض على الشيخ ابراهيم فصارت المهمة الان تقع على عاتق وحيد. وبما ان للمشاريع الكبيرة اثمانا كبيرة فقد كان عذاب وحيد وامثاله من ضمن هذه الاثمان.
بعد مغامرات وأهوال وعذاب نصل الى عنصر مصيري هو المرأة. انقذها من معتدين فتم التعارف بينهما بهذه الطريقة ونشأ بينهما نوع من الحب والاهتمام.
وجرب وحيد حظه فوفق الى العمل في قصر الباشا ظانا انه بهذا يستطيع اغتياله. واكتشف ان من المستحيل على امثاله رؤية الباشا في هذا القصر الذي يشبه مدينة او عالما في حد ذاته.
وبعد مزيد من الأحداث نصل الى زبدة مهمة هي قدوم ابنهما هاشم الى الحياة. كأن كل الوعود والآمال تجسدت في الطفل وكأن هذا الطفل هو التعويض عن كل المعاناة. ولعل هذا الطفل سيكمل الرسالة.
رواية سعد القرس "وشم وحيد" تشكل قراءة ممتعة مشوقة وهي فوق كل ذلك تحمل رسالة تغييرية صريحة لم تغب عن سطورها ولو مرة واحدة لكن بدون أي وعظ وحديث مباشر.

(رويترز)

التعليق