فشل من كل الجهات: إسرائيل، تركيا وتقرير بالمر

تم نشره في الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2011. 03:58 صباحاً
  • سفينة المساعدات التركية لقطاع غزة المحاصر "مافي مرمرة" - (أرشيفية)

غراهام أوشر - (كاونتربنتش) 12/9/2011
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
يوم 2 أيلول (سبتمبر)، قامت تركيا بطرد السفير الإسرائيلي لديها كردّ أول على رفض إسرائيل الاعتذار عن قتل تسعة أتراك في العام الماضي على أيدي أفراد من الكوماندوس الإسرائيلي، كانوا قد اعتلوا ظهر السفينة التركية "مرمرة" التي كانت تحاول كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة.
وتبعت هذه العقوبة صحيفة "نيويورك تايمز" السابق لأوانه لتقرير غالباً ما تم تأجيله عن الغارة، وهو ما يسمى بتقرير بالمر، الذي سمي بهذا الاسم نسبة إلى رئيس الوزراء النيوزلندي السابق جيوفري بالمر. وكان التقرير قد وضع لرأب الصدع بين الحليفين السابقين. لكن تسريبه أفضى إلى التفريق بينهما أكثر وحسب.
وقد اشتمل تقرير بالمر على القليل من المفاجآت. ووصف عمل الكوماندوس (ضد السفينة مرمرة) بأنه "مبالغ فيه وغير عقلاني"، ودان إزهاق الأرواح باعتباره "غير مقبول"، ووجد أن معاملة إسرائيل للركاب الذين كانوا على متن السفينة كانت "سيئة".
لكنه قال، فيما يعد مثار انتقاد، إن الحصار البحري الإسرائيلي لغزة هو "إجراء أمني مشروع لمنع دخول الأسلحة إلى غزة عن طريق البحر، وأن تنفيذه يتماشى مع القانون الدولي"، الأمر الذي يتضارب مع استنتاج كانت قد توصلت إليه لجنة كشف الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في العام 2010، حيث وجد أن كلا من الغارة والحصار غير مشروعين بموجب القانون الدولي.
وكانت لدى كل من إسرائيل وتركيا خلافات مع بالمر، لكنه كان من الواضح من هو الجانب الذي شعر بأنه مستثنى. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأعضاء حكومته يوم 4 أيلول (سبتمبر) الحالي إن حكم بالمر حول قانونية الحصار أثبت أن "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها". أما الرئيس التركي عبد الله غول، فقد هز كتفيه مستهجناً، وقال: "إن التقرير بالنسبة لنا لاغٍ وباطل".
وبالإضافة إلى خفض مستوى الروابط الدبلوماسية والعسكرية، ستعمد تركيا راهناً إلى دعم ضحايا الغارة عبر اتخاذ إجراء قانوني ضد القادة والمسؤولين الإسرائيليين لدى المحاكم المحلية والأجنبية على حد سواء، كما أنها سوف تطعن في حصار إسرائيل لغزة لدى محكمة العدل الدولية.
ويعزى التراجع في العلاقات التركية الإسرائيلية إلى أدنى مستوى لها في 30 عاماً إلى العديد من حالات الفشل. لكن الخاسرين الوحيدين من المرجح أن يكونوا أنقرة، التي أفضت سياستها في محاولة التقارب مع إسرائيل إلى العقم، والولايات المتحدة التي يبدو نفوذها حتى مع حلفائها في الشرق الأوسط وأنه في تضاؤل.
ولأكثر من عام، قاومت الحكومة التركية الرأي العام الخاص لديها في السعي للحصول على اعتذار إسرائيلي. وقد تصرفت بضبط للنفس في جزء منه بسبب الضغط الأميركي المهتم في أن يدفن حليفاه في شرق البحر الأبيض المتوسط خلافاتهما. لكن الحذر كان ما تم اللجوء إليه بسبب التغيرات التي أملتها الانتفاضات الشعبية في العالم العربي. وقبل عام، بدت تركيا مستعدة لخوض خطر المواجهة مع إسرائيل بسبب أسطول السفن، وكانت لديها علاقات وثيقة مع سورية والعراق، وعلاقات دافئة مع إيران. لكن الانتفاضات العربية نسفت تلك الوشائج، وأمست أنقرة راهناً على وشك فرض عقوبات على دمشق بسبب قمعها الوحشي لشعبها. وهي تعارض، في الأثناء، كلاً من إيران والعراق لدعمهما الرئيس السوري بشار الأسد.
وفي خضم هذا الاختمار، اعتقد الدبلوماسيون الأتراك بأن التطبيع مع إسرائيل كان أفضل من خوض غمار حرب باردة، فعملوا بلا كلل مع نظرائهم الإسرائيليين من أجل صوغ اعتذار إسرائيلي بعبارات منتقاة بعناية، والذي أقره نتنياهو، لكن وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان ونائب رئيس الوزراء موشي يعالون أغرقا الاعتذار حين استبعداه قائلين "إن الشرف هو فضيلة استراتيجية".
وكانت القشة النهائية فيما يبدو هي دعوة نتنياهو الشهر الماضي إلى تأجيل نشر تقرير بالمر لستة أشهر أخرى، ليجد أنه تم تسريبه لصحيفة النيويورك تايمز. ويشعر الأتراك بقناعة أن التسريب إنما تم من جانب ليبرمان ويعالون، من أجل تصريف كل فرصة للمصالحة. وقال دبلوماسي تركي بهذا الصدد "إن إسرائيل ليست جادة".
لقد بزت تركيا. ووفق صحيفة الجيروساليم بوست، فإن المسؤولين الإسرائيليين يعتقدون بأن تهديدها برفع موضوع حصار غزة إلى محكمة العدل الدولية هو "مسدس يطلق طلقات خاوية". قد يكونون على حق. ومن المؤكد أنه من الصعب رؤية محكمة العدل الدولية تصدر رأياً استشارياً ضد الحصار بعد أن وجد تقرير الأمم المتحدة الذي أيده الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأن الحصار "غير قانوني".
وقد أفلت زمام الأمور من يدي إدارة الرئيس أوباما. فقد كانت الدافع الرئيس وراء تقرير بالمر في جزء منه من أجل طمس تقرير حقوق الإنسان الأممي السابق، وإنما لإعطاء تركيا وإسرائيل فرصة لترميم العلاقات بينهما. وقال مصدر في الأمم المتحدة إن تقرير بالمر "لا يتعلق بالمسؤولية"، وإنما "بإدخال تركيا وإسرائيل في مباحثات في الغرفة نفسها معاً".
وتظل تركيا دولة رئيسية بالنسبة لواشنطن، ليس لأنها تشكل الواجهة الشرقية للناتو مع إيران (في اليوم الذي أقرت فيه العقوبات على إسرائيل، وافقت تركيا على نشر رادار إنذار مبكر كجزء من نظام دفاعي للناتو يكون هدفه تشكيل "درع" يقي أوروبا من الصواريخ الإيرانية)، وإنما لأنها ربما تكون القوة المحورية من أجل بناء ائتلاف إقليمي ضد سورية أيضاً.
وفي عين أميركا، فإن الشحناء بين تركيا وإسرائيل بسبب الغارة أضعفت أهداف كلا الجانبين. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون قد حثا الحكومة الإسرائيلية على "قطع الميل الإضافي" من أجل السلام مع تركيا، بما في ذلك الاعتذار عن مقتل الأتراك التسعة، كما ذكرت مصادر تركية وإسرائيلية.
وكان نتنياهو قد قال مبدئياً إن هذا شأناً مستحيلاً بسبب مسوغات تتعلق بالائتلاف: لقد كان ادعاءً كاذباً؛ لأنه، رغم أن ليبرمان عارض أي اعتذار، فقد قال إنه لن يترك الحكومة بسببه. ثم قال رئيس الوزراء الإسرائيلي لكلينتون إنه بسبب الاحتجاجات الاجتماعية التي تجتاح المدن الإسرائيلية، فإن الانحناء إلى "الإملاءات" التركية من شأنه إضعاف موقفه لدى الرأي العام الإسرائيلي، كان ذلك عندما ظهر بالمر في النيويورك تايمز.
وليست هي المرة الأولى التي تظهر فيها إسرائيل استعدادها للتضحية بروابطها الاستراتيجية طويلة الأمد على مذبح التكتيكات المحلية قصيرة الأمد. وليس من أجل الأولى، كان على إدارة أوباما مسح البصاق الإسرائيلي من أعينها والقول للجميع إنه كان مطراً.

*يكتب للأهرام الأسبوعية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel, Turkey and the Palmer Report

التعليق