نصر الله في "عودة الياسمين إلى أهله سالما": قصائد مثقلة بالحكمة تتخفف من التقريرية

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

بيروت - بين آخر ما صدر للشاعر والروائي الأردني إبراهيم نصر الله من نتاج غزير ومميز مجموعة "عودة الياسمين إلى أهله سالما"، وهي مختارات من قصائد الشاعر على مدى فترة زمنية.
ونصر الله المولود لابوين فلسطينيين هجرا من أرضهما شاعر وروائي ذو نكهة فكرية وفنية مميزة ومسيرة دائمة من التزام القضايا الانسانية حتى -بل خاصة- من خلال القضايا القومية التي تعالج عنده بعمق انساني وهو بعد لو جردت منه اي اعمال قومية ووطنية لتحولت الى مجرد خطب ومواعظ و"كليشيهات"، لا قيمة لها بل انها في افضل حال لا تكون أكثر من قيمة وقتية تزول بزوال مرحلة ما وجل ما يمكن ان تقدمه لا يعدو كونه قيمة تاريخية.
اما الناحية التاريخية خاصة في روايات ابراهيم نصر الله فهي غالبا ما تكون مركبا للوصول إلى الإنساني. وفي شعره تترسخ الناحية الإنسانية في شكل فني موح. وحتى حيث يكتب الفكرة أو حيث ترد عنده حكمة أو ما يماثلها، فهي لا تأتي بقالب فني فحسب بل بروح فنية انسانية.
ومن أوضح الامثلة على ذلك مجموعة أعمال روائية له شكلت سجلا تاريخيا وإنسانيا فنيا لآلام الفلسطينيين.
المختارات هذه مأخوذة من أربع مجموعات شعرية صدرت بين العامين 1989 و2007.
كتاب نصر الله جاء في 191 صفحة متوسطة القطع وصدر عن الدار العربية للعلوم- ناشرون في بيروت. لوحة الغلاف تفصيل من لوحة للفنان فلاح السعيدي وتصميم الغلاف واللوحات الداخلية للفنان محمد نصر الله.
القصائد تتراوح بين قصيدة نثر وبين قصيدة بتعدد أوزان وقواف. شعره عامة يجمع بين الايقاع الموسيقي غير الصاخب حتى في النثري منه وبين الصورة الموحية والعاطفة التي تسيل بسهولة فيه حتى حيث في الأحيان التي تبدوفيها لنا خفية الى حد ما. والقصر يطغى على القصائد الى حد انه يمكن وصف غالبها بانه قصائد قصيرة.
نقرأ القصيدة التي حملتها دفة الكتاب حيث يقول ابراهيم نصر الله: "في البدء لم يكن هذا الخريف..، كانت عاشقة، قد أمسكت بزهرة ورددت في سرها، يحبني.. لا لا يحبني.. يحبني.. لا لا يحبني، وحين انتهت أوراقها ولم يجب أحد، مضت الى الحقول واحدا فواحدا لتسأل االزهور والأبد، جورية.. زنبقة.. نوارة، يحبني.. لا لا يحبني.. يحبني.. لا لا يحبني، ولم يجب أحد، مضت إلى الأشجار تخصف الورق، يحبني.. لا لا يحبني.. يحبني.. لا لا يحبني، ولم يجب أحد، واصفرت البلد".
القصيدة الأولى وعنوانها "حيرة" يأتينا فيها الشاعر بما يحول الفكرة إلى صورة وحالة نفسية، وبما يذكر بقول السيد المسيح عن أنَّ لطيور الأرض وحيواناتها امكنة تأوي إليها، فإلى أين يذهب ابن الإنسان. يقول "في البداية، قالت الخيل أريد سهولا، قالت النسور أريد القمم، قالت الأفاعي اريد جحورا، وظل الانسان حائرا".
في القصائد أو كثير منها سمة هي تحويل الفكرة والحكمة إلى صورة شعرية قادرة على أن تنقل إلينا الفكرة والحكمة بدون ان تتحولا إلى برودة تقريرية. وفيها أيضا على رغم الفارق الزمني بين بعضها والبعض الآخر تلك الخصائص التي تدل على "شخصية"، محددة وعلى صدورها عن شاعر نجد وحدة بين ما قاله قبل سنوات وما قاله أمس.
في قصيدة "اتحاد" يتحدث عن الخوف من الموت ثم عن تجاوز هذا الخوف، مع أنَّ الموت ما يزال محتما. يقول الشاعر "في البداية كنت أركض كالمجنون، وأنا أغلق المنافذ، في وجه كل شيء يحمل الموت، كنت خائفا، إلى أن خرجت إلى الشوارع". هنا نجد كأن هناك طفلا خائفا، لكن خوفه يتوزع بين الجماعة ويتشتت مع أنَّ الناس كلهم سيدركهم الموت. كم تروضنا الحياة.
في قصيدة "غرائب" نصل الى فكرة فنقرأ كيف يتحول التقريري الى كلام مموسق بهدوء "لا شيء يستطيع أن يعلو، مثل إنسان، ولا شيء يستطيع، أن ينحدر، أيضا".
في قصيدة "لمسة" دفء وإيحاء وطمأنينة تتجسد بهدوء. يقول "بلمسة من يدك الدافئة، هكذا دائما، تعيدين الغريب إلى نفسه".
في "أحلام" اختصار موح لكلام كثير عن الظلم والاستبداد والقمع. يقول "أيها النائم، ما دام الشرطي ساهرا تحت شباكك، فإن كل ما تدخره من أحلام، سيمضي معك إلى مكان واحد، هو القبر".
ونقرأ في "نداء" هذه الأسطر التي تنضح بحزن نبيل. يقول "لا تضع أيها الصديق، مثل غيمة فقدت الأمل، في أن تكون مطرا".
وفي "صدق" يقول في طرافة مؤثرة "ذلك الرسام، بكى كثيرا، عندما لم يستطع، رسم الدمعة".
ويتحدث عن مألوف الكلام كأن يقال إنَّ شخصا ما بقيت طفولته ترافقه ولم يتخل عنها في كبره، لكنه يأتينا بصورة تختلف عن التصور العادي. ففي قصيدة "حيطة" يقول "لم أترك طفولتي يوما تبتعد كثيرا، إن الوحوش تتجول في الجوار، ولذا لم أجد بدا من الاحتفاظ بها، حتى اليوم".
قصيدة "مخاوف" تختصر كثيرا من سمات شعر إبراهيم نصر الله. وفيها نقرأ "أخاف مرور اسمك الآن عبر الممرات..، في لحظات السكون، وفي خطوات الهواء، أخاف مرور اسمك الآن كالريح، بين الندى وحواف البكاء، أخاف مرور اسمك الآن في النور، أو في العماء، أخاف مرور اسمك الآن في الماء، على عتباتي أغفى الخريف، وبين ضلوعي ألف شتاء".-(رويترز)

التعليق