أميركا ضائعة بين إسرائيل وتركيا ومصر وفلسطين

تم نشره في الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً
  • أوباما في توازن قلق بين قوى الشرق الأوسط رؤية رسام الإيكونوميست -(الإيكونوميست)

تقرير خاص - (الإيكونوميست) 17/9/2011
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
متى سيصبح كل شيء في الشرق الأوسط مناسباً لباراك أوباما؟ كان الرئيس قد اعتلى سدة الرئاسة في البيت الأبيض وهو يأمل بأن يتم التوصل إلى حل الدولتين في فلسطين، وأهدر الكثير من رأس المال السياسي ليفشل في فعل ذلك. وقد أراد بإخلاص وضع أميركا في الجانب الصحيح من الربيع العربي، رغم أن هذه الرغبة انطوت على الانضمام إلى حرب في بلد عربي (ليبيا)، بينما بدا الرئيس بلا حول فيما كان بلد آخر (سورية) يقوم بذبح مواطنيه. والآن، ينجر الرئيس إلى شراك المعارك الدائرة بين أفضل أصدقاء أميركا في شرقي البحر الأبيض المتوسط، حيث قد لا يتوفر أي مخرج.
بالأمس فقط، أو هكذا يتبدى، كان شرق البحر الأبيض بحيرة ساكنة تحرسها على نحو متناغم قطع الأسطول السادس الأميركي. وكانت إسرائيل ومصر وتركيا كلها دول صديقة، ليس للولايات المتحدة وحسب، وإنما الواحدة للأخرى أيضاً. صحيح أن السلام بين مصر وإسرائيل أصبح على مر السنوات بارداً. وفي أعقاب حرب غزة في العام 2008 بين إسرائيل وحماس، استقر الجليد في العلاقات بين إسرائيل وتركيا أيضاً. ورغم ذلك، وخلف الكواليس، بدت الحكومات (والقوات المسلحة) في البلدان الثلاثة سعيدة بالتمسك بتفاهماتها الاستراتيجية، وهو ما قاد صانعي السياسة في أميركا إلى عقد الآمال على أن هذه الحالة ربما تكون على الأقل زاوية فعالة في الهندسة العنيفة للشرق الأوسط بغير ذلك.
لكن الأمر لم يعد كذلك، ففي يوم 10 أيلول (سبتمبر) الحالي، وجد السيد أوباما ووزير دفاعه، ليون بانيتا، نفسيهما وهما ينخرطان في مكالمات هاتفية محمومة مع رئيس وزراء إسرائيل؛ بنيامين نتنياهو، والمشير محمد حسين طنطاوي؛ رئيس المجلس العسكري الحاكم في مصر، لمحاولة إنقاذ أفراد طاقم السفارة الإسرائيلية في القاهرة من الحشود التي هاجمت مبنى السفارة. وقد أنقذ الجنود المصريون الإسرائيليين العالقين، لكن مشهد سفير إسرائيل وهو يسحب من بين فكي الربيع العربي لينقل إلى بر الأمان في القدس يومئ إلى ما قد تنطوي عليه الصحوة الديمقراطية العربية بالنسبة لمعاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، وهي أكبر إنجاز يفتخر به الرئيس جيمي كارتر، والأساس الذي استندت عليه دبلوماسية أميركا العربية- الإسرائيلية على مدار الأعوام الثلاثين الماضية.
وفي الأثناء، ما فتئت أميركا تكافح من أجل رأب الصدع بين إسرائيل وتركيا في أعقاب مقتل ثمانية أتراك وأميركي تركي على متن السفينة التركية "مافي مرمرة"، عندما حاولت في أيار (مايو) من العام الماضي كسر الحصار البحري الإسرائيلي الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة. وقد انهارت خطة مفصلة لتسوية الخلاف عندما رفض شركاء نتنياهو المعتدون بأنفسهم السماح له بالذهاب إلى ما وراء الإعراب عن الأسف، وتقديم اعتذار رسمي. وفي الوقت الحالي، ذهب الرد التركي إلى دفعة خطابية مفرطة. وبعد طرد سفير إسرائيل وتعليق الروابط الدفاعية والتهديد باتخاذ إجراء قانوني، ألمح رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان، عند إحدى النقاط، إلى أن السفن الحربية التركية قد ترافق أي قوافل مساعدات مستقبلية متجهة إلى غزة.
وكما هي الحالة في التوترات المتنامية بين إسرائيل ومصر، فإن الصدع بين إسرائيل وتركيا يترك أميركا بلا حول ولا قوة في الوسط. فتركيا هي شريك في الناتو، وإسرائيل هي صديقة أميركا الخاصة. وتقول وزارة الخارجية الأميركية يائسة إنها ترغب في رؤية "هذين الحليفين القويين للولايات المتحدة" وهما يعملان سوية في السعي للتوصل إلى الاستقرار الإقليمي. ولن يتحقق ذلك في وقت قريب. ويجعل تقرير الأمم المتحدة، الذي وجد أن حصار إسرائيل البحري هو تصرف قانوني، رغم أن استخدامها للقوة كان مفرطاً، يجعل ذلك من الأصعب على نتنياهو تقديم الاعتذار. أما السيد اردوغان، الذي وصف إسرائيل بأنها "الطفل المدلل"، فقد مضى على طريق الحرب. وكان في القاهرة مؤخراً، في مستهل جولته العربية، كاسباً إعجاب الجماهير المصرية المنتشية بسبب نبرته القتالية ضد إسرائيل.
ولا يتكفي السيد إردوغان بتحقيق شرف تركيا القومي الخاص، وإنما ينوي أيضاً جعل تركيا بطلة للفلسطينيين. ولأنه شعر بالإهانة الشخصية عندما شنت إسرائيل حربها على غزة عندما كان يحاول التوسط بين إسرائيل وسورية، فإنك تراه راهناً وقد ألقى بثقل الدعم التركي وراء خطة الفلسطينيين للتخلي عن "عملية السلام" التي لا تنتهي، ورفع سعيهم للمطالبة في قيام دولة إلى الأمم المتحدة. وقال اردوغان في اجتماع لوزراء الخارجية العرب في القاهرة: "دعونا نرفع علم فلسطين عالياً في السماء، وليكن رمزاً للعدالة والسلام في الشرق الأوسط".
وفي الأثناء، يتملك الرعب الأميركيين، الذين يشكلون الراعي الرسمي لعملية السلام اللامنتهية، بسبب هذه الفكرة. ومهما كان قوياً في دفاعه عن قيام الدولة الفلسطينية، فإن السيد أوباما يقول إن محاولة خلق الدولة من خلال استصدار قرار من الأمم المتحدة، من دون اتفاقية متفاوض عليها، سيكون بمثابة "صرف للانتباه". ويمكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير، إذ تدرس إسرائيل وأصدقاؤها في الكونغرس أمر إصدار رد قاسٍ يشتمل على وقف تقديم المساعدات المالية والتحويلات الضريبية للسلطة الفلسطينية. وقد ينهار التعاون الأمني بين إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية، وهو ما قد يفجر انتفاضة جديدة. وعليه، وما لم يخفف الفلسطينيون بالكامل من قرارهم المخطط له، فإن السيد أوباما سيستخدم حق النقض "الفيتو" بالتأكيد ضده في مجلس الأمن، وسيعطي ذلك لمصداقية موالاته لإسرائيل تعزيزاً تمس الحاجة إليه عشية الانتخابات الرئاسية. لكن ذلك قد ينطوي، في الوقت ذاته، على تهديم كل جهوده المتحمسة لتحسين موقف أميركا مع العرب.
دفع قسط إسرائيل
في الفترة الأخيرة، سارع المسؤولون الأميركيون في الذهاب إلى المنطقة، بمساعدة أوروبية، لتفادي الاصطدام في الأمم المتحدة. لكن الدبلوماسية الأميركية ستكون في وضع لا تحسد عليه بغض النظر عن النتيجة. ومع أن حكام مصر الحاليين قد لا يرحبون بقطع العلاقات مع إسرائيل، فإن القوى التي تكشفت بفعل الثورة ستستمر في الدفع نحو القطيعة. وستستمر، في الأثناء، عملية إبعاد إسرائيل من جانب السيد اردوغان. ولن يكون ذلك مدفوعاً بالألم وحسب، وإنما أيضاً بفعل قرار استراتيجي يهدف إلى وضع تركيا في الجانب الصحيح من الربيع العربي، خصوصا بعد أن أمضى السيد اردوغان وقتاً مطولاً جداً في تجاهل المجازر الجارية في الجارة سورية. وقد يبدو ذلك صعباً على إسرائيل، لكن الدولة اليهودية تدفع ما يصفه البعض بأنه "قسط نتنياهو" بسبب تعنت رئيس الوزراء تجاه الفلسطينيين. كما أن أميركا التي احتاج رئيسها الكثير جداً أيضاً للوقوف في الجانب الصحيح من الربيع العربي، ستدفع قسطاً متنامياً نظير صداقتها مع إسرائيل.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان: America in the middle between Israel, Turkey, Egypt and Palestine

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق