الركود الأعظم على الإطلاق

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • هناك مؤشرات كبيرة تحذر من ركود عالمي عميق قادم - (أرشيفية)

ستيفن ليندمان*
 (ذا بيبلز فويس) 10/8/2011


ترجمة: عبد الرحمن الحسيني


إحدى الإمارات هي الصدمة المالية العالمية الضخمة، التي محت ما قيمته حوالي 8 تريليونات دولار من ثروة الأسهم منذ تموز (يوليو) الأخير. وأخرى هي الاقتصادات الكونية المتعثرة، وبشكل ملحوظ، في أوروبا وأميركا.
وما تزال ثمة واحدة، هي الفقر المتنامي، والحرمان والقنوط الذي يلف الملايين الذين بلا وظائف أو دخل كاف أو مستقبل. وتشير هذه الإمارات مجتمعة، إلى أن ثمة ركوداً في مراحله الأولية، وهو آخذ في التعمق.
وفي العام 2008، كان محلل الاتجاهات جيرالد سيلينتي قد تنبأ بهذه الركود، فقال: "كل مستويات الحكومة سوف تعلق في انهيار القطاع الخاص، عندما تنكمش قواعد الضريبة وتتراجع عوائد الضريبة بحدة. وسوف تفعل المحاولات للتعويض عن حالات التقصير من خلال رفع سقف الضرائب ورسوم التعليم والمكوس وفرض رسوم أعلى على المستخدمين وعلى الرخص، ستفعل القليل لحل المشاكل، لكنها ستفعل الكثير في المقابل على صعيد إثارة حنق المواطنين".
وفي الحقيقة، حدث ذلك على نحو مقلق في عموم أوروبا -في اليونان وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وايرلندا وبريطانيا وغيرها، مع الكثير من احتمال المزيد في أي مكان غابت عنه العدالة الاجتماعية لفترة طويلة.
وفي يوم السادس من آب (أغسطس)، بدأ العنف في توتنهام شمالي لندن بعد أن أطلقت الشرطة النار على مارك دوغان البالغ -29 عاماً- ووالد أربعة أبناء وقتلته. وأسفر الحادث عن تفجر أعمال عنف أيام الأحد والاثنين والثلاثاء في بريكستون وأنفيلد وواثامستو وأيلنغتون وهاكني وكرويدون ولويشام وبيكهام وكلافام وإيلنغ ووسط لندن، وبيرمنغهام -ثاني أضخم مدينة بريطانية. كما انتشرت أعمال الشغب أيضاً في ليفربول ومانشستر وغيرهما، حيث ألهب الغضب المستعر بريطانيا. ويوم 9 آب (أغسطس)، عنون كاتبا الغارديان اللندنية فيكرام دود وكارولين ديفيس تقريرهما: "تصاعد الشغب في لندن، فيما الشرطة تخوض معركة من أجل السيطرة". وقالا فيه: "تم إضرام النيران في البنايات ونهبت الحوانيت وهوجم الضباط بصواريخ محمولة متنقلة وبالقنابل البترولية، بينما نشر شباب الفضلات في عموم شوارع المدينة. وما يزال العدد المطلق للحوادث (الغضب) عند مستوى يحبس الأنفاس".
وكان سيلينتي قد حذر من حدوث ذلك على المستوى الكوني عدة مرات، فقال: "عندما يفقد الناس كل شيء، ولا يكون لديهم أي شيء آخر ليخسروه، فإنهم يخسرونه".
وفي بريطانيا، وفي عموم أوروبا، وفي كل مكان تسود فيه ظروف اجتماعية غير محتملة، يمكن لشرارة أن تشعل عاصفة من النار، متسببة في أي شيء، بدءا من الاحتجاجات السلمية إلى الغضب العنيف.
وكان لهيب بريطانيا من النوع الأخير. ومنذ منتصف تموز (يوليو) الماضي، خبرت إسرائيل تجربة النوع الأول، حيث قامت احتجاجات سلمية غير مسبوقة في الشوارع، بسبب غياب العدالة الاجتماعية هناك منذ فترة طويلة.
ويوم التاسع من آب (أغسطس) كان عنوان مقال جيف هالبر: "احتجاجات الخيام في إسرائيل: هل تستطيع الخروج من صندوق الصهيونية /الأمن/ الليبرالية الجديدة؟" وقال أيضاً: تشكل "أسابيع من الاحتجاجات تحدياً شعبياً لنظام إسرائيل الليبرالي الجديد". وفي يوم 8 آب (أغسطس) خرج نحو 320.000 شخص يمثلون شرائح المجتمع الإسرائيلي كافة، بدءا من الطلبة مروراً بكبار الموظفين، إلى الأمهات وسائقي سيارات التاكسي والأطباء والمعلمين والعديدين غيرهم -وكل يكافح من أجل جعل الغايات تتلاقى في مجتمع تنقصه المساواة إجمالاً. ويقول عنها الإسرائيليون إنها "بروتكسيا"، نظام حكم بواسطة النقود والعلاقات، وهو الشيء نفسه الذي يدمر أميركا.
ولأنهم وصلوا أخيراً إلى نفاد الصبر، فهم يطالبون بالتغيير وسيذهبون إلى آخر مرحلة للحصول عليها. وفي الوقت نفسه، يبقى أن نشاهد ما الذي سيحدث عندما تعمد الحكومة إلى التعويق والدفع إلى الخلف. وهذه انتفاضة تجب متابعتها، فهي ليست ربيعاً عربياً وإنما صيف إسرائيلي واعد. وليس ثورة حقيقية، وإنما عودة إلى دولة الرفاهية التي تعد رغم ذلك تمييزية بنيوياً".
وتساءل هالبر عما عساه أن يحدث إذا استمرت احتجاجات الخيام حتى أيلول (سبتمبر). وهل سيتصل الإسرائيليون مع نظرائهم الفلسطينيين؟... تصور، انطلاق مسيرة جماعية من تل أبيب إلى رام الله -ثم العودة.
والاحتمالات تحبس الأنفاس -احتمال قيام "نظام اجتماعي سياسي واقتصادي جديد"، لكنه سيبقى علينا النظر إلى ما سيتم لاحقاً. وما يبعث على التفاؤل أن منظمي الاحتجاج تبنوا مطلبين عربيين إسرائيليين -اعتراف الدولة بقرى البدو في النقب غير المعترف بها؛ والسماح للسلطات المحلية بالموافقة على البناء للمساعدة على حل مشكلة إسكان جدية، ما تسبب في تحليق الأسعار في عنان السماء -وهو ما أشعل فتيل الاحتجاجات في المقام الأول.
يوم 9 آب (أغسطس)، كان عنوان الكاتب في صحيفة هآرتس (الإسرائيلية) غيلي كوهين: "الحكومة الإسرائيلية تفشل في توفير إسكان عام لآلاف المؤهلين". وقال في مقاله: "إن قائمة أولئك (المؤهلين) للإسكان، لكنهم ما يزالون ينتظرون من الحكومة توفيرها، تضم نحو 10.000 مواطن قديم و50.000 مهاجر جديد".
وفي مدن ضخمة مثل تل أبيب والقدس وحيفا، يمتد عمر قوائم الانتظار إلى ستة أعوام. ومع أن هناك مساعدات بدل إيجار تقدم، فإنها تعد غير موائمة، وتفشل في مواكبة الأسعار المحلقة في عنان السماء.
ويمكن لالتماس يقدم إلى محكمة القدس أن يساعد. ولأنه معد من جانب مركز المساعدة القانونية، تراه يطلب التعويض لأولئك الذين ما يزالون على قوائم الانتظار قائلاً إنها ضرورية إذا كانت الحكومة تستطيع تقديمها.
ووفق تقرير صادر في العام 2008، باعت السلطات على الأقل 2.600 شقة سكنية عامة في الفترة بين 2002-2009 لجمع العوائد. وفي الوقت نفسه، لم تقم ببناء أي وحدات إضافية، بما يتناقض مع قانون الإسكان العام الذي يتطلب فعل ذلك. ونتيجة لذلك يقول التقرير:
"يفضي هذا التسلسل للأولويات بالعائلات التي لا تتملك شققاً، والتي تمس حاجتها إلى دعم حكومي، لأنه لا تتوفر لديها أي فرص تقريباً للحصول على إسكان"، في وقت تعد فيه الأجور بالنسبة للعديد من الإسرائيليين غير ممكنة الدفع.
ويوم 9 آب (أغسطس)، عنون كاتبا هآرتس إيلان ليور وجوناثان ليز "قادة الاحتجاج يعرضون رؤيتهم للعدالة الاجتماعية في إسرائيل"، قائلين: "أصدر منظمو الاحتجاج وزعماء الطلبة، سوية مع ممثلي المنظمة الاجتماعية وممثلين من مجموعات الشباب، بياناً مشتركاً يوم الاثنين يعرض ما يرونها المبادئ الرئيسية التي تقف وراء كفاحهم من أجل العدالة الاجتماعية".
واستهلت وثيقة رؤيتهم الخاصة "بإطار العمل للاستثمار في أجندة اجتماعية اقتصادية جديدة" بالقول: "لعدد من العقود، اختارت حكومات مختلفة في إسرائيل سياسة اقتصادية للخصخصة، تترك السوق الحرة من دون كوابح. وقد أصبحت هذه السياسة الاقتصادية وجودنا اليومي -حرب من أجل استدامة العيش بكرامة وعزة".
وتشتمل مبادؤها الستة على:
1- التقليل من حالات عدم المساواة القومية الاجتماعية المستندة إلى الجندر إلى الحد الأدنى.
2- جعل النظام الاقتصادي الحالي أكثر مساواة.
3- خفض كلفة المعيشة الخارجة عن زمام السيطرة، بالإضافة إلى المطالبة بالتوظيف الكامل.
4- منح الأولوية لأطراف المدن.
5- توفير احتياجات أولئك الأكثر تعرضاً وضعفاً، وخصوصا الفقراء والمعوقين وكبار السن والمرضى.
6- الاستثمار أكثر في الرعاية الصحية والتعليم والسلامة الشخصية والإسكان والنقل والبنية التحتية العامة.
ولاحقاً، سيقدم قادة الاحتجاج وثيقة ثانية يشرحون فيها مطالبهم بالتفصيل. وهي تتضمن توفير إسكان عام، ورعاية طبية أفضل وأقل كلفة، وتعليم مجاني، وأحجام فصول دراسية أصغر، والمزيد من الموظفين المجتمعيين والمعلمين والأطباء، والتوظيف الكامل، وأجور أعلى وضرائب أقل، وميزات أفضل، وزيادة مخصصات نهاية الخدمة، ومساعدات بدل الإيجار، وغير ذلك.
واستجابة لاحتجاجات متنامية، قطع الكنيست عطلته الصيفية لعقد جلسة خاصة، إما يوم 10 أو 15 آب (أغسطس). وأراد بعض أعضاء الكنيست موعداً لاحقاً للإبقاء على الاحتجاجات حية. وفي حقيقة الأمر، تتزايد الاحتجاجات من دون إظهار أي إمارة على الوهن والتراجع.
ويوم 8 آب (أغسطس)، احتج المئات من المتقاعدين عند مجمع الحكومة في تل أبيب (كيريات هممشالاة)، مطالبين بكلفة أقل لأسعار الدواء، وبإلغاء ضريبة القيمة المضافة على الضروريات، وبعدم الانقطاع من تقاعدهم.
وطبقاً لغيورا روزين، تخطط تنظيمات مجتمعية أخرى لعقد جلسات لتقديم مطالبها قائلة "إن معظمها تمثل الطبقة الأخفض من المجتمع. وعليه، فلن يكون ثمة حل من دون البت في مشكلة مواطني إسرائيل الفقراء، سوية مع المنظمات المجتمعية المدنية".
ويوم 9 آب (أغسطس)، عنون كاتبا هآرتس باراك رافيد وجوناثان ليز "نتنياهو: أنا أفهم أن وجهات نظري بخصوص السياسة الاقتصادية الإسرائيلية تحتاج لأن تتغير". وقالا في تقريرهما: "يوم 9 آب (أغسطس)، قال للبروفيسور مانويل تراجتنبيرغ رئيس لجنة الخبراء الذي سيتباحث مع قادة الاحتجاج، إنه من الضروري تغيير السياسة الاقتصادية". وقال تراجنبيرغ إن المزيد من مواقفه السياسة يحتاج إلى التغيير، مضيفاً أنه: "ثمة نظام معمول به في إسرائيل يقضي بتشكيل لجنة ثم قتل الموضوع. ولجنة أخرى مكونة من كل الوجوه المألوفة لن تجدي نفعاً هنا. وما لم تتوحد القيادة السياسية وراء توصياتها، فإنها لن تجدي نفعاً".
وقد أخرجت مواضيع عدم الإنصاف الاجتماعي مئات الآلاف إلى الشوارع في إسرائيل. لكن الوعود لن تقنعهم. فهم يريدون تغييراً فعلياً الآن. وقال تراجنبيرغ إن رفع وتيرة غضبهم يعد أمراً حيوياً. "إنها مسألة تحترق في عظامي. ولا أعرف إذا كنت سأنجح. لكن علينا خوض المجازفة".
وفي الوقت نفسه، فإن قلب عقود من غياب العدالة المجتمعية في ظل أكثر حكومات إسرائيل اليمينية تطرفاً على الإطلاق قد تكون عملية مسكونة بالمخاطر بغض النظر عن الضغط. ومع ذلك، فإن الإسرائيليين ملتزمون بأن يحاولوا على ضوء أن الظروف الراهنة أصبحت غير محتملة.
ولا يعد الفشل خياراً في ظل تنامي أعداد المحتجين. وسيدفعهم الذهاب إلى الإفلاس على المزيد من الضغط وعدم التراجع. وهو يأخذ تلك الروح إلى كل مكان من أجل النصر لما يمكن أن يكون مستحيلاً بغير ذلك.
وقالت عالمة الإنسانيات الشهيرة مارغريت ميد ذات مرة: "لا تحقرن أبداً قوة القلة الملتزمة من الأشخاص بتغيير العالم. وفي الحقيقة، فهي الشيء الوحيد الذي استطاع فعل ذلك".
وإذا استطاعت قلة فعل ذلك، فلك أن تتخيل ما تستطيع مئات الآلاف من الملتزمين إنجازه في إسرائيل أو أي مكان آخر. وعلى ضوء ركود كوني متعمق، فما هو الوقت الأفضل للتصدي له غير الوقت الراهن؟

*كاتب يعيش في شيكاغو، الولايات المتحدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Greatest Depression

abdragaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق