عرفت فالزم

تم نشره في الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • مصلون يستمعون لمواعظ دينية في مسجد الملك عبدالله في عمان في شهر رمضان الماضي-(تصوير أسامة الرفاعي)

د. محمد المجالي*

فئة من الناس وحدها تلك المبصرة المعتبرة المحدقة بتقلب الأيام ومرور الزمان، تلك الفئة هي التي تعيش واقعها وتنظر إلى مستقبلها بأمل، تحسب لكل شيء حسابه، لا يعيش أفرادها هائمين على وجوههم، بل بالحكمة والبصيرة، وصدق الله: "أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى؛ أمّن يمشي سويًا على صراط مستقيم؟"، وشتان ما بين حالين، حال مؤمن محاسب لنفسه، مراجع لها، لوّام، وآخر لا يعنيه أمر دينه، ولا عاقبة أمره، ولا مصيره الذي ينتظره، في دنياه غدًا، وفي آخرته حيث المستقر، وباختصار: شتان ما بين عاقل يسعى لحياة أبدية سعيدة، وأحمق لا يهمه مستقره في المستقبل.
أما وقد خرجنا من شهر العبادة، وفيه ما فيه من دروس وعبر وآثار على النفس والفكر والروح، فهنا نقول: ما أعظم استمرار المسلم في حاله مع الله على الاستقامة، وقد هيأ الله له من سبلها ووسائلها الشيء الكثير، عملياً وقولياً وفكرياً ووجدانياً، فذاك الشهر هو شهر التقوى، شهر الصيام والقرآن، شهر معرفة النفس وقدراتها، شهر البناء الحقيقي لإرادة لطالما نستهين بها ونغيّبها فنبدو في حالة شلل إراديّ وإرهاق بدني وكسل عقلي، فاكتشفَ أحدُنا ذاته، وعرف نفسه، فنقول هنا: عرفت فالزم.
يخطئ كثيرون فيظنون أن هذه الفرص الربانية التي يمنحنا الله إياها تبدأ وتنتهي، صحيح أن لكل شيء بداية ونهاية، إلا الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية –سبحانه- ولكن الأصل في قاموس المسلم أن هذا زاد على الطريق، أجل: رمضان لم ينته بل ينبغي أن تكون آثاره بادية على سلوكنا ومسيرنا إلى الله تعالى، وليكن رمضان شهر انطلاق وانعتاق، تزوّدنا فيه من وقود الإيمان ما ينبغي الاستمرار عليه والالتزام به في سيرنا إلى الله تعالى.
نحن في مسير، ولعل الفهم الخاطئ للعبادات هو الذي يجعلنا نخطئ في نظرتنا إليها، فالعبادات حين تتحول إلى عادات، عندها تفقد قيمتها وأثرها وروحانيتها، حين تصبح الصلاة أداء لا إقامة، والصيام امتناعاً عن الشهوة لا بناء للروح، والحج رحلة سياحية لا سموًا بالأخلاق وارتقاءً بالروح وارتباطاً بمقدسات وتاريخ في الإيمان عريق، وحين نؤدي الزكاة متثاقلين لا مستشعرين أخوة المسلمين وتعاونهم وأنهم كجسد واحد، حتى الذّكر وقراءة القرآن إن كانا مجرد حركة لسان ولا تحرك الوجدان وتعظم الرحمن، حينها نستشعر أن رمضان ثقيل علينا وليته يرحل، وليت الإمام يخفف في صلاته فقد مللنا، وإن صليت وحدي فربما تكون صلاتي نقراً، وهكذا لكل من ظنّ أنّ هذه المواسم زمنٌ يمر دون اعتبار وتعقل ونظر وبصيرة.
عرفت فالزم أيها المسلم، فتذكر تلك اللحظات الإيمانية، تذكر همتك كيف كانت، سجودك الطويل في اتصالك بربك، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، تذكر الدعاء والقنوت، تذكر صبرك كيف كان على الطعام والشراب وسائر الشهوات طاعة لله، تذكر أنك قوي تملك إرادة، ونفسك التي طالما تخذلك قد لجمتها وسيطرت عليها، وأجبرتها على اقتحام ما تكره، فأنت بذلك كنت عظيمًا سيدًا، لا عبدًا ذليلاً لأبسط شهوة وهي الطعام والشراب.
إن هدف الصيام تحقيق التقوى، بائن هذا من أول آية من آيات الصيام وآخرها، التقوى: تلك الكلمة الجامعة التي تبين مخافة الله، ولا تكون مخافته إلا لمن بذل وخشي على عمله عدم القبول، وخشي النار أن تكون مصيره، وخشي أن يكون مقصرًا في حق خالقه، ومع ذلك فهو يطمع برحمة الله وجنته، يدعو الله رغبًا ورهبًا، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، يعلم بأنه سبحانه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذو الطول لا إله إلا هو إليه المصير، أنه الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، ولا يكون هذا مصدر ركون أو يأس بالنسبة له، بل أمل بالله تعالى وعهد مستمر معه سبحانه أن يكون على الصراط المستقيم، تلك الجملة التي نكررها يوميًا سبع عشرة مرة على الاقل، لو فكرنا فيها، وفي شعار الصلاة الذي هو (الله أكبر) لأدركنا حقائق لا بد من الوقوف عندها والاهتمام بها، فالدعوة المستمرة (اهدنا الصراط المستقيم) دعاء لله أن يهدي ويثبت، ويبعد عنا أي وساوس وشبهات ونزوات تحول بيننا وبين هذا الصراط المستقيم، الذي هو صراط الذين أنعم الله عليهم، لا المغضوب عليهم ولا الضالين، ثم شعار (الله أكبر) أكبر من نفسي ومن كل شيء، أكبر من شهوات الدنيا وزخرفها وزينتها، أردده كلما انتقلت من حركة لأخرى، وهكذا خارج الصلاة، فالله أكبر أيضًا من أي شيء.
عرفت فالزم أيها المسلم، وتذكر مشاعر ينبغي لها الاستمرار، ومن هنا كان صيام الستة من شوال مندوبًا ليربط المسلم ما كان عليه في رمضان بما بعد رمضان، علامة على أنني لست متثاقلاً من الصيام فها أنذا أصوم زيادة عليه، والحال نفسه مع الصلاة لمن تنفل فزاد، والزكاة لمن أعطى الحق وزاد، وهكذا، فالنافلة علامة على الرضا، لسان حالها يقول لله تعالى: يا رب، أنت فرضت عليّ كذا وكذا، فأنا أعمله وأزيد، لست متثاقلاً ولا مرغمًا، بل أقبل على العبادة برضا، فأنت الذي شرعت وفرضت وطلبت، فلن أتردد في شيء تريده، فها أنذا أعمل وأزيد حتى ترضى، وصلى الله على الذي كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وحين يُسأل عن ذلك وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيجيب: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟
هذا المغزى هو الذي نريد، وأجزم أننا بدون جيل راض عن ربه فيرضى الله عنه لن نكون صالحين فضلاً على أن نكون مصلحين، هذا هو الارتقاء والسمو، هذه هي العزة الحقيقية بالله تعالى، إن كنت أخي وأختي قد أدركت ذلك فقد عرفت، فالزم، عض عليها بالنواجذ، واعتصم بالله، وكن معه ليكون معك، وصدق الله: "ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم".


* عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

التعليق