انفصام الصلة العربية-الأميركية: الثورات تعيد ترتيب أولويات المنطقة

تم نشره في الأحد 4 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً
  • يافطة تطالب أميركا برفع أيديها عن الثورات العربية - (أرشيفية)

رمزي بارود
 (ذا بالستاين كرونيكل) 15/8/2011

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ala.zeineh@alghad.jo



بينما يستمر الربيع العربي في تحدي سلطة الحكام المستبدين، وهدم البنى القديمة، وتأمل خرائط الطريق من أجل مستقبل أفضل، ما تزال الولايات المتحدة ملتزمة بسياساتها الفاشلة، ومفاهيمها الخاطئة، ومصالحها الأنانية.
وقد يختلف العرب على الكثير من الأمور، لكن قليلين يختلفون على حقيقة أنها لم تعد هناك الآن عودة إلى الوراء. ويبدو أن عصر الديكتاتوريين، من أشباه مبارك وابن علي، قد أصبح في طور الأفول. ثمة فجر جديد، بمجموعة جديدة كاملة من التحديات، طلع علينا. وقد أصبحت المناقشات الجارية الآن في المنطقة تعنى بالديمقراطية، والمجتمع المدني والمواطنة.
أما المثقفون العرب الوحيدون الذين ما يزالون يتحدثون عن الإرهاب والأسلحة النووية، فهم أولئك الذين يعملون بتكليف من مراكز واشنطن الفكرية، أو من القلة التي تناضل بيأس من أجل الظهور  في برامج شبكة فوكس نيوز.
وبعبارات بسيطة، فإن الأولويات العربية لم تعد أولويات الولايات المتحدة، على النحو الذي ربما كانت عليه عندما كان حسني مبارك ما يزال رئيسا لمصر.
وبينما كان يقود مجموعة من "المعتدلين العرب"، كانت مسؤولية الرئيسية هي تصوير السياسة الخارجية الأميركية كما لو أنها كانت في صميم مصلحة مصر الوطنية كذلك.
وفي الوقت نفسه، في سورية، وقع بشار الأسد في شباك مملكة من التناقض. ففيما يناضل يائسا لتلقي علامات عالية على أدائه في ما يسمى الحرب على الإرهاب، فإنه ما يزال يسوق نفسه على أنه حارس للمقاومة العربية.
وعندما انقضت الولايات المتحدة على أفغانستان وسيطرت عليها في أواخر العام 2001، أصبح مصطلح "الحرب على الإرهاب" أساسياً وثابتاً في الثقافة العربية.
وقد اضطر المواطنون العرب العاديون لاتخاذ مواقف بشأن قضايا كانت تعني القليل بالنسبة لهم، لكنها كانت بمثابة العمود الفقري لاستراتيجية الولايات المتحدة العسكرية والسياسية في المنطقة.
وأصبح الرجل العربي والمرأة العربية – المحرومان كلاهما من الحقوق، والكرامة، وحتى من طيف أمل- مجرد موضوعات لاستطلاعات الرأي المتعلقة بأسامة بن لادن والقاعدة وغيرها من القضايا التي سجلت حضورها بالكاد على رادارات حياتهم اليومية من المعاناة والإذلال.
وقد استغل الدكتاتور العربي هاجس الولايات المتحدة بأمنها. وكان على الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أن يختار بين سيطرة عدوانية من جانب الولايات المتحدة –من أجل "هزيمة القاعدة" - أو تولي تنفيذ الحرب القذرة بنفسه.
وقد اختار هذا الخيار الأخير، وسرعان ما اكتشف مباهج وميزات لعب مثل هذا الدور.
وعندما خرج الشعب اليمني إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والديمقراطية، أرسل صالح وحدات من الجيش والحرس الجمهوري الموالين لقتل مقاتلي القاعدة، الذين انفجرت أرقامهم أمامه فجأة، وكذلك لقتل المتظاهرين العزل المطالبين بالديمقراطية.
وكان رد الفعل المباشر، والذكي الماكر أيضاً، معادلاً لصفقة غير معلنة مع الولايات المتحدة –سوف أحارب الرجال الذين تعتبرونهم سيئين، طالما سُمح لي بتدمير أولئك الذين أعتبرهم سيئين بالنسبة لي.
ومن جهته، استغل زعيم ليبيا معمر القذافي أولويات الولايات المتحدة بدوره. وقد تلقى تركيز نظامه المستمر على وجود مقاتلي القاعدة في صفوف للمعارضة قدراً لا بأس به من التحقق من صحته في وسائل الإعلام الغربية.
وقد ذهب القذافي شوطاً بعيداً في محاولاته اليائسة لخطب ود الغرب، حتى أنه اقترح أن حربه ضد الثوار لم تكن مختلفة عن حرب إسرائيل ضد "المتطرفين" الفلسطينيين.
أما الشيء الغريب، فهو أن اللغة التي تتحدث بها الولايات المتحدة، وتلك التي يتحدث بها الديكتاتوريون العرب، تظل غائبة إلى حد كبير عن قاموس العرب العاديين المضطهدين، الذين يتطلعون إلى تحصيل حقوقهم الأساسية التي حُرموا منها لوقت طويل.
وليس العرب موحدين بروايات تنظيم القاعدة أو الولايات المتحدة، وإنما هم متحدون بعوامل أخرى، والتي غالبا ما يفوّتها المعلقون والمسؤولون الغربيون.
وبعيداً عن التاريخ المشترك، والدين، واللغة والشعور بالانتماء الجماعي، فإن لديهم أيضاً تجاربهم المشتركة في القهر والظلم، والتغريب وغياب العدالة والمساواة.
وقد اعتقد تقرير الأمم المتحدة الثالث عن التنمية العربية، والذي نشر في العام 2005، أن "الجهاز التنفيذي (في الدولة العربية الحديثة) يشبه الثقب الأسود الذي يحول البيئة الاجتماعية المحيطة به إلى بيئة لا يتحرك فيها شيء، والتي لا يهرب منها شيء".
ولم تحقق الأمور نتائج أفضل بكثير بالنسبة للدول العربية في العام 2009، عندما قال المجلد الخامس من السلسلة: "في الوقت الذي يُنتظر فيه من الدولة ضمان الأمن البشري، فقد كان هذا الموضوع، في بلدان عربية عدة، مصدر تهديد يقوم بتقويض المواثيق الدولية والأحكام الدستورية الوطنية على حد سواء."
كان عنوان قصة نشرتها مجلة تايم في أيار (مايو): "كيف جعل الربيع العربي من بن لادن فكرة منتهية الصلاحية". وبدت القصّة وأنها تحتفي بالطبيعة العلمانية الجمعية للثورات العربية، عندما ذكرت القراء بأنه "لم تكن هناك لافتات تشيد بأسامة بن لادن في ميدان التحرير في مصر، ولا توجد صور لنائبه أيمن الظواهري في الاحتجاجات المناهضة للحكومة في تونس أو ليبيا، أو حتى اليمن".
لكن التصوير الصادق، المستنسخ في مئات التقارير عبر وسائل الإعلام الغربية، يظل مخادعاً في أحسن الأحوال. فالحقيقة هي أن نموذج تنظيم القاعدة لم يسبق له أبداً وأن أسر مخيلة المجتمع العربي السائد.
لم تكن الثورات العربية تتحدى نظرة المجتمع العربي لتنظيم القاعدة، لأن هذا الأخير كان لا يكاد يحتل، حتى ولو مساحة صغيرة من الخيال العربي الجمعي.
ومع ذلك، فإن هذه الثورات تتحدى حقاً التصوير الأميركي الرسمي للعرب. وكانت موسسة زغبي الدولية قد نشرت مسحاً للمواقف والتوجهات العربية في شهر تموز (يوليو) 2011 الدولية. وقد كشف المسح عن وجهات نظر مفاجئة من ست دول عربية، والتي تضمنت حقيقة أن شعبية باراك أوباما بين العرب قد تدهورت إلى مستوى منخفض جديد وصل إلى 10 %.
وعندما ألقى أوباما خطابه المشهور في جامعة القاهرة في العام 2009، رأى الكثيرون من العرب أن أولويات الولايات المتحدة والعرب كانت تلتقي أخيراً في بعض النقاط. لكن حقيقة أن السياسة الأميركية لم تذهب إلى التحول بمقدار ذرة في أي اتجاه موات، جعلت العرب يدركون أن سياسات الولايات المتحدة كانت ثابتة.
فقد واصلت الولايات المتحدة حروبها، ودعمها لإسرائيل، وتحالفها القديم مع النخب العربية الأكثر فساداً. واكتشف العرب -أو أعادوا اكتشاف- أن الأمر لا يقتصر فقط على عدم وجود أي نقاط التقاء بين تطلعاتهم وبين سياسة الولايات المتحدة فحسب، وإنما أن الطرفين يسيران في الواقع على مسار تصادمي.
ومن الطبيعي بالنسبة للولايات المتحدة تنفيذ سياساتها في منطقة غنية بالنفط مثل الشرق الأوسط على أساس مجموعة من المصالح والأهداف الواضحة.
لكن ما كان يحدث في الواقع هو اختطاف كامل للتطلعات العربية، وللمصالح الوطنية لمعظم الدول العربية، لتناسب أولويات الولايات المتحدة.
وبمساعدة من الديكتاتوريين العرب، جلبت سياسات واشنطن غير الواضحة، والخاطئة ضرراً لا يوصف للدول العربية. والآن، يظهر الملايين من العرب العاديين، الذين كانت أولوياتهم وتوقعاتهم مهملة تماماً، أنهم لم يعودوا على استعداد لقبول هذا الواقع.



*كاتب مقالات معتمد دولياً، ومحرر موقع الحكاية الفلسطينية "ذا بالستاين كرونيكل". آخر كتبه هو "أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية: قصة غزة التي لم تُرو". صدر عن مطبعة بلوتو، لندن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: US-Arab Disconnect: Revolutions Restate Region's Priorities

 

التعليق