حفل توقيع لديوان "ظل الليل" في المركز الثقافي العربي

نقاد: أبو شايب يبني قصائده من جدل العتمة والضوء

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • أبو شايب يوقع ديوانه في المركز الثقافي العربي أول من أمس-(تصوير: زهران زهران)

جمال القيسي

عمان - قال الناقد والمترجم فخري صالح إن زهير أبو شايب في مجموعته الشعرية الأخيرة "ظل الليل" المقلّ في الكتابة يبني عالم قصائده من جدل العتمة والظل والضوء، وما يرادف هذه الألفاظ ويقع في محيطها الدلالي ويرجع صدى معانيها وينوع عليها: الليل، الموت، المنفى، الجسد، الغياب، الحضور، البحر، وكوكبة أخرى توصلنا في التحليل الأخير إلى كونها تنويعا على ثلاثة ألفاظ أساسية (العتمة والظل والضوء).
وأضاف أول من أمس في حفل توقيع المجموعة في المركز الثقافي العربي أنه "يمكن اختصارها إلى لفظين وكينونتين: العتمة والضوء؛ في ثنائية ضدية تلخص الوجود وتجربة الكائن في هذا العالم: أي الوجود والعدم. وتلك، بمعنى من المعاني، رؤية صوفية وجودية للعالم، مع اختلاف ما بين الوجوديين والمتصوفة من عدم الوجود أصلا للعالم، أو النظر إلى العدم بوصفه أصل الوجود".
وتابع في اللقاء الذي أداره رئيس المركز الروائي جمال ناجي إننا في قصيدة "ما يكفي من العتمة" نعثر على جماع قاموس أبو شايب الشعري، "وخلاصة رؤيته إلى العالم وتجربة الوجود: العتمة، الليل، الموت، الضوء، الغربة، الظل، الولادة، الرغبة، الحياة، فعل الصلب، ومن ثمّ المرور من البشري إلى الإلهي".
ولفت الى أننا نلاحظ "غلبة دلالة الليل وتنويعاته على الضوء وكل ما يدل عليه من حضور وكشف وحياة. الليل، أو العتمة، أو الموت، هو بؤرة التعبير الشعري ومركز الإشعاع الدلالي للقصيدة، وللمجموعة الشعرية كلها. كما أن الحضور الكثيف لليل والعتمة يقابله الغياب المفجع للضوء والرغبة وفعل الولادة؛ الليل مسيطر والضوء متقهقر منسحب، ما يعكس رؤية صوفية مضادة تشدد على العدم وتنفي الوجود".
وبين أنه لربما يبلغ الشاعر في قصيدة "لا وجود لشيء هنا" ذروة التعبير عن العدم، عن اللاوجود، أو وهم الوجود. كأننا في عالم المثل الأفلاطونية التي تمثل فيه الموجودات والأشياء نسخا من صور مثالية مركوزة في عالم آخر ليس عالمنا. كأن الكائن البشري يحلم، وكأن من يحلم العدم هو نفسه، فالغياب هو حقيقة هذا العالم لا الحضور، كما رأينا في قصائد عديدة سابقة.
وخلص الى أن شعر أبو شايب، في اختياره لثيمة الوجود والعدم، وتركيزه على ميتافيزيقا الحضور والغياب، مسكون بميراث التجريد في الشعر العربي، منتميا إلى التيار الأول الذي يقف أدونيس على رأسه، وإن كان ينفي عن ذاته أي نبوءة، أي تجربة صلبة وخلاص، مصورا نفسه عاريا في حضرة لغز الوجود والكائن، في عالم يفتقد المعنى، ويقيم الليل في صلبه، فهل يمكن أن نقول عن الكائن: إنه ظل الليل؟ ذلك ما يسعى أبو شايب إلى التشديد عليه في هذه المجموعة الشعرية.
فيما اعتبر الدكتور جمال مقابلة أن أبو شايب بقي في دواوينه جميعها مخلصًا لهاجسه الأصيل في "الجمع بين شعر المعنى ومعنى الشعر؛ فقد آمن إيمانًا مطلقًا بالمعنى؛ لأنّه الجدير بمنح الشعر الثقة التي يستحقّها، ولأنّه الضامن الأكبر لحفظ مستوى من الوعي الرساليّ لدى الشاعر الحديث، حيث عزّت النبوّة في هذا الزمان. كما أنّه لم يتخلّ، في أيّة لحظة، عن اعتقاده الجازم بضرورة المحافظة على المعنى العميق للشعر".
وأوضح في ذات السياق أن الشاعر يدرك منذ البداية، بحساسيّته الفنيّة، وخبرته النقديّة، أنّ "التجربة الشعريّة "لا يمكن لها أن تكتمل إلا بوقع جرس الألفاظ على (أذن العقل)، مع الإحساس وهي تردّد على المخيّلة، فهذان معًا يمنحان الألفاظ جسدها الكامل".
وتابع أنه يتعامل "بالأجساد الكاملة للألفاظ وليس برموزها الطباعيّة"؛ "لهذا يفقد كثير من الناس كلّ شيء تقريبا في الشعر؛ لأنّهم يعجزون عن القيام بهذه العمليّة اللازمة. ثمّ يَعقُبُ ذلك ظهور الصور الكثيرة أمام (عين العقل) وليست هذه الصور صور الألفاظ، إنّما هي صور الأشياء التي ترمز لها الألفاظ".
وقال إن "المفارقة بتجلّياتها العديدة في شعر أبو شايب تكاد تكون هي (الروح الشعريّة) الغالبة عليه - بحسب تعبير اجترحه الشاعر عرار في أحد مقالاته النقديّة أو هي السمة الأسلوبيّة الدالة على شخصيّته من خلال شعره، ولعلّها أشبه بما عبّر عنه الناقد التشيكي يان موكاروفسكي حين اقترح مبدأً أسلوبيًّا لدراسة شخصية الأديب في أعماله كلّها، انطلاقًا من أنّ الشخصيّة هي سمة نوعيّة يمكن تبيّنها داخل بُنية العمل، وبذا فإنّه يحلّ دراسة العمل مصدرًا محلّ دراسة مصادره".
وذهب الى أن للشاعر أبو شايب لغته الشعريّة الخاصّة به، و"له قدرته على اكتشاف طاقات هائلة في اللغة، وفي الكلمات؛ لأنّه فنّان وينطبق عليه رأي الفيلسوف الجمالي الفرنسي سوريو الذي يقول: "الحقّ أنّه سواء أكانت أداة الفنّان في الإبداع هي الكلام أم الرخام أم الأنغام أم الألوان، فإنّ ما يخلقه الفنّان لا بدّ من أنْ يكون عملاً فرديًّا يتّسم بطابعٍ خاصّ أو أصالة شخصيّة بحيث يصحّ أن نقول عنه إنّه (نسيج وحده)".
وقال "تشكّل مجموعة دواوين زهير المتعاقبة مشروعًا متكاملاً وناميًا شعريًّا ووجوديًّا، فهي تبدأ بـ(جغرافيا الريح والأسئلة) وتمرّ بـ(دفتر الأحوال والمقامات) ثمّ تقف مع (سيرة العشب) لتصل إلى (ظلّ الليل) "وتكاد جميعها تنذر نفسها للتأمل في الوجود، والتحديق في المعنى الشعري، مع محافظة على مفهوم سام للشعر في ذاته وفي مواصفاته. وليس من الصعب على القارئ استشعار التطوّر في بناء اللغة الشعريّة والصورة وتسامي الفكرة الشعريّة من ديوان إلى آخر يليه".
وخلص في اللقاء الذي قرأ فيه أبو شايب مقاطع من "ظل الليل" الى أن القارئ لشعر أبي شايب يحس بذلك الانشغال بعناصر الوجود الأربعة للكون: التراب والماء والهواء والنار، والتي ارتكزت عليها فلسفات التأمّل، والشاعر يقدّمها بلغة شعريّة وصياغات فلسفيّة ذات نبرة متسائلة عن كيفيّة التكوين الإنساني والتشكّل الخَلقيّ له، تمّ كيفيةّ تفاعله مع محيطه أو تعامله مع رغباته وأحلامه وأشواقه التي لا تنتهي، وصولاً إلى معرفة الذات والآخر وفكّ الاشتباك المفهوميّ بينهما.

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق